عن الطريق" وهذا فعل "والحياء شعبة من الإيمان") (^١) وهذا انفعال النفس من أثر القلب وهو من أعمال القلوب، فدل هذا على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، لكن إذا قرنت الأعمال بالإيمان صارت الأعمال علانية والإيمان في القلب، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧].
الفائدة العشرون: أن العمل قد يحبط بعد أن عمله الإنسان، وذكرنا التفصيل في هذا، وأن الردة لا تحبط الأعمال إلا إذا مات الإنسان على ذلك.
الفائدة الحادية والعشرون: إثبات الآخرة.
الفائدة الثانية والعشرون: أن الناس في الآخرة ما بين خاسر ورابح، لقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فدل هذا على أن الآخرة فيها رابح وفيها خاسر.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦].
_________________
(١) هذا اللفظ لمسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان، حديث رقم (٥٨)، وهو عند البخاري مختصرًا، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، حديث رقم (٩) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٨٤ ]
قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ﴾ الخطاب في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبق الكلام عليه عدة مرات فلا حاجة إلى إعادته هنا.
قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: إذا أردتم الصلاة، ولا يشترط أن يقوم الإنسان على قدميه، بل متى أراد وإن كان قاعدًا فإنه يلزمه ما أمره الله به.
وقوله: ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الصلاة عبادة معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، هكذا قال العلماء في تعريفها، ولم يذكروا كيفيتها؛ لأنها يعلمها الخاص والعام، فقولنا: "مفتتحة بالتكبير" هذا فصل يخرج ما عدا الصلاة؛ لأن جميع العبادات التي سوى الصلاة ليس فيها افتتاح بالتكبير، وقولنا: "مختتمة بالتسليم" يخرج ما يبتدئ بالتكبير ولا يختتم بالتسليم، كالطواف بالبيت، على أن ابتداء الطواف بالتكبير ليس بركن، لكنه من المندوبات، لكنه يخرج بقولنا: مختتمة بالتسليم، فإن الطواف لا يختتم بالتسليم، وهذا مما يدل على أن الحديث المروي مرفوعًا إلى الرسول ﵊: "أن الطواف بالبيت صلاة" (^١) لا يصح مرفوعًا، إنما هو عن ابن عباس ﵄ وهو لا يصح طردًا ولا عكسًا.
ولهذا كان القول الراجح أن الطواف لا تشترط له الطهارة؛
_________________
(١) رواه النسائي، كتاب مناسك الحج، باب إباحة الكلام في الطواف، حديث رقم (٢٩٢٢) عن رجل أدرك النبي - ﷺ -، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الكلام في الطواف، حديث رقم (٩٦٠) عن ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٨٥ ]
لأنه لا يدخل في الصلاة، ولا يمكن أن يدخل في هذه الآية لأنه ليس بصلاة، وإذا تبين أن الحديث المرفوع الذي هو في الحقيقة موقوف، إذا تبين أنه لا يصح طردًا ولا عكسًا تبين أنه لا يشترط له الطهارة. ونتكلم على هذا إن شاء الله في الفوائد.
لو قال قائل: قلنا في تعريف الصلاة: إنها عبادة مبتدأة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وقلنا: إن قولنا: "مختتمة بالتسليم" أخرج ما ليس بصلاة، ألا يقوي هذا القول أن سجود التلاوة ليس بصلاة لا سيما أننا إذا قلنا إنه صلاة لزمنا أن نقول: إن الإمام يتقدم على المأمومين وأنهم لا يسبقونه يعني في القيام من السجود والتزامات أخرى؟
الجواب: سجود التلاوة إن كان في الصلاة فله حكم سجود الصلاة، يعني يكبر له عند السجود وعند الرفع، وإن كان خارج الصلاة فإن من العلماء من قال: لا يكبر له، لا عند السجود ولا عند النهوض من السجود ولا يسلم له، ومن العلماء من قال: يكبر للسجود ولا يكبر للرفع ولا يسلم، وهذا ظاهر صنيع ابن القيم ﵀، أما شيخه فيرى أنه ليس بصلاة، وأنه يجوز على غير طهارة، وإلى غير القبلة، وأما أنا فأميل إلى أنه صلاة من وجه أنه لا يجوز للإنسان أن يسجد على غير طهارة، وأيضًا لا يسجد إلى غير القبلة، والحمد لله الأمر ليس بواجب لكن على القول بأنه صلاة إذا قرأ والناس يستمعون ثم سجد، فإن من خلفه يصفون ويسجدون وراءه.
