° قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤].
سبق الكلام على قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وما فائدة تصدير الخطاب بالنداء، ثم بوصف الإيمان.
قوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾، فيها قراءتان: ﴿يرتدد﴾، بفك الإدغام، و﴿يرتد﴾ بالإدغام، أما على قراءة: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ فهي مجزومة والجزم ظاهر بـ "مَنْ" الشرطية، لكن على قراءة ﴿من يرتدَّ﴾ تكون مجزومة أيضًا لكن نقول: لما أدغمت الدال بالأخرى حركت الثانية بالفتح لالتقاء الساكنين.
قوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ عن دينه: يعني: عن عمله الذي يدين الله به وهو العبادة.
قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾، الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ لأن هذا أحد المواضع السبعة التي يجب اقترانها بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط، والبقية مذكورة في البيت يقول الشاعر:
اسمية طلبية وبجامد وبما وقد وبلن وبالتنفيس
هذه سبعة مواضع إذا وقعتت جوابًا للشرط، سواء كان الشرط جازمًا أم غير جازم، فلا بد أن تقترن بالفاء ولا تحذف إلَّا قليلًا ولا سيما عند ضرورة الشعر، كما في قول الشاعر:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
والواجب أن يقال (فالله) لأن الجملة اسمية.
قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، قالوا: إن "سوف"
[ ٢ / ٢٩ ]
و"السين" تتفقان في دلالتها على التأكيد، لكنهما تختلفان بأن السين تدل على الفورية، و"سوف": تدل على الإمهال.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾: (بقوم) يعني: غير المرتدين، ولم نتكلم عن الارتداد، الارتداد عن الدين ينحصر في شيئين: إما الجحود وإما الاستكبار، لو قرأت جميع ما ذكره الفقهاء في كتاب المرتد لوجدته لا يخرج عن هذين الأمرين: وهما الجحد أو الاستكبار. الجحد: يعني: التكذيب في الأخبار، والاستكبار: عن الامتثال، كل الردة تعود إلى هذين الأمرين وما يذكر من التفاصيل، فهذا عبارة عن تشقيق لهذه الجملة وتفريع عليها.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾: ذكر أوصافهم، فلنعددها: "يحبهم" و"يحبونه" "أذلة على المؤمنين" "أعزة على الكافرين" "يجاهدون في سبيل الله" "ولا يخافون لومة لائم" ستة أوصاف. يعني: إن ارتددتم فلن تضروا الله شيئًا، ولن تضروا الإسلام شيئًا، بل إن الله سيأتي بقوم هذه صفاتهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾ فما معنى المحبة؛ المحبة: هي المحبة، ولا يمكن أن تعرفها بأوضح من لفظها، وهكذا جميع الأشياء الانفعالية، لا يمكن أن تحدها بأكثر من لفظها، لو قلت: ما هو الغضب؟ الغضب: هو الغضب، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في الكتاب المنسوب إليه - وهو روضة المحبين - ذكر للمحبة تعريفات كثيرة، لكنه قال: كلها لا تصح، كلها تفسير لها بلوازمها أو آثارها أو ما أشبه ذلك.
قوله: ﴿يُحُبُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾ ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ هو الله ﷿، ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ لكن يجب أن نعلم أن محبة الله تخالف محبة الإنسان
[ ٢ / ٣٠ ]
في أسبابها وفي آثارها وكيفيتها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
وقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أنهم لا يستكبرون على المؤمنين ولا يترفعون عليهم، بل يتطامنون لهم، ويذلون لهم، أي: يتواضعون، كما في قوله ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، ولهذا عديت (أذلة) بـ "على" دون "اللام"، يعني: لم يقل: أذلة للمؤمنين، بل قال: أذلة عليهم، يعني: ذوي شفقة عليهم، وحنان عليهم دون استعلاء واستكبار، فـ "أذلة" مضمنة معنى الشفقة، يعني: أذلة بشفقة، وبعضهم قال: إن هذا يدل على أن الذل صار من علو وليس من ضعف لأن الذليل قد يكون ذليلًا لضعفه لا لعلوه لكن هذه الآية تفيد أنهم أذلة مع العلو والرفعة.
قوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، أعزة: يعني أقوياء يُرُون الكافرين القوة والعزة والافتخار بما هم عليه من الدين.
قوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الجهاد: بذل الجهد لإدراك الشيء، والمراد به هنا: بذل الجهد لقتال الأعداء، ثم إن كان لإعلاء كلمة الله فهو جهاد في سبيل الله، وقد بَيَّنَ النبي - ﷺ - أن المجاهد في سبيل الله هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لأن يعلو هو، بل لتكون كلمة الله هي العليا فقد سئل النبي ﵊، عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياءً، أيُّ ذلك في سبيل الله؛ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (^١)، وسبيل الله: طريقه الموصل إليه، وقد أضافه
_________________
(١) تقدم في (١/ ٣٣٦).
[ ٢ / ٣١ ]
إلى نفسه وإلى غيره، فقال تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وأضاف الله السبيل إليه في آيات كثيرة، ولا منافاة فإن الله أضاف السبيل إليه لوجهين: الأول: أنَّه هو الذي شرعه وفتحه طريقًا إليه، والثاني: أنَّه موصل إليه، كما تقول: هذه سبيل مكة، وتعني طريقها الموصلة إليها، أما إضافته إلى المؤمنين فلأنهم سالكوه، فهو يضاف إلى الله باعتبار وإلى المؤمنين باعتبار، فلما اختلفت الجهة لم يكن هناك تناقض.
قوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾، اللوم: هو العذل، يعني: أن الإنسان لا يخاف إذا جاهد في سبيل الله، وصار عزيزًا على الكافرين لا يهمه أن يلام أو لا يلام؛ لأنه يريد هدفًا آخر، لا يريد أن يكون محمودًا عند الناس ولا مذمومًا عندهم وانما يريد مرضاة الله ﷾.
وقوله: ﴿لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ يعني: أي: لومة من أي لائم، أخذنا العموم من كلمة: لومة وهي واحدة، "لائم": نكرة فيشمل كل من يلوم سواء كان من الأقارب أو الأباعد، أو الأصحاب، أو غيرهم.
قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ "ذلك": المشار إليه الاتصاف بهذه الأوصاف، ﴿فَضْلُ اللهِ﴾ أي: عطاؤه ورزقه ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، وكلما قرأت شيئًا معلقًا بالمشيئة فاعلم أنَّه مقرون بالحكمة، ولا بد، والدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]، فلا يشاء شيئًا إلَّا وهو يعلم أن الحكمة في مشيئته، حتَّى يفعله ﷾.
[ ٢ / ٣٢ ]
وقوله: ﴿وَاسِعٌ﴾ واسع هل في فضله فقط أو في كل صفاته؟
الجواب: في كل صفاته، وإذا جاءك معنىً يكون أعم فخذ به إذا كان النص يحتمله، سواء في الكتاب أو السنة، فإذا قلنا: واسع في فضله وعطائه، نعم هو واسع في فضله وعطائه، لكن إذا قلنا: واسع في جميع صفاته فإن ذلك أعم، والأخذ بالأعم أولى؛ لأنه يدخل فيه الأخص.
وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم، والعلم واسع، كما قال تعالى: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].