الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] وبَيَّنَ أن تمثيلهم بعيسى ما هو إلا جدل، قال تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٨].
الفائدة الثانية عشرة: أن من اتصفوا بهذه الصفات فهم شر الناس مكانًا، لقوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾.
الفائدة الثالثة عشرة: أن من اتصف بهذه الصفات فهو أيضًا أضل الناس سبيلًا، لقوله: ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
* * *
° قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾ [المائدة: ٦١].
قوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ الخطاب في قوله: ﴿جَاءُوكُمْ﴾: للنبي - ﷺ - وأصحابه، والفاعل: منافقو اليهود، حيث إنهم يأتون النبي - ﷺ - فيقولون: آمنا؛ لكن بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم.
قوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ (الباء) هنا قالوا: إنها للملابسة والمصاحبة، يعني: متلبسين بالكيفر، ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾: أي: بالكفر متلبسين، فهم عند الدخول وعند الخروج على الكفر، حتى لو قالوا: آمنا، فإن قلوبهم لم تؤمن؛ لأنهم منافقون.
قوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ من قبل خرجوا بالكفر، ويخرجون إذا دخلوا عليكم بالكفر أيضًا، حتى قال بعضهم يناصح بعضًا مع المسلمين: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٢، ٧٣].
[ ٢ / ٩٧ ]
قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾، أعلم منكم بما كانوا يكتمون، أي: يخفون من الكفر، واسم التفضيل هنا على بابه، وهكذا كلما جاء هذا الوصف بهذه الصيغة فهو على بابه اسم تفضيل، وقد غلط من فسره باسم الفاعل حيث قال في تفسير قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ قال: والله عليم أو عالم بما كانوا يكتمون؛ لأنه إذا قال: عليم أو عالم لم يمنع المشاركة، لكن إذا قال: أعلم، منع المشاركة، أعلم: يعني لا أحد مثله، لكن هم فروا من شيء فوقعوا في شر منه، قالوا: إذا قلت: أعلم فإن القاعدة أن اسم التفضيل يدل على اشتراك المفضل والمفضل عليه في الصفة، فتقول: نعم لا شك أن الرب ﷿ والمخلوق مشتركان في أصل الصفة وهي العلم فلا بد من هذا، فإثبات العلم للمخلوق جاء في القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] لكن الذي يمتنع أن تجعل علم المخلوق كعلم الخالق، أما أن يشتركا في أصل الصفة فهذا لا بد منه حتى الحياة، حتى القدرة، حتى السمع، حتى البصر، لا بد من الاشتراك في أصل المعنى فنقول: أنتم منعتم من أن يكون اسم التفضيل على بابه؛ خوفًا من الاشتراك في أصل المعنى، لكن إذا قلتم: عالم أو عليم سويتم بين الخالق والمخلوق؛ لأن المخلوق يطلق عليه عليم، فلهذا لا يمكن أن تجد إنسانًا خرج عن مدلولات النصوص من الكتاب والسنة، إلا ووقع في شر مما حذره.