° قال الله ﷿: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ "كتبنا": أي: فرضنا، وكما قال تعالى في آية أخرى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] فالكَتْبُ بمعنى الفرض، والكتابة نوعان: كتابة شرعية، وكتابة قدرية كونية، فما تعلق بالأمر والنهي الذي يفعله المكلف فهي كتابة شرعية، وما تعلق بالخلق والتكوين فهي كتابة قدرية، فمن الأول هذه الآية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] هذا في القضاء، وقال في الكتابة: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١] هذه كتابة قدرية قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] والأمثلة كثيرة.
قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أي: في التوراة، والنص على التوراة يتضمن توبيخ هؤلاء اليهود الذين يقولون: إنهم يعملون بالتوراة ولكنهم لا يطبقونها قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يعني: أن من قتل نفسًا قُتل بها، كلمة (نفس): القاتل والمقتول لفظ عام في الموضعين، فلننظر هل شريعتنا على هذا أو تختلف؛ الأصل أنها على هذا، والدليل على هذا قول النبي - ﷺ -: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا
[ ١ / ٤٣٩ ]
بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس" (^١) هذا لفظ الحديث، وهذا لفظ الآية التي حكاها الله ﷿ عن التوراة أن النفس بالنفس، إذًا فالأصل أن من قتل نفسًا قتل بها.
فلننظر مثلًا شاب مسلم قتل طفلًا مسلمًا، يُقْتَلُ به؛ لأن النفس بالنفس، ورجل قتل امرأة يقتل بها، وعاقل قتل مجنونًا يقتل به، وكافر قتل مسلمًا يقتل به؛ لأن الآية التي معنا تقتضي أنه يقتل به.
إذًا: كافر قتل مسلمًا يقتل به، مسلم قتل كافرًا يقتل به، نحن الآن نأخذ الأحكام من الأدلة التي بين أيدينا وهي قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ والحديث: "النفس بالنفس" (^٢) والد قتل ولده يقتل به، ولد قتل والده يقتل به، حر قتل عبدًا يقتل به، سيد قتل مملوكًا يقتل به، فكل قَتْل الأصل فيه أن تقتل النفس بالنفس، يبقى النظر هل هذا العموم خصص؟ نقول: نعم خصص، فإذا لم يثبت التخصيص في مسألة ما فالأصل العموم.
ولننظر كافر قتل مسلمًا يقتل به لا شك، مسلم قتل كافرًا لا يقتل به، ما الذي أخرجه من العموم؟ أخرجه من العموم ما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا يقتل مسلم بكافر" (^٣)، والتعليل أن المسلم طاهر عَبْد لله حقيقة، والكافر نجس متمرد مستكبر، والمسلم من أولياء الله، والكافر من أعداء الله، فكيف يكون هذا
_________________
(١) رواه البخارى، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾، حديث رقم (٦٤٨٤)، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين، باب ما يباح به دم المسلم، حديث رقم (١٦٧٦) عن ابن مسعود.
(٢) تقدم ص ٣١٣.
(٣) تقدم ص ٣٠٥.
[ ١ / ٤٤٠ ]
ندًّا لهذا، أو بدلًا عنه، فالمسلم أعلى منزلة عند الله من الكافر، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فإذًا عندنا منقول ومعقول في أن المسلم لا يقتل بالكافر.
هل يقتل الرجل بالأنثى؟ نعم يقتل، الآية عامة، فيقتل الرجل بالأنثى، يعني إذا قتل رجل امرأة فإنه يقتل، فإذا قال إنسان: الرجل أشرف من المرأة وبه يقوم الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولايات والأحكام فهم القضاة وهم الولاة، وقد قال - ﷺ -: "لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة" (^١) فكيف تكون المرأة كفئًا للرجل فيقتل بها؟ نقول: عندنا عموم، وعندنا أيضًا دليل خاص، وهو أن جارية من الأنصار كان عليها أوضاح من ذهب أو فضة فقتلها يهودي، رَضَّ رأسها بين حجرين وأُدركت قبل أن تموت، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ فلان فلان فلان حتى ذكروا اليهودي، فأشارت أن نعم، يعني: أنه هو الذي قتلها، فأخذوا اليهودي فاعترف، فأمر النبي - ﷺ - بالعدل: "أن يرض رأسه بين حجرين" (^٢)، فرض رأسه بين حجرين قصاصًا، فهنا قُتِلَ رجل بامرأة.
