الجواب: لا، يعني احذر واخشَ، وليست هذه تقوى عبادة، وعبارة "اتقِ شر من أحسنت إليه" السابقة ليست بحديث لكن قد يكون معناها صحيحًا في بعض الأحيان، فإذا أحسنت إلى أحد قال هذا خائف مني ثم يهينك.
* * *
° قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ [المائدة: ٥٨].
قوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ذكر ذلك مبينًا حال هؤلاء الذين أوتوا الكتاب وكذلك الكفار.
وقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: دعوتم الناس إليها بالصفة المعروفة، ولما قدم النبي - ﷺ - المدينة وصار للأمة دولة إسلامية ومجتمع كبير؛ تشاوروا فيما بينهم كيف يجمعون الناس إلى الصلاة؛ فمنهم من اقترح: أن توقد نيران إذا دخل الوقت، يُعلم بها دخول الوقت، ورُفض هذا الاقتراح بأن هذا من عادة المجوس؛ ولأن هذه النيران في النهار لا تفيد شيئًا، ثم اقْتُرِح ناقوس فرفض هذا الاقتراح؛ لأن هذا من علامة صلاة النصارى، ثم اقترح بوق ينفخ ويكون له صوت، ورُد هذا الاقتراح؛ لأنه من شعار دين اليهود، ويسر الله ﷿ أن أحد الصحابة وهو: عبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵁، رأى في المنام رجلًا معه ناقوس أو بوق فقال له: أتبيع هذا؟ قال: لأي شيء، قال: لأعلن به الصلاة، فقال: ألا أدلك على خير من هذا؟ ثم أسمعه الأذان كله، فلما أصبح غدا إلى النبي - ﷺ - وأخبره، فقال: إنها لرؤيا حق وأقرها النبي - ﷺ -، وأمر عبد الله بن زيد أن يلقيه إلى
[ ٢ / ٦٧ ]
بلال؛ وعلل ذلك فقال: "إنه أندى صوتًا منك" (^١)، ولم يقل: ألقه وسكت؛ لأنه لو سكت لكان في قلب عبد الله بن زيد شيء، إذ إنه هو الذي رآه فكان أولى الناس بالقيام به، لكن من عادة الرسول ﵊ أنه يُبَيِّنُ حكمة الشيء حتى يطمئن القلب، فَبَيَّنَ أنه أندى صوتًا منه فنادى به، ونعم النداء، تعظيم لله ﷿، شهادة له بالتوحيد، شهادة للرسول به. بالرسالة، دعوة للصلاة، دعوة للفلاح، ختام بالتعظيم والتوحيد، أي دعوة أحسن من هذه؟ لا شيء، دعوة عظيمة، ولهذا يقول مجيب المؤذن: "اللهم رب هذه الدعوة"، ماذا؟ "الدعوة التامة" (^٢) حتى إن الرسول ﵊ جعلها من شعار البلاد الإِسلامية فكان إذا نزل بقوم انتظر، فإذا أذنوا ترك قتالهم (^٣)؛ لأن الأذان من شعائر الإِسلام الظاهرة، التي لا يجوز للمسلمين أن يدعوها، ولا يجوز للمسلمين أن يهجموا على بلد يؤذن فيه، وربما يكون هذا هو علامة كون الدار دار إسلام، أن يعلن فيها الأذان؛ لأن الرسول - ﷺ - إذا سمع الأذان كف عنهم، وعلم أن بلادهم بلاد إسلام ويكون هذا هو الفيصل في معنى دار الإِسلام.
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، حديث رقم (٤٩٩)، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في بدء الأذان، حديث رقم (١٨٩)، وابن ماجه، كتاب الأذان والسنة فيها، باب بدء الأذان، حديث رقم (٧٠٦)، وأحمد (٤/ ٤٣) (١٦٥٢٥) عن عبد الله بن زيد.
(٢) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء عند النداء، حديث رقم (٥٨٩) عن جابر بن عبد الله.
(٣) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب ما يحقن بالأذان من الدماء، حديث رقم (٥٨٥) عن أنس.
[ ٢ / ٦٨ ]
وقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ناديتم بماذا؟ بالأذان.
وقوله: ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾ كلمة عامة تشمل: الجمعة والفرائض الخمس، وهل نقول: وغيرها؟
الجواب: لا نقول وغيرها، إذًا: هو عام أريد به الخاص، وهو ليس العام الذي خصص؛ لأن العام الذي خصص، أُريد عمومه أولًا، ثم ورد عبيه التخصيص ثانيًا، والعام المراد به الخاص، لم يرد عمومه أصلًا.
