قوله: "إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] " (^١).
إذًا: فشكر الله هو العمل الصالح، ولا شك أن تفسير كلام الرسول - ﷺ - وكلام الله ﷿ بعضه ببعض أولي من أن نلتمس تفسيرات أخري، لكن ذكرنا فيما سبق أن الشكر محله القلب واللسان والجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، وأما الحمد فإنه يكون في مقابلة نعمة أو على كمال صفة المحمود ويكون بالجوارح واللسان.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [المائدة: ٧].
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ إنما أمر الله تعالى أن نذكر النعمة: من أجل أن نعرف فضله علينا حتى يسهل علينا الانقياد لطاعته؛ لأن الإنسان بمقتضي فطرته وطبيعته لا بد أن ينقاد لمن أحسن إليه فيقول ﷿: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ تذكروها، ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ يعني العهد الذي عاهدكم به وهو قوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ فإن قول
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، حديث رقم (١٠١٥) عن أبي هريرة.
[ ١ / ١٣٨ ]
المؤمن: سَمِعنَا وَأَطَعنا، يعني التزامه بكل الشريعة بدون تفريط، بين أن يكون مما يهواه قلبه أو مما لا يهواه.
وقوله: ﴿سَمِعْنَا﴾: أي: فيما يقال، ﴿وَأَطَعْنَا﴾: أي: فيما يؤمر وينهى، فيتضمن تصديق الخبر وامتثال الأمر واجتناب النهي.
قوله: ﴿اوَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ اتخذوا وقاية منه جلَّ وعلا وذلك بفعل أوامره وترك نواهيه على علم وبصيرة.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الجملة هذه تعليل تتضمن التهديد، يعني أنه لا بد أن تكون التقوى مبنية على صلاح القلب وليست مجرد قول باللسان، بل لا بد أن تكون تقوى الإنسان في قلبه وجوارحه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بصاحبة الصدور، وما هي صاحبة الصدور؟
الجواب: هي القلوب، واعلم أن كلمة "ذات" تطلق في اللغة العربية على عدة معانٍ: منها أنها تطلق اسمًا موصولًا في لغة طيء، كما قال ابن مالك ﵀:
وكالتي أيضًا لديهم ذاتُ
فقولنا: (جاءت المرأة التي أطاعت الله)، في لغة طيء يقولون: (جاءت المرأة ذات أطاعت الله)، فهي عندهم بمعني "التي".
وتطلق أيضًا على الجهة، مثل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، أي: الجهة أو الصلة التي بينكم.
وتطلق بمعني صاحبة كما في هذه الآية: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بصاحبة الصدور، ولا تطلق على النفس إلا في اصطلاح
[ ١ / ١٣٩ ]
المتكلمين، فإنهم يطلقون الذات على النفس أي: على ما يقابل الصفة، ولهذا نجد في كلام الذين يتكلمون في العقائد نجد كثيرًا ما يقولون: الذات والصفات ويعبرون بالذات عن النفس، فقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، إذا أردنا أن نفسرها على حسب اصطلاح المتكلمين نقول: نفسه، أي: ذاته، وليست نفس الله ﷿ صفة سوى الذات بل هي الذات نفسها، فقول بعض أهل العقائد: ونثبت لله نفسًا، قد يفهم منه بعض الناس، أن النفس صفة زائدة على الذات وليس كذلك، ولكن يريدون أننا نصف الله بالنفس فقط، ولكنها ليست هي صفة مستقلة بل هي الذات نفسها. فقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ كقوله تمامًا: يحذركم الله الله، أي: أن الله ﷿ له نفس، وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، يعني: ما عندك وما عندي، فيجب التنبيه لهذا؛ لأن بعض الناس إذا قرأ في كتب العقائد "نثبت لله نفسًا" فيظن أن ذلك صفة زائدة على الذات وليست كذلك.