فإذا قال قائل: الرجل ناقص عن هذه المرأة بالدين، فنقصه جعله يكون مكافئًا لها؟
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب كتاب النبي - ﷺ - إلى كسرى وقيصر، حديث رقم (٤١٦٣) عن أبي بكرة.
(٢) رواه البخاري، كتاب الديات، باب سؤال القاتل حتى يقر، والإقرار في الحدود، حديث رقم (٦٤٨٢)، ومسلم، كتاب القسامة، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات، حديث رقم (١٦٧٢) عن أنس بن مالك.
[ ١ / ٤٤١ ]
قلنا: هذا لا أثر له؛ لأن الدين إذا كان القاتل هو الأدنى لا يؤثر شيئًا، أصلًا لأن المسلم إذا قتله الكافر قتل الكافر.
إذا قتل عاقل مجنونًا يقتل به، لكن لو قال قائل: إذا قتل العاقل مجنونًا أراح الناس منه ومن شره، قلنا: يقتل للعموم.
قتل والد ولده يقتل به، حتى يوجد دليل، طلبنا دليلًا، ما وجدنا دليلًا صحيحًا، وحديث: "لا يقتل والد بولده" (^١) ليس له إسناد مستقيم، والتعليل بأن الوالد كان سبب وجود الولد فلا ينبغي أن يكون الولد سببًا في موته، هذا التعليل عليل بل هو تعليل ميت ليس فيه حراك، وإلا فمن كان السبب في الهلاك؟ الوالد هو الذي قتل، ولهذا لو قيل: إن قتل الوالد بالولد أولى من قتل الأجنبي بأجنبي؛ لأن قتل الوالد لولده ارتكاب شيء منهي عنه بخصوصه في القرآن قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١].
ثانيًا: قتل الوالد لولده من أكبر قطيعة الرحم وهذه جناية، فكيف يكون ارتكاب هذا الوالد لهذه الجناية؟ ومع ذلك نقول: لا قصاص، فإذا تبين أن المخصص لا يصح نقلًا ولا يصح عقلًا وجب أن يكون الحكم عامًا حتى في قتل الوالد بولده.
ولد قتل والده، يقتل ولا إشكال؛ لأن قتله لوالده من أكبر العقوق فلا ينبغي أن يتسامح فيه.
مملوك قتله سيده يقتل به، مالك قتل عبده يقتل به، هذا الأصل والفرع، لعموم "النفس بالنفس"؛ ولأنه جاء في الحديث
_________________
(١) تقدم ص ٣١٢.
[ ١ / ٤٤٢ ]
عن النبي ﵊: "من قتل عبده قتلناه" (^١)، وإذا قتل الحر عبد غيره قُتل به؛ لأنه إذا قتل بعبده الذي هو يملكه فقتله بعبد غيره من باب أولى.
إذًا: لم يصح الآن في تخصيص هذه الآية إلا أنه لا يقتل مسلم بكافر، والباقي على عمومه، ومن ادعى إخراج شيء من هذا العموم، قلنا: مرحبًا، هاتِ الدليل الذي يقنع، وحينئذٍ نقول: آمنا بالله، والشريعة يكحل بعضها بعضًا، فما عمم فيها في مكان وخص في مكان أخذنا به.
لو قال قائل: هل يقتل الكبير بالصغير والصغير بالكبير؟
الجواب: الصغير لا يقتل بالكبير، يعتي: لو أن صغيرًا دون البلوغ قتل كبيرًا لا يقتل؛ لأنه مرفوع عنه القلم، ولأنه ليس له قصد صحيح، وكذلك يقال في المجنون إذا قتل العاقل فإنه لا يقتل.
قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ يعني: أن من قلع عين شخص قلعنا عينه، فعَيْنٌ بعَيْنٍ، ولا بد من المماثلة، فاليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى؛ لأن التعريف في قوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ يدل على أن الثاني هو الأول، وهذا يقتضي المماثلة، ولأنه جاء بالباء الدالة على البدل، والبدل لا بد أن يكون مساويًا للمبدل منه.
مثاله: رجل قلع عين شخص ضعيف النظر، والقالع نظره قوي تقلع عينه، كما لو قتل الصحيح مريضًا فيقتل به، رجل سليم العين قلع عين شخص العوراء لا تقلع؛ لأنها لا تبصر، فاقدة المنفعة، أي: ميتة.