قوله: ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾ لو قال قائل: ﴿الصَّلَاةِ﴾ في اللغة الدعاء فيكون المراد إذا قمتم إلى الدعاء؟
[ ١ / ٨٦ ]
قلنا: لا، ما ثبت أنه نقل عن معناه اللغوي إلى معنى شرعي فإنه إذا ورد في لسان الشارع يحمل على الحقيقة الشرعية، يعني: على المعنى الشرعي، ولهذا يقول الرسول ﵊: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (^١) هل نقول: المعنى: لا يقبل الله دعاء أحدكم؟ لا أحد يقول بذلك، مع أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نقول: الحقائق اللغوية إذا نقلت إلى حقائق شرعية وجب أن تحمل على الحقائق الشرعية في لسان الشارع.
قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الغسل المعروف هو إمرار الماء جريًا على العضو، يعني: يجري الماء عليه، احترازًا من المسح على العضو، "والوجوه" جمع وجه، وإنما سمي وجهًا؛ لأنه تحصل به المواجهة وأيضًا من وجه آخر لأنه وجه القلب، فالإنسان يعرف ما في قلبه مما في وجهه، ولهذا إذا سر الإنسان استنار وجهه، وإذا غم انقبض وجهه، فهو تحصل به المواجهة الحسية وهو وجه للقلب حقيقة؛ لأنه ينبئ عما في القلب.
إذًا: "الوجه" ما تحصل به المواجهة، وحدّه العلماء بأنه عرضًا من الأذن إلى الأذن، فالبياض الذي يكون بين العارض والأذن يعتبر من الوجه، وأما طولًا فإنه من منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية، وهذا الضابط من منحنى الجبهة أقرب من قول بعضهم من منابت شعر الرأس؛ لأنك إذا قلت: من منابت شعر الرأس؛ لزم أن تقول المعتاد، ليخرج الأفرع والأنزع؛ لأن بعض
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، حديث رقم (١٣٥)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، حديث رقم (٢٢٥) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٨٧ ]
الناس تنزل منابت شعره إلى الجبهة، وبعض الناس ترتفع إلى الناصية، لكن إذا جعلنا الضابط هو منحنى الجبهة صار هذا أدق، وأيضًا هو المطابق للواقع؛ لأن الذي يواجه الناس عند اللقاء هو ما دون المنحنى، أما ما وراءه فهو مواجه للسماء أي: لأعلى.
ومسترسل اللحية من أهل العلم من قال: إنه من الوجه، وعلى هذا فإذا كان للإنسان لحية طويلة فإنها داخلة في الوجه، وقال بعض العلماء: إن المسترسل من اللحية ليس من الوجه، وذلك لأنه في حكم المنفصل؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء في جسد الإنسان في حكم المنفصل: الشعر والظفر والسن، فنقول: ما دام ذلك في حكم المنفصل فإنه لا يدخل في حد الوجه، ولكن الصحيح أنه يدخل في حد الوجه لأنه تحصل به المواجهة ولأنه قد روي عن النبي - ﷺ - في حديث إسناده حسن أنه كان يخلل لحيته في الوضوء (^١).
فإذا قال قائل: هذا فعل والفعل لا يدل على الوجوب؟
قلنا: الفعل لا يدل على الوجوب في الأصل، لكن إذا وقع مبيِّنًا لمنطوق صار له حكم ذلك المنطوق.
قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أيدي جمع يد، ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ هنا قَيَّدَ اليد بأنها إلى المرافق، فيجب أن تغسل اليد من أطراف الأصابع إلى المرفق، والمرفق هو مفصل العضد من الذراع، وسمي مرفقًا لأن الإنسان يرتفق به، أي: يتكئ عليه.
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في تخليل اللحية، حديث رقم (٢٩)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في تخليل اللحية، حديث رقم (٤٢٩) عن عمار بن ياسر ﵄.