ولهذا نقول: الصلاة هنا عام أُريد به الخاص، الاستسقاء لا يؤذن له مع أنه يجتمع له، العيدان لا يؤذن لهما مع أنه يجتمع لهما، الكسوف لا يؤذن له مع أنه يجتمع له، قيام الليل في رمضان لا يؤذن له مع أنه يجتمع له، لكن الكسوف اختص بدعوة خاصة حتى لا يلحق بالفرائض التي تتكرر كل يوم وذلك بأن يقال: الصلاة جامعة؛ لأنه يأتي بغتة والناس غافلون.
إذًا: المراد بقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ست صلوات، الصلوات الخمس والجمعة.
قوله: ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ أي: جعلوا يسخرون ويستهزئون.
وسبق الفرق بين الهزو واللعب.
قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ ذلك: المشار إليه قولهم أو اتخاذهم إياها هزوًا ولعبًا، و"الباء" في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾: للسببية، أي: بسبب أنهم، ﴿قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: ليس لهم عقول، أي: عقول راشدة لكن لهم عقول مدركة، والفرق بينهما:
العقول المدركة: هي العقول التي يترتب عليها التكليف، وهو الوصف الذي تجده في كتب الفقهاء من شروط الصلاة مثل التمييز والعقل إلخ، والعقل هذا عقل إدراك.
[ ٢ / ٦٩ ]
لكنَّ عقل الإرشاد: هو الذي انتفى عن كل كافر، فكل كافر ليس عاقلًا عقل إرشاد، أي: ليس له عقل يرشده، عنده ذكاء وعنده إدراك للأمور، ويعرف من الواقع ما لا يعرفه كثير من المسلمين لكنه ليس بعاقل؛ لكفره بالله ﷿ والعقل يهدي إلى الحق.
إذًا قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: ليس عندهم عقل إرشاد، ولو عقلوا لعظموا هذه الصلاة العظيمة التي لا نعلم أن في دين الإِسلام شيئًا أعظم منها ما عدا التوحيد والرسالة؛ لأنها اختصت بخصائص عظيمة، ولا يخفى على كثير من الناس أنها فرضت من الله إلى رسوله بدون واسطة، ولم تفرض علىى الرسول ﵊ وهو في الأرض؛ بل في أعلى مكان يصله البشر، وأيضًا لم تقرض عليه بهذا القدر الكمي -يعني: خمس صلوات- بل فرضت خمسين صلاة تستوعب كثيرًا من الوقت إن لم يكن أكثر وقت اليقظة، وهذا يدل على محبة الله ﵎ لها، ولما كان الله يحبها؛ كانت قرة عيسى للرسول - ﷺ -، قال النبي - ﷺ -"حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة" (^١) اللهم صل وسلم عليه.
هذه الصلاة العظيمة هل يمكن لأي عاقل عقل إرشاد أن يتخذها هزوًا ولعبًا؟ أبدًا بل يتخذها مقام التعظيم والاحترام؛ لأن الإنسان إذا جاء يصلي، فمن يناجي ومن يقف بين يديه؟ يقف بين
_________________
(١) رواه النسائي، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، حديث رقم (٣٩٣٩)، وأحمد (٣/ ١٢٨) (١٢٣١٥)، والحاكم (٢/ ١٧٤) (٢٦٧٦) عن أنس.
[ ٢ / ٧٠ ]
يدي الله ويناجي الله، ليس بينه وبينه أحد، "يقول: الحمد لله رب العالمين، فيقول الله جل وعلا: حمدني عبدي" (^١).
ثم يأتي برياض من العبادات قرآن، تكبير، تعظيم لله، انحناء لله، سجود لله، يعني: روضة عظيمة من رياض العبادات، فكيف يمكن لعاقل أن يتخذها هزوًا ولعبًا؟ ! والله لو أن الإنسان منا قيل له: الآن عندك مقابلة مع الملك أو مع الرئيس، ماذا يكون؟ يتأهب ويتجمل ويتطيب، ويتخذ بذلك عدة واستعدادًا، فكيف إذا كان يريد أن يقف بين يدي الله ﷿؟ الذي هو أحب الأشياء إليه، سيكون لهذا تأثير عظيم لو كنا نعقل، لكن العقل عندنا قليل، نحن نعرف أن الواحد نصف الاثنين هذا عقلًا، لكن العقل الذي هو عقل الإرشاد قليل.
بل كثير من المسلمين اليوم -ونسأل من الله أن يعفو عنا وعنهم- يأتون إلى الصلاة ويقيمون الصلاة جسمًا لا روحًا، ولا تتسلط على الواحد منهم الشياطين بالهواجس إلا إذا دخل يصلي، ثم إذا سلم من الصلاة فكأنه سحاب استدبرته الريح، كل الهواجس هذه تذهب ولا يجد لها فائدة أيضًا، فلذلك كان الذين يتخذون الصلاة هزوًا ولعبًا؛ لا شك أنهم قوم لا يعقلون، والذين يعظمونها وينزلونها منزلتها هم أهل العقل والرشاد.