الأولى: ﴿هُزُوًا﴾ بالواو وضم الزاي لا غير، ولا يصح أن نقول: هُزْوًا، بل لا بد أن تضم الزاي، وبالهمزة قراءتان: هُزُؤًا بضم الزاي، وهُزْءًا بتسكين الزاي، فالجميع ثلاث قراءات.
والكلمة الثانية: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾، فيها قراءتان: "والكفارِ" بالجر، "والكفارَ" بالنصب، فعلى قراءة الجر تكون معطوفة على "الذين" الثانية أي: على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: "ومن الكفارِ" وعلى قراءة النصب تكون معطوفة على ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى، يعني: "لا تتخذوا الذين أتخذوا دينكم ولا تتخذوا الكفارَ".
قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تأمل الآن كم مرة تكررت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في صفحة واحدة، مما يدل على الاهتمام التام بما ذكر في هذه الآيات حيث كرر الله ﷿ النداء للمؤمنين.
قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ وذكر أصنافهم، ﴿تَتَّخِذُوا﴾: بمعنى تصيروا، وهي تنصب مفعولين: المفعول الأول: ﴿الَّذِينَ﴾، والمفعول الثاني: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: لا تتخذوهم أولياء، وهي نظير الآية السابقة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١].
وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ أي: صيروا، والدين بمعنى:
[ ٢ / ٦٢ ]
العمل هنا، وقد جاء لفظ الدين في القرآن الكريم، ويراد به الجزاء ويراد به العمل الذي يجازى عليه.
مثال الأول: قول الله ﵎: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] يعني: يوم الجزاء، ومثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] ويأتي بمعنى العمل كثيرًا، مثل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦]، ومثل هذه الآية، أي: العمل الذي تدينون الله به وترجون عوضه من الله، ومنه الدَّيْن في المعاملات، الاشتقاق واحد، فالدَّيْن في المعاملات: دفع شيء لانتظار عوضه.
قوله: ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ يعني: جعلوه محل استهزاء، يسخرون به بألسنتهم، واعتقدوا بقلوبهم أنه لشعب، واللعب: هو الذي ليس له هدف وليس له فائدة، وقالوا: ما معنى أن الإنسان يأتي إلى المسجد ويتحرك قائمًا وقاعدًا وساجدًا وما أشبه ذلك؟ وقالوا: هذا لعب ليس هذا بدين ويسخرون به.
قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني بهم اليهود والنصارى، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ بيان للواقع وليس تقييدًا؛ لأنه لم يؤتِ أحد الكتاب معنا ولا بعدنا، وإنما كل الذين أوتوا الكتاب كانوا قبلنا، ولكن المراد بهم هنا كما هي طريقة القرآن اليهود والنصارى.
وقوله: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ قلنا: فيها قراءتان، يعني: ولا تتخذوا الكفار أولياء سواء اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا، هذا على قراءة النصب، وعلى قراءة الجر، يعني: لا تتخذوا الكفار الذين
[ ٢ / ٦٣ ]
اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا، وكل من القراءتين مفيد جدًّا، فنقول: إذا جعلناها بالجر تفيد أن الكفار سوى الكتابيين ممن اتخذوا ديننا هزوًا ولعبًا، وعلى قراءة النصب تفيد أن نتجنب الكفار ولا نتولاهم مطلقًا، لكن على قراءة الجر فيها إشارة إلى أن الكفار غير الكتابيين يتخذون ديننا هزوًا ولعبًا، فيجتمع فيهم السخرية منا واعتقاد أن ديننا لعب.
قوله: ﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: جمع ولي أي: منصور تناصرونه وتعينونه وتتقربون إليه وما أشبه ذلك مما يقتضي أن يكونوا أولياء لنا لا أعداء.
قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: اتخذوا وقاية من عذابه، وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه تقربًا إليه ﵎، ولهذا قال بعضهم في تعريف التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، فجمع هنا بين العمل والإخلاص والعلم، أن تعمل بطاعة الله، "عمل" على نور من الله، "علم" ترجو ثواب الله، "إخلاص" لا ترجو الدنيا، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله، ولهذا إذا قلنا: إنها اتخاذ وقاية بفعل الأوامر فلا بد من ملاحظة الإخلاص؛ لأنه إذا لم يكن إخلاص لم تكن طاعة.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه الشرطية من باب التحدي، يعني: إن كنتم صادقين في إيمانكم فلتتقوا الله؛ لأن الصادق في إيمانه لا بد أن يتقي الله، وأن يتجنب محارمه، أن يقوم بأوامره، فإن لم يفعل فإيمانه ناقص ضعيف، والآن الناس ضيعوا أمر الله وضيعوا أنفسهم، ويذكر عن عمر ﵁ أنه قال: كنا أذلة فأعزنا الله بالإِسلام فمتى طلبنا العزة في غيره أذلنا الله.
[ ٢ / ٦٤ ]
هل الشرطية هنا لها علاقة بما قبلها بحيث نقدر جواب الشرط ما قبلها؟ فيكون التقدير ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ "فاتقوا الله"، يستقيم الكلام أو لا يستقيم؟ يستقيم، إذًا فهي موصولة بما قبلها، وأحيانًا تأتي الشرطية غير موصولة بما قبلها، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩] هذه الشرطية ليست متعلقة بما قبلها؛ لأنه ينعكس المعنى، لو قلنا: ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإن لم تعلموا فليس خيرًا لكم، لا يستقيم، ولهذا في الآية الثانية التي قرأتها الآن؛ ينبغي للإنسان أن يقف، على قوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لأنك لو وصلت، فُهِمَ منه أنه خير إن كنا نعلم، وإن لم نعلم فليس بخير، مع أنه خير على كل حال، لكن معنى هذا إن كنتم من ذوي العلم فافهموا هذا، هذا معناها إجمالًا، على كل حال الآية التي معنا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ نقول: هذا الشرط متعلق بما قبله، أي: إن كنتم مؤمنين حقًّا فاتقوا الله؛ لأن الإيمان حقًّا يحمل على التقوى.