[ ١ / ٨٨ ]
وقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ قال العلماء: ﴿إِلَى﴾ هنا بمعنى "مع"، وإنما أولوها بمعنى "مع"؛ لأن النبي - ﷺ - ثبت عنه أنه إذا توضأ غسل مرفقيه (^١)، فتكون السنة مبيِّنة للقرآن، ثم استدلوا بأن لهذا نظيرًا في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ يعني: أموال اليتامى ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢، ولكن الاستشهاد بهذا الشاهد فيه نظر، المهم أن الذي بيَّن أن منتهى الغاية هنا داخل هي السنة.
قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ المسح هو إمرار اليد على الممسوح، لكن من المعلوم أن المراد امسحوها بالماء، أي: امسحوا الرؤوس بالماء، ولهذا زعم بعض العلماء أن في الآية قلبًا، وأن المعنى امسحوا رؤوسكم بالماء، ونحن نقول: إن "الباء" هنا ليست لتعدية الفعل بالباء ولكنها مفيدة لمعنى زائد على المسح وهو الإلصاق والاستيعاب أيضًا، وإن كانت دلالة المسح على الإلصاق واضحة، وأما الاستيعاب فلأن الباء تدل على الاستيعاب، ولهذا قلنا: إن قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] يدل على وجوب استيعاب البيت بالطواف؛ لأن الباء للاستيعاب.
وقوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ما حد الرأس؟ الرأس ما ترأس، والعضو المترئس على البدن كله هو ما بين مفصل المخ والرقبة، وعلى هذا فالرقبة لا تدخل في الرأس؛ لأنها عضو مستقل، ثم
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، حديث رقم (١٥٨)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، حديث رقم (٢٢٦) عن عثمان بن عفان ﵁.
[ ١ / ٨٩ ]
إذا أخرجت من الوجه بقي ما سوى الوجه مما ترأس، وهل يدخل في ذلك الأذنان؟
الجواب: نعم يدخل في ذلك الأذنان، أولًا: لأن الاشتقاق يدل على دخولهما، وثانيًا: أنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يمسح بأذنيه (^١).
قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قراءتان سبعيتان صحيحتان، الأولى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالفتح، والثانية: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالكسر.
فعلى القراءة الأولى تكون معطوفة على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ لأنه إذا تعددت المعطوفات فالمعطوف عليه ما يلي العامل، وهو الأول.
وأما على قراءة الجر ففيها إشكال عند بعض العلماء:
منهم من قال: إنها جُرت على سبيل المجاورة، والمجاورة أن تتبع الكلمة ما جاورها في الإعراب، ومثلوا لذلك بقول العرب: هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ، فخربٍ لا تصلح أن تكون نعتًا للضب؛ لأن الخرب هو الجحر، لكن قالوا: إنه جر على سبيل المجاورة، ولكن هذا التعليل عليل، إلا أنه دأب كثير من
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي - ﷺ -، حديث رقم (١٠٨) عن عثمان بن عفان ﵁، والترمذي، كتاب الطهارة، باب مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما، حديث رقم (٣٦) عن ابن عباس ﵄، والنسائي، كتاب الطهارة، باب مسح الأذنين، حديث رقم (١٠١) عن ابن عباس ﵄، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، حديث رقم (٤٤٢) عن المقدام بن معد يكرب ﵁.
[ ١ / ٩٠ ]
النحويين إذا عجزوا عن توجيه الإعراب ذكروا علة قد تكون مستكرهة، ولهذا يقولون: إن علل النحويين كجحور اليرابيع، واليربوع دويبة أكبر من الفأر، والفأر معروف، لكن رجليها طويلة، ويديها قصيرة جدًّا، ولها ذنب طويل، وهي ذات حيل، تحفر الجحر لها في الصحراء وتجعل له بابًا واضحًا ولكنها تستمر في حفره وتحفر صاعدة إلى أقصاه، حتى إذا لم يبقَ على أن تخرقه إلا قشرة رقيقة توقفت، من أجل إذا حجرها أحد من فم الجحر خرجت من الباب المغلق إلى حين الحاجة إليه، ولهذا تسمى نافقاء اليربوع.
