الفائدة الأولى: فضيلة أرض الشام، لقوله: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾ وسبق أن المقدسة، أي: المطهرة من الأوثان والشرك؛ وذلك
[ ١ / ٢٦٩ ]
لأنها بلاد الأنبياء، ويدل لفضيلتها قول الله ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، فقوله: ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ هذا أيضًا من تقديسها.
الفائدة الثانية: أن الله تعالى كتب أرض الشام لبني إسرائيل، لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
الفائدة الثالثة: أنه ينبغي للداعية أن يذكر ما يهيج النفوس ويغريها بالقبول؛ لأنه ذكر في الآية أن الأرض مقدسة، هذا الأول، والثاني: أن الله كتبها لهم، والثالث: قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾ وكأن هذه بشارة بأنهم سينتصرون وسوف يدخلون الأرض، فالبشارة من وجوه ثلاثة كما تقدم.
الفائدة الرابعة: أن الكتابة نوعان: شرعية وقدرية، فالكتابة في هذه الآية بمعنى الكتابة القدرية، والكتابة القدرية: تأتي غالبًا مقرونة بـ (اللام)، والكتابة الشرعية: تأتي غالبًا مقرونة بـ "على"، وهذا غالبًا لا دائمًا بدليل قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر: ٣] والكتابة هنا: قدرية؛ لأن الله لم يفرض عليهم الجلاء فرضًا شرعيًّا ولكن قدريًّا.
الفائدة الخامسة: أن بني إسرائيل أحق بأرض الشام من غيرهم، لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فهم أحق الناس بها وهي مكتوبة لهم حين كانوا مؤمنين؛ فهي كتبت لهم لا لأنهم من بني إسرائيل، بل لأنهم مؤمنون، ولا شك أنهم في عهد موسى هم أفضل أهل الأرض، وموسى ﵇ يخاطب قومًا صدقوا وآمنوا به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ
[ ١ / ٢٧٠ ]
الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. إذًا: فقول بني إسرائيل: إن هذه أرض الميعاد، نقول: إن شاء الله هي أرض ميعاد هلاككم، أما أنها أرض لكم مكتوبة شرعًا فلا، وأما قدرًا فيمكن، لكن شرعًا ليس لهم فيها حق إطلاقًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، فكما أن الله أورث بني إسرائيل بلاد فرعون وأرضه؛ لأنهم كانوا مسلمين، فكذلك المسلمون المؤمنون بمحمد - ﷺ - يرثون بني إسرائيل.
الفائدة السادسة: أن الأمور لا تتم إلا بوجود المصالح وانتفاء المفاسد، لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ ولذلك نجد في الشرع أوامر ونواهي؛ لأن العبادة لا تتم إلا بأن يرغم الإنسان نفسه على فعل الطاعات وعلى الكف عن المعاصي والمحرمات، فالشرع تجد فيه فعل وفيه ترك، حتى يتم الامتحان والاختبار، ونضرب مثلًا بالصوم فيه ترك للمحبوب، وفي الزكاة بذل للمحبوب، وهذا الذي يكون به تمام الامتحان.
الفائدة السابعة: أن الكفر ردة عن الاستقامة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ فالمرتد متأخر وليس متقدمًا، إذا قلنا هذا صار الإيمان تقدمًا، ولذلك نقول لأولئك القوم الذين يريدون من الأمة الإِسلامية أن ترجع إلى الوراء وهو عندهم تقدم، نقول: أخطأتم، وذلك لأنهم يرون أن رجوع الناس إلى زمن السلف الصالح تأخر، ونحن نقول لهم: مخالفة طريق السلف الصالح هو التأخر؛ لأنه يسمى في القرآن ردة أو ارتداد على الدبر، لكن موافقة السلف الصالح هي التقدم حقيقة، ولكنه يحتاج إلى عزيمة وقوة وتطبيق.
