الأمة قال: "إن أمنَّ الناس عليَّ في ماله وصحبته أَبو بكر" (^١) الله أكبر، من حصَّل هذا؟ وقال - ﷺ -: "لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا؛ لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الاصلام ومودته" (^٢) هذه ما حصلت لأحد، خَلَّفَهُ في الصلاة، وخلفه في الحج، خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك في أهله، وقال له لما قال: يا رسول الله تجعلني في النساء والضعفاء، قال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنَّه لا نبي بعدي" (^٣) هذه المنقبة ما حصلت لأبي بكر، وكان خليفته في أهله، كما قال موسى لهارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢].
* * *
° قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٦].
قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ "مَنْ" شرطية، يعني أي إنسان يتولى هؤلاء الثلاثة: الله ورسوله والذين آمنوا، أي: يتخذهم أولياء يتولاهم بالمحبة والمودة والنصرة وجميع ما تقتضيه الولاية.
_________________
(١) رواه البخاري أَبواب المساجد، باب الخوخة والممر في المسجد، حديث رقم (٤٥٤)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق، حديث رقم (٢٣٨٢) عن أبي سعيد.
(٢) الحديث السابق.
(٣) رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب، حديث رقم (٣٥٠٣)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب، حديث رقم (٢٤٠٤) عن سعد بن أبي وقاص.
[ ٢ / ٥٦ ]
فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ﴾ هل الله في حاجة لأن يتولاه أحد؟
الجواب: الله ﷿ ليس بحاجة لأن يتولاه أحد، لكنّ الدين بحاجة إلى أن يتولاه أهله، ومن تولى دين الله فقد تولى الله كما قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، ومن المعلوم أن الله ﷿ لا يحتاج إلى نصر، لكن ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أي: تنصروا دينه ﴿يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
وقوله: ﴿وَرَسُولَهُ﴾ لرسول ﵊ يحتاج إلى من يتولاه في حياته ويتولى سنته ويدافع عنها بعد وفاته، فيكون تولي الرسول بمعنى تولي سنته ونصرها، كما قلنا: إن تولي الله يعني تولي دينه ونصرة دينه.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ تولي المؤمنين إلى يوم القيامة؛ لأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق حتَّى تقوم الساعة وحتى يقبضوا قبل قيام الساعة؛ لأن الساعة لا تقوم إلَّا على شرار الخلق.
قوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾، لم يقل ﷿ فإنه الغالب، بل قال ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ ليكون دالًّا على شيئين:
الشيء الأول: أن من تولى الله ورسوله والذين آمنوا فهو من حزب الله.
الشيء الثاني: إرادة العموم أن حزب الله لا بد أن يكون غالبًا؛ لأن دين الله لا بد أن يكون غالبًا، فالمتمسك بدين الله؛ هو من حزب الله وهو غالب ولا بد، لكن الغلبة قد تكون في حال الحياة وقد تكون بعد الموت، ولهذا نجد الأئمة الذين لم
[ ٢ / ٥٧ ]
يقدر لهم أن يظهروا ظهورًا كاملًا في حياتهم؛ ظهروا ظهورًا كاملًا بعد وفاتهم كالإمام أحمد وابن تيمية وغيرهما من العلماء والأئمة الذين لحقهم من الإهانة من ولاة السوء ما لحقهم، وكانت الغلبة لهم إما في الحياة وإما بعد الممات.