_________________
(١) تقدم ص ٣١٤.
[ ١ / ٤٤٣ ]
رجل أعور ليس له إلا عين يمنى قلع عين سليم اليمنى وله -أي: الأعور- عين يمنى؟ العلماء مختلفون في هذا، منهم من قال: تقلع عين الأعور، وأخذ بالعموم، في قوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ فهذا الرجل الأعور الذي ليس له إلا عين يمنى قلع عين رجل سليم العينين، اليمنى عمدًا فتقلع.
فإذا قال قائل: إنكم إذا قلعتم عينه الباقية صار أعمى؟
نقول: من الذي جعله يتعدى على هذا الرجل ويقلع عينه؟ هو الذي جنى على نفسه، ونحن لم نجنِ عليه، وقال بعض العلماء: إنه لا تقلع عينه؛ لأن ذلك يؤدي إلى فوات منفعة لا يوجد لها نظير في البدن وهي الإبصار، لكن بعضهم قال: يُعطى الدية كلها، الأعور الآن لما قلع عين الصحيح اليمنى وهو له عين يمنى، نقول: لا نقلع عين الأعور، لكن تلزمه الدية كاملة عن عين الصحيح العينين، مع أن العين فيها نصف الدية، لكن هنا تلزمه الدية كاملة؛ لأن إبقاء عينه عوضًا عن إبصار كامل بالنسبة للأعور، والإبصار الكامل فيه دية كاملة، وبعضهم يقول: ليس فيها إلا نصف الدية، مطلقة.
والذي يظهر أن الصواب أحد أمرين: إما أن تقلع عينه، ويقال: أنت الذي جنيت على نفسك، وإما أن لا تقلع لكن يلزمه للآخر دية كاملة فيضاعف عليه الغرم.
قوله: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ الأنف له قصبة من العظام، وله أرْنَبَةٌ من العظام الرقيقة، فهل المراد العظام الرقيقة أو كل الأنف؟ بعض العلماء يقول: كل الأنف، إذا قص الأنف من عند الجبهة قصصنا أنفه من عند الجبهة، وبعضهم يقول: لا يمكن أن يكون
[ ١ / ٤٤٤ ]
أنف بأنف إلا إذا كان القطع من الجانب اللين من الأنف؛ لأنه هو الذي يمكن الاستيفاء منه؛ لأن له حدًا فاصلًا بَيِّنًا، يسمى المارن، أي: مارن الأنف، وهو ما لان منه، لكن القول الراجح الأول: أنه يقتص من الأنف من حيث كان موضع الجاني، لا سيما في وقتنا الحاضر، فالطب الآن متقدم ولا يمكن أن يكون فيه حيف؛ لأن الذين قالوا: لا يقتص من العظم، قالوا: يخشى أن يكون فيه حيف فيتقطع، العظم ولا يكون الاقتصاص تامًّا، نقول: الآن الحمد لله في وقتنا الحاضر الطب متقدم يمكن أن يقتص بالشعرة.
إذا قلنا بهذا فهل المعتبر المساحة أو النسبة؟ إذا قلنا: المساحة، وكان المجني عليه أنفه كبيرًا، والجاني كان أنفه صغيرًا، وقطع نصف أنفه الكبيرة، ونصفه يقابل أنف الثاني بالكامل، وربما زيادة أيضًا فهل يعتبر بالمساحة أو بالنسبة؟ العبرة بالنسبة، وقد نجد أن بعض الناس يكون عنده حاسة شم يشم الروائح الطيبة والخبيثة، وآخر لا يشم، ولو كان عنده أطيب الروائح أو أخبث الروائح لا يشم، فهل إذا قطع الرجلُ الذي يشم أنفَ من لا يشم، فهل نقطع أنفه أو لا؟ يقطع؛ لأن الآية عامة ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾، ولأن الشم ليس في نفس الخيشوم بل الشم بالمخ ليس بالأنف، ولهذا يوجد أناس انقطعت آنافهم في حرب أو آفة أو غير ذلك وهم يشمون، وأناس آنافهم سليمة ومع ذلك لا يشمون، إذًا الأنف الأشم وغيره سواء.
