بنفسه أبدًا، ومدبرًا في الأمور الاختيارية والأمور الغير الاختيارية، كما أن الإنسان ليس بيده أن يكون صحيحًا من مرض، أو مريضًا من صحة، فكذلك ليس بيده، أن يكون مهتديًا بعد ضلالة، إنما الأمر بيد الله ﷾.
* * *
° قال الله ﷿: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ [المائدة: ٥٢].
قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾، كلما رأيت مثل هذا الخطاب فهو إما للرسول ﵊، وإما له ولمن يصح خطابه، وتوجيه الخطاب إليه، أي: فترى أيها النبي الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم، أو فترى أيها الإنسان.
لما نهى الله ﷾ أن يتخذ المؤمنون اليهود والنصارى أولياء؛ بَيَّنَ أن من الناس من في قلبه مرض، فيسارع في موالاتهم ومهادنتهم وموادتهم، ولهذا لم يقل: في موالاتهم ليفيد العموم بل قال: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: في كل ما يكون سببًا لقوتهم وعزتهم، وأمراض القلوب أنواع كأمراض الأبدان تمامًا، أمراض الأبدان أنواع: أمراض عضوية في عضو خاص، وأمراض عامة، وأمراض حمى، وأمراض رعشة، أنواع كثيرة، أمراض القلوب كذلك متنوعة، لكنها تدور على شيئين: إما شبهة وإما شهوة، كل أمراض القلوب لا تخرج عن هذين الأمرين: شبهة من حيث يلتبس عليه الحق والعياذ بالله بالباطل، ولا يهتدي للحق،
[ ٢ / ٢٠ ]
هذا مرض شبهة سببه الجهل، ولذلك يجب على كل إنسان أن يزيل عنه هذا المرض بتعلم الشريعة.
والثاني مرض الشهوة، أي: مرض إرادة وتشهي، بحيث لا يريد الحق مع علمه به، وهذا أخبث من الأول؛ لأن الأول يرجى صلاحه، إذا تعلم، لكن هذا لا يرجى صلاحه إلَّا أن يشاء الله؛ يعني: لأن هذا يعلم الحق ولكنه لم يعمل به، وهذا أشد.
ولكن اعلم أن المرض كما قلت: أنواع، ففي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، هذا مرض الشهوة في حب النساء والتلذذ بأصواتهن المحرمة استماعها وما أشبه ذلك، لكن في قول الله ﵎: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، أعوذ بالله، ﴿فِى قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾ يعني: شكًا ونفاقًا، هؤلاء لا يزدادون بالآيات إلَّا رجسًا إلى رجسهم، أجارنا الله من ذلك، ونسأل الله الثبات.
لو قال قائل: عرفنا صورة الموالاة للكفار فكيف تكون صورة الموالاة لأهل البدع، وهل هي كموالاة الكفار؟
الجواب: مثل موالاة الكفار، فمن صور موالاتهم تخفيف بدعهم، ومحاولة أن يختلط هؤلاء بهؤلاء، أي: أهل البدع بأهل السنة، وأتباع السلف.
لو قال قائل: هل استخدام كثير من المسلمين للتاريخ الميلادي يعتبر نوعًا من الموالاة؟
الجواب: نعم، عدول المسلمين الآن من التاريخ الهجري
[ ٢ / ٢١ ]
- العربي - إلى تاريخ اليهود والنصارى لا شك أنَّه نوع من الموالاة، ولهذا كره الإمام أحمد ﵀ أن يقول: آذرماه وما أشبه ذلك، والعجب منا نحن العرب! الآن التزامنا بالتاريخ الهجري يقتضيه شيئان: الشيء الأول الدين؛ والشيء الثاني: العروبة، لأنه مبني على مناسبة عظيمة، وهي الهجرة التي بها تكونت الدولة الإسلامية، ولهذا لما اختلفوا في زمن عمر: هل يجعلون التاريخ من البعثة أو من مولد الرسول - ﷺ -؟ قال: "لا من الهجرة؛ لأن الهجرة هي التي حصل بها تكوين الدولة الإسلامية" فمن ثَمَّ جعلوا التاريخ من الهجرة ولم يجعلوه من ربيع الأول؛ لأن مناسبة كونه في محرم أقوى من مناسبة كونه في ربيع الأول؛ لأن الناس ينصرفون من الموسم: موسم الحج بعد أن أدوا فريضة الصوم وفريضة الحج.
قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: يقولون بألسنتهم بعضهم لبعض، أو إذا لامهم لائم وبقلوبهم أيضًا ﴿نَخْشَى﴾ أي: نخاف ﴿أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرُةٌ﴾ أي: نائبة من نوائب الدهر، والدائرة الشيء المهلك، فنوالي هؤلاء ليكون لنا عندهم يد نحتمي بها.
يقول الله ﷿: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ عسى: من أفعال الترجي، لكنها بالنسبة لله ﷾، أي: لفعله ﷾، لا يمكن أن نقول: إنها للترجي؛ لأن الترجي هو تمني ما يصعب حصوله بعض الشيء، والله ﷿ لا يصعب عليه شيء، ولهذا قال بعض المفسرين وأظنه ابن عبَّاس: عسى من الله واجبة، أي: بمعنى سيقع حقًّا، لكنه ﷿ يأتي بعسى في مثل قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩]،
[ ٢ / ٢٢ ]
وما أشبه ذلك من أجل أن يتعلق القلب رجاة بالله ﷿؛ لأنه لو أخبر بأن هذا سيكون؛ لاعتمد على هذا الخبر الصادق وأنه سيكون، لكن إذا قيل: (عسى)، صار القلب متعلقًا برجاء الله ﵎.
قوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾: "الفتح" المراد به النصر، كما قال الله ﵎: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]، يعني: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وقيل المراد بالفتح: فتح مكة، ولكن الصواب الأول، يعني: أن المراد به النصر وذلك من أجل أن يعم فتح مكة وغيره.
قوله: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾، الأمر من عنده يعني: الشأن من عنده، وذلك في بيان مخازي هؤلاء الذين في قلوبهم مرض، وهم المنافقون، فيفضحهم، وقد فضحهم الله ﵎ أيما فضيحة في القرآن الكريم في سورة التوبة وفي سورة الحشر وغيرهما، فضحهم الله وبين مخازيهم.
فالأمر هو الشأن والمراد به فضيحة هؤلاء الذين في قلوبهم مرض؛ لأن هؤلاء الذين في قلوبهم مرض يأتون للمسلمين ويقولون: نحن مسلمون ويتظاهرون بالإسلام، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم.
قوله: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ كلمة "يصبحوا" هنا: تعني فيؤول أمرهم إلى هذا سواء أدركوا ذلك في المساء أو أدركوه في الصباح، وهذا تعبير لغوي سائغ، يقال: أصبح فلان نادمًا، ويكون ندمه في الليل أو في المساء، فيعبر أحيانًا بالإصباح عن حصول الشيء في أي وقت كان، والنون في
[ ٢ / ٢٣ ]
قوله: "يصبحوا" محذوفة والتقدير: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾، فتكون داخلة تحت خبر عسى.
وقوله: ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ما أخفوه في أنفسهم عن المؤمنين؛ لأنهم يخفون عن المؤمنين أنهم يسارعون في هؤلاء، ولكن الله تعالى فضحهم.
وقوله: ﴿نَادِمِينَ﴾ خبر يصبحوا، ولهذا نصبت بالياء، والندم: انفعال نفسي على ما بدر من المرء مما يقبح فعله أو قوله، هذا هو الندم، وكل إنسان منا يحس في نفسه معنى الندم؛ لأنه انفعال نفس يحصل بالتأسف على ما مضى مما يقبح فعله أو قوله، ولهذا من شروط التوبة: الندم.