[ ١ / ٢٧١ ]
الفائدة الثامنة: أن الارتداد عن العقب سبب للخسارة، أي: خسارة الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]، وإنما قلت: إن الردة على الأدبار سبب للخسران؛ لأن "الفاء" في قوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ فاء السببية ولهذا نصب الفعل بعدها لوقوعه بعد النهي في قوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
الفائدة التّاسعة: أنه ينبغي للإنسان الداعية إلى الله أن يذكر عواقب السيئات من أجل تنفير النفوس، صحيح أن الدعوة إلى الله تعالى تحصل بأن يقول: هذا حرام، وهذا حلال، وهذا واجب، لكن إذا ذكر الترغيب والترهيب كان في ذلك حفز للنفوس على الامتثال، وجه ذلك أن موسى قال لقومه: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
الفائدة العاشرة والحادية عشرة: أن ذكر العقوبة الدنيوية أو أن ذكر العواقب السيئة في الدنيا من أجل ردع الناس عن المعاصي والمخالفة لا ينافي الإخلاص، ولهذا كان الرسل يحذرون أقوامهم، كما أن ذكر العواقب الحسنة من أجل الحث على الطاعة لا ينافي الإخلاص، وهذا من الثواب العاجل ومن عاجل بشرى المؤمن لأن الله تعالى يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧]، والنبي - ﷺ - يقول: "من أحب أن ينسأ له في أثره ويبسط له في رزقه فليصل رحمه" (^١)، أليس هذا أمرًا دنيويًّا؟ ومع ذلك ذكره النبي ﵊ وسيلة إلى فعل الطاعة، وهي صلة الرحم.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، حديث رقم (٥٦٤٠)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، حديث رقم (٢٥٥٧) عن أنس بن مالك.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وقول بعض الناس: إن الإخلاص حقيقة أن تعبد الله لله لا لثواب الله، هذا خطأ لأنه مخالف لهدي النبي ﵊، اقرأ قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، يبتغون الفضل والرضوان، لكن القول الذي أشرت إليه هو قول بعض الصوفية، يقولون: إنك إذا لاحظت الثواب فقد أشركت في العبادة، - نسأل الله العافية - الله ﷿ يرشدنا إلى هذا ويُبَيِّن أن هذا هو طريق الرسول - ﷺ - وأصحابه، وأنت تقول: إن هذا من الإشراك! صحيح أن من أراد الدنيا بعمل الآخرة عنده نوع من الإشراك، لكن إذا جعل نصيبه من الدنيا عونًا له على طاعة الله فليس فيه إشراك إطلاقًا، وانظر إلى الفواحش، الزنا مثلًا له عقوبة من أجل أن يرتدع الإنسان عنه ويخشى أنه إذا زنا أن يجلد أو يرجم، وكذلك قطع اليد في السرقة: من أجل أن يهاب الناس السرقة ولا يقدموا عليها، فلا يقال: يكفي الوازع الإيماني؛ لا يقال هذا؛ لأننا لو قلنا: يكفي الوازع الإيماني لوجب أن نعطل جميع الحدود، ولكن نقول: الوازع الإيماني لا شك أنه هو الأصل، لكن الرادع السلطاني مقوٍّ لهذا الأصل.
لو قال قائل: أحيانًا يجد الإنسان انشراحًا في العبادة أكثر من طلب العلم والقراءة؟
الجواب: السبب في ذلك: لأن إخلاصنا في طلب العلم فيه شيء من الخدوش، وإلا لو شعرنا أننا نطلب العلم ونحن مجاهدون في سبيل الله، لصارت صدورنا أشد انشراحًا، لكن مع الأسف أن كثيرًا من طلاب العلم يقصدون بالعلم أو بطلب العلم
[ ١ / ٢٧٣ ]
التوسع في طلب العلم فقط، وهذا لا شك أنه نقص، أنا أقول: طالب العلم يجب أن يقصد بطلب العلم نصرة هذا الدين، وحماية هذا الدين من أعدائه وبهذا ينشرح صدره، ولهذا تجد الإنسان إذا لاحظ هذا الملحظ، إذا فهم مسألة من مسائل العلم رآها غنيمة، درة غواص لا يمكن أن يفرط فيها إطلاقًا.
الفائدة الثانية عشرة: بيان جفاء بني إسرائيل وذلك أن موسى كان يخاطبهم بقوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾ بهذا اللفظ، وهم يقولون: ﴿يَامُوسَى﴾ ولم يقولوا: يا نبي الله أو يا رسول الله، وهذا من جفائهم وغلظ طبائعهم.
الفائدة الثالثة عشرة: سوء ظن بني إسرائيل بالله، وذلك لأن نبيهم ﵊ وعدهم بأن الله كتب لهم الأرض المقدسة، ولكنهم اعتمدوا على الأمر المادي، فقالوا: إن فيها قومًا جبارين، وهذا يدل على سوء ظنهم بربهم ﷾.
الفائدة الرابعة عشرة: بيان جبن بني إسرائيل لقولهم: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا غاية ما يكون من الجبن؛ لأن الجبان هو الذي يقول: لا أدخل البلدة أو القرية أو المدينة إلا إذا خرج منها أهلها.
الفائدة الخامسة عشرة: تأكيد هذا الجبن مرة ثانية، لقولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.
الفائدة السادسة عشرة: التوكيد على دخولهم إذا خرج منها هؤلاء القوم الجبارون لقولهم: ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ وهذا لا يحتاج إلى توكيد لكن يدل على بلاهتهم؛ لأن كل إنسان يعرف أنه متى خلت البلاد من عدوها وخرجوا منها، فالدخول لا يحتاج إلى تأكيد، مَنْ ينكر أن يدخل الإنسان إذا خلا البلد من العدو؟
[ ١ / ٢٧٤ ]
الفائدة السابعة عشرة: أن الله قد ينعم على بعض القوم ويفتح عليهم بما لم يفتحه على أحد غيرهم، لقوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾.
الفائدة الثامنة عشرة: أن الله تعالى قد يجعل في القوم المعاندين من فيه الخير والصلاح والإصلاح، لقوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾.