قوله: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ الأذن أيضًا تقطع بالأذن لا بد من المماثلة أيضًا، اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى سواء كانت
[ ١ / ٤٤٥ ]
صماء أو غير صماء؛ لأن السمع ليس في نفس الغضاريف لكنه من الداخل، فإذا قَطع شخص أذن آخر فإنه يُقطع به.
إذا كان أذن القاطع تتحرك وأذن المقطوع لا تتحرك، هل تقطع أذن القاطع؟
على كل حال تقطع، وقد ذكروا لنا أن أناسًا يحركون آذانهم تحريكًا كبيرًا ليس صغيرًا، لكن أكثر الناس لا يستطيعون؛ لأن هذه الحركة غير مقصودة والفائدة منها قليلة، وإلا لقلنا: إن هذا مثل الشلاء والسليمة، على أن الفقهاء ﵏ قالوا: إن الشلل في الأذن والأنف لا يؤثر؛ لأن الأنف والأذن الصورة باقية ولو كان هناك شلل.
قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ "الباء" هنا لا شك أنها بدل أو عوض، فلا بد أن يكون السن المقلوع مماثل لسن الجاني فمثلًا هل تقلع الثنية بالرباعية؟
الجواب: لا، لعدم الاتفاق، والباء كما تقدم أنها للعوض أو للبدل، لا يمكن أن تكون الرباعية بدلًا عن الثنية أو العكس، والثنايا هما السنان المتلاصقان وما وراءهم الرباعية.
فإذا قلع بعض السن يعني: كسر بعض السن، هل يقتص منه؟ نعم يقتص منه ويقدر بالنسبة، إذا كان الجاني قد برد سن المجني عليه حتى ذهب نصفه، نبرد سن الجاني حتى يذهب نصفه، فإذا قال الجاني: يا جماعة ارأفوا بي، قصوا السن بدلًا عن البرد بالمبرد، هل نطيعه؟ لا نطيعه؛ لأنه كما آلم المجني عليه فإننا نؤلمه، ولهذا لو قال لنا في مسألة العين أو في مسألة الأذن: بَنِّجُوني قلنا: لا نبنجك كما أنك فعلت بالمجني عليه نفعل بك.
[ ١ / ٤٤٦ ]
بالنسبة للأذن: إذا أخذ بعض الأذن، ما دام يمكن القصاص فإنه يجب القصاص، وهو العدل.
قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ لما ذكر الله تعالى الأعضاء ذكر الجروح لكن بقي أعضاء ما ذكرت، مثل اليدين والرجلين والأصابع، لكن يثبت الحكم فيها بالقياس على ما ذكر.
قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ كلمة "الجروح" عامة تشمل كل جرح، لكن كلمة قصاص تقيد هذا العموم، إذ إن المفهوم منها أن الجروح قصاص فيما يمكن الاقتصاص منه، والفقهاء ﵏ يقولون: لا يمكن القصاص في جرح إلا في جرح ينتهي إلى عظم، والجرح الذي لا ينتهي إلى عظم لا يمكن القصاص منه، فمثلًا الجرح في الرأس حتى يصل إلى عظم الرأس، يمكن فيه القصاص، الجرح في الساق حتى يصل إلى العظم يمكن، في الفخذ كذلك، في الظهر كذلك، في الأضلاع كذلك، لكن في البطن لا يمكن هذا على ما سبق، وعندي أنه في الوقت الحاضر ممكن؛ لأن الأطباء عندهم من الحذق ما يمكن أن يُقَدِّروا الجرح بكل دقة، وإذا كان الله ﷿ لم يُبَيِّن موضع الجروح بل قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ فنقول: متى ثبت إمكان القصاص في أي جرح في أي موضع، فإنه واجب.
وهل القصاص يكون بالمساحة أو بالنسبة؟
هذه عندي فيها إشكال، مثل رجل بطنه كبير وآخر بطنه صغير، هل نعتبر المساحة أو النسبة؟ اعتبار النسبة، واللهِ أقرب إلى العدل، يعني: إنسانًا جرح بطن طفل صغير، مساحة الجرح نصف سنتيمتر من بطن الصبي والسنتيمتر أظنه الأرقام التي على
[ ١ / ٤٤٧ ]
المسطرة، فنصف السنتيمتر أو السنتيمتر من بطن الصبي كبير بالنسبة لبطنه، لكن الجارح هذا بطنه ما شاء الله بطن بعير، إذا قلنا بالمساحة لم يؤثر في بطنه شيئًا، وأيضًا قد يكون المجني عليه ذراعه طويلة لو أخذنا بالمساحة لزم أن نأخذ كل ذراع الجاني، ولكن إن كان القطع من النصف قلنا: خذ النصف، وإذا كان من الثلث قلنا: خذ الثلث، هذا هو القول الراجح، فإذا لم يمكن فالصواب: أن للمجني عليه أن يطلب القصاص مما دونه من المفصل، وله أن يطلب أرش الزائد أيضًا، هذا هو القول الراجح؛ لأن الله تعالى أمر بالعدل وهذا هو العدل فالظاهر والله أعلم أن الجروح بالنسبة.
وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾: يعني: أنه يقتص من الجاني بمثل ما جنى على المجني عليه، فإذا كان جرحه في جانب الرأس الأيمن يقتص منه في جانب الرأس الأيمن، وإذا كان جرحه في الجانب الأيسر يقتص منه في الجانب الأيسر، وهلمَّ جرَّا.
قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾ من تصدق به: أي: بالقصاص، وهذا يحتمل معنيين:
المعنى الأول: أن يتصدق المجني عليه بالقصاص فلا يقتص من الجاني ويكون هذا كفارة له؛ لأن الصدقة كفارة.
المعنى الثاني: تصدق به أي: بالقصاص، أي: بذل نفسه ليقتص منه فيكون ذلك كفارة له؛ لأنه إذا اقتص منه في الدنيا لم يلحقه الجاني به في الآخرة.
وقوله: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ أما كونه كفارة للمتصدق الذي
[ ١ / ٤٤٨ ]
هو المجني عليه فظاهر؛ لأنه أحسن إلى أخيه وتصدق عليه بأعز شيء عليه وهو نفسه إذا كان ذلك بالنفس، وأما كونه كفارة للجاني؛ فلأنه سلم نفسه بسهولة فيكون تسليمه نفسه ليقتص منه كفارة لجريمته وجنايته ولا يعاقب به؛ إذ لا يجمع الله تعالى على الإنسان عقوبتين، عقوبة الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ أي: للمتصدق؛ سواء كان المجني عليه أو الجاني، والكفارة: مأخوذة من الكَفْر وهو الستر؛ لأن الشيء إذا غطى آثار شيء آخر صار كالساتر له، ولذلك كان لليمين كفارة، وكانت للظهار كفارة، وكان للقتل كفارة؛ لأن الكفارة تستر ما يحصل من آثام الذنوب وتمحوها.
قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ نقول في هذه الجملة كما قلنا في الجملة الأولى: هل المراد من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود أو هو عام؟ في هذا قولان للمفسرين كما تقدم:
منهم من قال: إنها في اليهود؛ لأن سياق الآيات فيهم، وعلى هذا القول يمكن أن يلحق بهم من فعل ذلك من المسلمين بطريق القياس.
القول الثاني في المسألة: أن الآية عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم سواء كان من المسلمين أو كان من اليهود أو من غيرهم، وهذا يساعده اللفظ، والأول يساعده السياق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ فالكلام عن اليهود، ولكن الحكم في الحقيقة لا يختلف فيمن لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين؛ لأننا نقول: إن شمله اللفظ فقد شمله
[ ١ / ٤٤٩ ]
الحكم بالدليل اللفظي، وإن لم يشمله فقد شمله الحكم بالدليل المعنوي وهو القياس.
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ "هم": ضمير فصل، وتقدم أن ضمير الفصل حرف لا محل له من الإعراب، لكن يؤتى به للفصل بين الصفة والخبر، أي: بين النعت والخبر، فإذا قلت: زيد الفاضل تريد أن تخبر عنه بأنه "الفاضل"، فإنه يحتمل أن تكون الفاضل نعتًا لزيد، والخبر لم يأتِ بعد، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، تعين أن يكون خبرًا ولهذا سمي ضمير فصل، وفائدته ما ذكرنا، وفائدة أخرى: التوكيد، وفائدة ثالثة: الحصر.
هل نقول: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ يعني لا يوجد أحد ظالم إلا هؤلاء بناء على أن ضمير الفصل يفيد الحصر؟
الجواب: لا، هذا حصر نسبي أي: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ في عدم تطبيق ما ذكر في الآية، وإلا فإن الكافرين هم الظالمون، والمفتري على الله كذبًا ظالم، وهو أظلم الناس، قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [يونس: ١٧].