الفائدة العاشرة: الحثِ على التقوى وأنها سبب لكل خير ولكل علم، لقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ولا شك أن التقوى: هي أساس العمل لأن من لم يتقِ الله لا يعمل ومن اتقى الله عمل بأوامر الله حسب ما عنده من التقوى.
الفائدة الحادية عشرة: أنه كلما زادت التقوى في الإنسان زاد اتعاظه بالكتب السماوية، وعندنا قاعدة مفيدة وهي أن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة ذلك الوصف ونقصًا بنقصانه، فلو قلت مثلًا: أكرم الرجل لكرمه فكل من كان أكرم يستحق من الإكرام أكثر.
* * *
° قال الله ﷿: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧].
قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ قراءتان، القراءة الأولى: ما هو مثبت أي: بسكون "اللام" وسكون "الميم" ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ والقراءة الثانية: بكسر "اللام" وفتح "الميم"، والتقدير ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ فعلى القراءة الأولى: تكون اللام لام الأمر، وعلى القراءة الثانية: تكون اللام لام التعليل التي يعبر عنها أحيانًا بـ "لام" كي، ولننظر الإعراب على الوجهين:
فعلى القراءة الأولى: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ تكون أمرًا من الله ﷿ بأن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ولكن هذا الأمر هل هو مقول لقول محذوف، أي: وقلنا وليحكم أهل الإنجيل بما
[ ١ / ٤٦٣ ]
أنزل الله فيه، أو أنه أمر ابتدائي؟ قيل: هذا وهذا، ومتى دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأولى عدم التقدير.
أما على القراءة الثانية: "وليحكمَ" فتكون تعليلًا لقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٤٦] وهي معطوفة على قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾ [المائدة: ٤٦] يعني مصدقًا لما بين يديه ولأجل أن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، "والحكم": هو بيان الحكم والإلزام به، يعني: بمعنى القضاء، فالقضاء بيان الحكم وإلزام به، والفتوى: بيان للحكم بدون إلزام.
وقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴿بِمَا﴾ أي: بالذي أنزل الله فيه من الأحكام فـ "ما" موصولة أي: بالذي أنزل الله فيه.
قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ نقول فيها كما قلنا في الآيتين السابقتين إلا أنه هنا قال: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فهل الفسق هنا فسق معصية أو فسق كفر؟ لأن الفسق قد يكون فسق كفر وفسق معصية.
هذا على حسب الحال، والتفصيل الذي ذكرناه سابقًا تنزل عليه هذه الآيات، فمن حكم بغير ما أنزل الله عادلًا عن حكم الله زاعمًا أنه يساوي حكم الله أو أنفع فهذا كافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله للعدوان على المحكوم عليه فهذا ظالم، ومن حكم بغير ما أنزل الله لهوىً في نفسه فهذا فاسق، ومن أفتى بغير ما أنزل الله حكمه حُكْمُ مَنْ حَكَمَ بغير ما أنزل الله لأن الأوصاف واحدة، لكن الحكم يمتاز عن الإفتاء بأنه إلزام؛ لأن الحاكم يلزم والمفتي لا يلزم.
[ ١ / ٤٦٤ ]