الفائدة الثانية: إثبات علم الله ﵎ بما في القلوب، لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ فإثبات العلم بما في القلوب، ثابت لله ﷿.
الفائدة الثالثة: أنه ليس لنا أن نحكم إلا بما ظهر؛ لأن الله لم يخبرنا إلا لنحذر، ولو أننا بقينا على ما يبدو لنا لكان هؤلاء مؤمنين حسب ما يقولون، لكن الله أخبرنا بهذا لنحذره.
الفائدة الرابعة: تحذير المرء من أن يبطن في قلبه ما يخالف لسانه، وهذه مسألة يجب علينا أن نعالج أنفسنا منها، احذر أن تضمر في قلبك ما يخالف ما تنطق به بلسانك أو تفعله بجوارحك، يجب أن تصفي القلب أولًا، وتطهر القلب، ثم بعد ذلك تبني أعمالك على حسب هذه التصفية.
* * *
° قال الله ﷿: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة: ٦٢، ٦٣].
قوله: ﴿وَتَرَى﴾ الخطاب للرسول ﵊،
والظاهر أن المراد بالرؤية هنا: البصرية، ويجوز أن تكون علمية، ويكون قوله: كَثِيرًا مفعولًا أولًا، و"يسارعون": مفعولًا ثانيًا.
وقوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: من هؤلاء الذين يأتون إليكم، ويقولون: إنهم مؤمنون؛ ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾ يعني: يتسابقون إليه أيهم أسرع، والإثم فيما يتعلق بحق الله ﷿، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي.
[ ٢ / ٩٩ ]
ومنهم من فسر الإثم: بالكذب، والعدوان: بالظلم، ولكنا إذا قلنا: الإثم فيما يتعلق بحق الله، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي كان أعم وأشمل.
قوله: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ يعني: يسارعون في أكلهم السحت، يتسابقون إليه، السحت: كل كسب محرم، فيدخل في ذلك الربا ويدخل في ذلك الرشوة، ويدخل في ذلك الغش، وكل كسب محرم فهو داخل في لفظ السحت، ووصف بهذا الوصف المنفر لوجهين:
الوجه الأول: أنه لا بركة فيه.
الوجه الثاني: أنه سبب لسحت المال الموجود، فهو شر في نفسه شر في غيره، ولذلك إذا دخل الحرام على الإنسان؛ نزعت البركة من ماله واشتد طلبه للمال، يعني: يبتلى بالشح.
قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "اللام" هذه في جواب القسم والتقدير: والله لبئس ما كانوا يعملون، و"بئس": تعمل على أن ما بعدها فاعل، والمخصوص: محذوف، والفاعل هو الذي قام بالفعل، والمخصوص يكون مبتدأ، والفاعل يكون ضمن الجملة، فمثلًا إذا قلت: نعم الرجل زيد، أو بئس الرجل زيد، المخصوص زيد والفاعل الرجل، ولهذا نعرب (زيد) مبتدأ مؤخر، و(نِعْمَ الرجل) الجملة خبر مقدم، وفي الآية تكون "ما" فاعل والتقدير لبئس الذي يعملون، أي: لبئس ما كانوا يعملون عملهم، وإن شئت فاجعلها مصدرية ويكون الفاعل المصدر، والتقدير لبئس عملهم، والحاصل أن عملهم مذموم يصدق عليه هذا الوصف بئس ما كانوا يعملون، والذي عملوا المسارعة في الإثم
[ ٢ / ١٠٠ ]
والمسارعة في العدوان وأكل السحت، وهذه الأمور الثلاثة مستحقة للذم.
قوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هذا، فهي أداة تحضيض، ومَثَلَها مَثَلُ قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] أي: هلّا جاءوا.
قوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار﴾ الربانيون: المربون، والأحبار: العلماء الكبار، جمع حَبر أو حِبر، يقال: حَبْر وحِبر، وهو موافق في الاشتقاق مع البحر، فالباء والحاء والراء في البحر وفي: الحبر، ولهذا لا يطلق الحبر إلا على العالم الواسع العلم، والربانيون: هم المربون سواء كانوا علماء كبارًا أو غير علماء، والأحبار: هم العلماء الكبار كما تقدم.
قوله: ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يعني أن الله ﷿ حض الربانيين والأحبار على نهي هؤلاء عن قولهم الإثم وأكلهم السحت، فما هو الإثم الذي يقولونه؟ أعظمه وأشده أنهم ينكرون رسالة النبي - ﷺ - وأعظم من ذلك أنهم يقولون: إن عزيرا ابن الله، والمسيح ابن الله، والقائل: عزير ابن الله اليهود، والقائل: المسيح ابن الله النصارى؛ هذا قول الإثم، كذلك يقولون الكذب، كما سبق أنهم يقولون لعوامهم قولًا يكذبون به الرسول، ويستمعون للكذب.
وقوله: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ يعني: أكل المال المحرم، سواء بالرشوة أو بالربا، أو غير ذلك.
وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يقال في إعرابها ما قيل في الجملة التي قبلها، لكن الفاعل في يصنعون هنا ليس عائدًا
[ ٢ / ١٠١ ]
على ما تعود عليه الواو في يعملون الأولى؛ لأن الواو هنا عائدة إلى الربانيين والأحبار.
وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ الصنع والفعل بينهما خصوص وعموم مطلق؛ لأن الصنع إنما يكون فعلًا بترتيب وإعداد للقول أو للفعل بخلاف الفعل المجرد، فالفعل يطلق على كل فعل سواء كان عن قصد أو عن غير قصد، حتى البهيمة لو أكلت قلنا: إنها فعلت، لكن الصنع لا يكون إلا بتدبير وتنسيق وإصلاح، وذلك أن هؤلاء الربانيين والأحبار يصنعون ما يصنعون من كتمان الحق وعدم الأمر به؛ يريدون أن يبقوا وجهاء في قومهم؛ لأن الشيطان يقول لهم: إن نهيتموهم صريح أعداء لهم ولم تحصل لكم الرئاسة، فلذلك تجدهم يعملون هذا العمل عن ترتيب وعن سياسة كما يقولون.