فنقول: إن القول بأنها مجرورة على سبيل المجاورة فيه نظر.
لكن ذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى مذهب جيد، قال: إن الله قال: "وأرجلَكم" بالفتح و"أرجلِكم" بالكسر لأن للرِّجل حالين: حالًا تكون فيها مكشوفة ففرضها الغسل، وحالًا تكون فيها مستورة ففرضها المسح.
وقوله ﷿: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ما هما الكعبان؟ الكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، وهما معروفان.
قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ انتهى الكلام على الوضوء الذي سببه الحدث الأصغر، قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ في الآية إشكال من جهة أن المخاطب جماعة، والخبر بصيغة الإفراد، لم يقل: إن كنتم جُنُبِين، بل قال: ﴿جُنُبًا﴾، وهذا جوابه سهل؛ لأن كلمة جنب في اللغة الفصحى يستوي فيها المفرد والاثنين والجماعة، وإن كان قد ورد في لغة ضعيفة جمعها
[ ١ / ٩١ ]
على جنبين، لكن اللغة المشهورة الفصحى: أن كلمة جنب تطلق على الواحد والجماعة، فمن هو الجنب؟ الجنب من أنزل مَنِيًّا، وألحقت السنة به من جامع وإن لم ينزل، لقول النبي - ﷺ -: "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل" (^١).
وقوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾، أصلها بالتاء لكن قلبت التاء طاءً، ولم يبيّن الله جلَّ وعلا كيف نتطهر، لكن الصيغة تدل على التعميم، لم يقل: طهروا جزءًا من أبدانكم، أو عضوًا من أعضائكم، بل قال: "اطهروا"، وهو شامل لكل البدن وله صفتان كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد.
وبهذا انتهى الكلام على مُوجب الحدث الأكبر، وقد ذكر في كلمتين فقط، وموجب الحدث الأصغر ذكر في كلمات متعددة، ووجه ذلك: أن الأعضاء في موجب الحدث الأصغر متعددة، وأما في الحدث الأكبر فالعضو واحد فقط وهو البدن كله، ولهذا ليس فيه ترتيب، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
انتهى الكلام الآن على الطهارتين الصغرى والكبرى، بالماء.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ الآية، من هنا انتقل الكلام إلى
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب إذا التقى الختانان، حديث رقم (٢٨٧)، ومسلم، كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، حديث رقم (٣٤٨) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٩٢ ]
الطهارة الأخرى وهي الطهارة بالتراب، وأول الآية الطهارة بالماء.
قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ كلمة مرضى جمع مريض، والمريض هو من اعتلت صحته، والمراد "إن كنتم مرضى وتضررتم بالماء".
فإذا قال قائل: لماذا قَيَّدْتَ والله أطلق؟
قلنا: لأن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن المريض الذي لا يتضرر بالماء بل ربما يكون الماء صحة له ينشط به ليس بحاجة إلى أن يعدل عن الماء إلى التراب.
قوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: في سفر، والسفر كل ما خرج به الإنسان عن محل إقامته، وسمي سفرًا؛ لأن الإنسان يسفر ويخرج من القيد أو من الحد الذي هو بلده إلى مكان آخر، وهل هو محدود أو غير محدود؟ سنتكلم عليه إن شاء الله في الفوائد.
قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو، أي: وجاء أحد منكم من الغائط.
فإذا قال قائل: هل لما ادعيتم دليل أي: إتيان ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو؟
قلنا: نعم، ومنه حديث ابن مسعود ﵁ في دعاء الهم والغم: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (^١) فـ ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى "الواو"؛ لأن ما أنزله في
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (١/ ٣٩١، ٤٥٢) (٣٧١٢، ٤٣١٨)، وابن حبان (٣/ ٢٥٣) (٩٧٢)، والحاكم (١/ ٦٩٠) (١٨٧٧)، وأبو يعلى في مسنده (٥٢٩٧).
[ ١ / ٩٣ ]
كتابه قد سمى به نفسه، فلا يستقيم المعنى في الآية إلا بجعل ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، لأننا إذا لم نقل: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو صارت قسيمة للسفر والمرض يعني هذا أو هذا، والآية ليس هذا معناها، بل المعنى إذا حصل سفر أو مرض وحصل حدث وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء.
قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ﴾ أيُّ أحد ذكر أو أنثى، صغير أو كبير ممن يقوم للصلاة.
وقوله: ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، وكانوا -أي: العرب- ينتابون هذا المكان -أي: الهابط من الأرض- ينتابونه لقضاء الحاجة، ليستتروا به عن الناس، فليس في البيوت كنف ولا حمامات ولا مراحيض، فإذا أراد الإنسان أن يقضي حاجته يخرج إلى المكان الهابط يقضي حاجته فيه ليستتر بذلك عن الناس، وعلى هذا يكون الغائط هنا شاملًا لمن قضى حاجته من البول أو من العذرة، ولا يختص هذا بمن قضى حاجته من العذرة، ما دمنا فسرنا الغائط بأنه المكان المنخفض من الأرض.
قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وفي قراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ لامستم فعل مبني للمفاعلة، بحيث يكون الفعل واقعًا من الطرفين الرجل والمرأة، ولا يصدق هذا إلا بالجماع، ولهذا اختلف العلماء ﵏ هل المراد بالملامسة هنا الجس باليد، أو المراد الجماع؟ فقال ابن عباس ﵄: المراد به الجماع وليس الجس باليد.
فإن قال قائل: عندنا قراءة صحيحة سبعية ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾
[ ١ / ٩٤ ]
واللمس دون الملامسة، وهو ظاهر في أن المراد به الجس باليد، فلماذا لا تقولون: إن المراد به مس المرأة؟
قلنا: لا نقول به؛ لأن القراءة الثانية ﴿لَامَسْتُمُ﴾ تشير إلى أن المراد به الجماع، هذا من جهة اللفظ، أما من جهة المعنى: فلو حملناها على أن المراد بذلك المس باليد لكان الله تعالى ذكر موجبين للطهارة من جنس واحد، مع أنه في طهارة الماء ذكر موجبين من جنسين، أي: إذا قلنا: إن قوله تعالى: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ بمعنى اللمس باليد، فلا يوجب إلا الوضوء، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ يوجب الوضوء فقط، فذكر موجبين وأهمل موجب الغسل الذي هو الجنابة، فيكون ذَكَرَ موجبين من جنس واحد وأَهْمَلَ آخر لا بد منه، وهذا ترجيح من حيث المعنى.
وقوله: ﴿النِّسَاءَ﴾ هن الإناث، وليس كل امرأة بل المراد كل امرأة تجامع، وأما من لا تجامع فإنها ليست محل شهوة، لكن لو فرض أن أحدًا سلط على بنت صغيرة وجامعها فإنه يدخل في الآية.
وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ هذه معطوفة على قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ إلى آخره.
قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ أي: ماءً تتطهرون به طهارة صغرى وطهارة كبرى.
قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ تيمموا أي: اقصدوا، فالتيمم في اللغة القصد، ومنه قول الشاعر:
تيممتها من أذرعاتٍ وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عالي
[ ١ / ٩٥ ]
فمعنى تيممتها أي: قصدتها، من أذرعات: هي بلدة في الشام، وأهلها بيثرب: أي: بالمدينة، أدنى دارها نظر عالي.
وقوله: ﴿صَعِيدًا﴾ الصعيد كل ما تصاعد على وجه الأرض من رمل أو جبل أو أودية أو غير ذلك.
قوله: ﴿طَيِّبًا﴾ أي: طاهرًا؛ لأن طِيب كل شيء بحسبه، فالطيب من الحيوان ما حل أكله، والطيب من الأعمال ما كان مرضيًا عند الله ﷿، وكل موضع يفسر الطيب فيه بما يناسبه.
قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ امسحوا بوجوهكم من هذا الصعيد، والمسح الإمرار باليد على الوجه، والمسح باليد إمرار إحدى اليدين على الأخرى.
قوله: ﴿مِنْهُ﴾ قيل: إن ﴿من﴾ للتبعيض، وعلى هذا فلا بد أن يعلق باليد شيء من هذا التراب، وقيل: إن ﴿من﴾ للابتداء، أي: مسحًا يكون ابتداؤه من هذا الصعيد.
قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، و﴿يُرِيدُ﴾: هنا إرادة شرعية، أي: ما يحب الله ﷿، وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾، "اللام" هنا زائدة؛ لأن التقدير: ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج، ويمكن أن نقول: إن اللام هنا على أصلها وليست زائدة، ونقدر الكلام: ما يريد الله ليجعل عليكم، أي: ما يريد الله لذلك.
وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: ليُصير عليكم من حرج، و﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ زائدة إعرابًا لكنها لها معنى وهي: تأكيد النفي وعمومه، و"الحرج" هو الضيق، أي: إن الله
[ ١ / ٩٦ ]
تعالى لم يرد أن يجعل علينا بما فرض علينا من الوضوء والغسل والتيمم شيئًا يضيق علينا.
قوله: ﴿وَلَكِنْ﴾ هذا استدراك، ﴿يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ نقول في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ كما قلنا في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ﴾.
وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي: طهارة حسية ظاهرة، وطهارة معنوية، أما الوضوء والغسل بالماء فالطهارة فيهما حسية ومعنوية، أما الحسية فإنها ظاهرة لكون الإنسان يغسل هذه الأعضاء أو يغسل البدن كله فينظفه، وأما المعنوية فلأن في الوضوء تكفير السيئات ومحو الخطيئات، وأما التيمم فإنه طهارة معنوية، وذلك لأن فيه كمال التعبد لله ﷿ حيث إن الإنسان يتيمم هذا الصعيد ويمسح به وجهه ويديه.
قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ﴾ يعني: ويريد أيضًا ليتم نعمته ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أي: بما شرعه لكم من العبادات، إذ لولا أن الله شرع لنا هذه العبادات لكان فعلنا لها بدعة تبعدنا عن الله ﷿، ولكنه شرعها لتكون عبادة نتقرب بها إلى الله، ونتذلل بها عند الله ﷿.
قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لعل هنا للتعليل وليست للترجي؛ لأن الرجاء طلب ما فيه عسر، والله ﷿ لا يتأتى في حقه ذلك؛ لأن كل شيء سهل عليه، فتكون هنا للتعليل، وهي كثيرة في القرآن بهذا المعنى.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله ﷿ على نعمه، والشكر يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح.
[ ١ / ٩٧ ]
وعلى هذا قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
معنى البيت: أن نعماءكم عليّ ملكتم بها يدي ولساني والضمير المحجبا، فنعماؤكم أفادتكم هذه الثلاثة، فملكتموها.
فالشكر بالقلب: أن يعترف الإنسان بقلبه بأن هذه النعمة من الله ﷿ ويحب الله ﷿ لذلك، أي: لكونه أنعم، ولهذا جاء في الحديث: "أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم" (^١)، والشكر باللسان الثناء على الله بها، كما قال الله ﵎: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١] ومن ذلك -أي: من الشكر باللسان- القيام بكل قول يقرب إلى الله ﷿.
أما الثالث فالشكر بالجوارح، أي: أن يقوم الإنسان بما يلزمه نحو هذه النعمة، فإذا كانت مالًا فقيامه بشكرها أن يؤدي زكاتها إلى أهلها، وكذلك أيضًا: إذا كانت عملًا آخر يحتاج إلى حركة بالجوارح فلا بد من أن يقوم بهذه الحركة، فالشكر إذًا: محله القلب واللسان والجوارح.
فإذا قال قائل: أيهما أعم الحمد أو الشكر؟ قلنا: بينهما عموم وخصوص وجهي، ومعنى وجهي أي: أن أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من الآخر من وجه، فباعتبار السبب الأخص الشكر؛ لأن سببه النعمة، وأما الحمد فسببه النعمة وكمال المحمود حتى وإن لم ينعم، ولهذا نحن إذا حمدنا الله ﷿ فإننا نحمده على كمال صفاته وعلى كمال إنعامه وإحسانه.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٥٢.
[ ١ / ٩٨ ]
وأما المتعلق فالشكر أعم؛ لأنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، والحمد إنما يكون باللسان فقط.