الفائدة التاسعة عشرة: أن الخوف من الله مما يحمل العبد على طاعة الله؛ لقوله: ﴿يَخَافُونَ﴾ ولا شك أن الخوف مما يحمل على الطاعة، كما أن الرَّجاء أيضًا مما يحمل على الطاعة، لكن الغالب أن الخوف يحمل على عدم المخالفة وعدم الوقوع في النهي، والرجاء يحمل على الموافقة في الطاعات وفي الأوامر.
الفائدة العشرون: أن الخوف من الله ﷿ من النعم، ولا شك أنه من نعمة الله على العبد، أن ينعم الله عليه بالخوف منه، لقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾.
الفائدة الحادية والعشرون: أنه ينبغي لمن أراد غزو بلد أن يُعَمِّيَ الأخبار عن أهلها، لقول هذين الرجلين الناصحين: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يعني: ولا يعلمون بكم حتى تدخلوا الباب، وقد ذكرنا لذلك شاهدًا في فتح مكة، حيث إن النبي - ﷺ - سأل الله أن يعمي عن قريش الأخبار حتى يبغتها في بلادها (^١).
الفائدة الثانية والعشرون: أن من غُزي في عقر داره فهو ذليل، وهذا مَثَلٌ مشهور: ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذُلوا،
_________________
(١) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٥/ ٥٢)، تاريخ الطبري (٢/ ١٥٥)، البداية والنهاية (٤/ ٢٨٣).
[ ١ / ٢٧٥ ]
لقوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ وأهل البلد مغلوبون.
الفائدة الثالثة والعشرون: أن الدخول على البلدة لا يكون بِتَسَوِّر الجدر وإنما من الباب، ولهذا لما حاصر الصحابة ﵃ حديقة مسيلمة الكذاب، لم يتسوروا الجدران، بل فتحوا الباب ثم دخلوا، وكان البراء بن مالك ﵁ مشهورًا بالشجاعة والقوة، فطلب منهم أن يرموه من وراء السور من أجل أن يفتح لهم الباب، ففعلوا، فدخل وفتح لهم الباب، ودخل الناس هذه الحديقة وحصل النصر (^١).
الفائدة الرابعة والعشرون: أن التوكل على الله ﷿ من أسباب النصر، لقول هذين الرجلين: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾.
الفائدة الخامسة والعشرون: أن لا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى السبب الحسي، لقولهما بعد أن وجها قومهما إلى أن يدخلوا لجهم الباب: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ ويشهد لهذا المعنى المأخوذ من هذه الآية، قول النبي - ﷺ -: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (^٢). احرص على ما ينفعك: هذا بفعل ما تستطيع من الأسباب، واستعن بالله: يعني: لا تعتمد على نفسك، اطلب العون من الله ﷿ حتى يحصل المراد.
_________________
(١) انظر: تاريخ الطبري (٣/ ٢٧٩)، الإصابة (١/ ٢٨١)، البداية والنهاية (٦/ ٣٢٥).
(٢) رواه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير، حديث رقم (٢٦٦٤).
[ ١ / ٢٧٦ ]
الفائدة السادسة والعشرون: وجوب إفراد الله ﷿ بالتوكل، لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ وهذا فيه تفصيل، وذلك أن التوكل المطلق الذي فيه تفويض المتوكِل أمره إلى المتوكَل عليه، وهذا لا يجوز إلا لله، والمتوكل على الله بهذا المعنى يشعر بأنه بحاجة وافتقار إلى الله ﷿.
وأما التوكل وهو الاعتماد الجزئي الذي لا يشعر المتوكِل أنه مفوض أمره إلى المتوكَل عليه بل هو الذي يمكن أن يقضي حاجته، فإذا لا بأس به، ولذلك جاءت السنة: بجواز توكيل الغير والاعتماد عليه فيما وكل فيه، فمثلًا: تقول: يا فلان اشترِ لي كذا وكذا، أنت الآن اعتمدت عليه، ولكن هل هذا اعتماد افتقار أو اعتماد معونة؟ الثاني: اعتماد معونة، وأنت الآن تشعر بأن هذا الرجل لستَ مفتقرًا إليه لو شئتَ لعزلته، وهو أيضًا لا يمكن أن يأتي بمرادك، قد يعتريه مرض وقد يُمنع منه إلى آخره، ولكن توكل العبد على الله ﷿، -وأسأل الله أن يجعلنا من المتوكلين عليه- يشعر الإنسان بأنه بحاجة إلى الله، وأنه قد فوض أمره إلى الله ﷿، ومن ثَمَّ لا يمكن أن نقول: إن التوكل على غير الله إنه شرك؛ لأنه كما تقدم الفرق العظيم بين هذا، وهذا ظاهر، لكن قد يتوكل الإنسان ويعتمد الإنسان على من ينفق عليه مثلًا، فالابن يعتمد على أبيه في الحصول على النفقة، كذلك الموظف يعتمد على وظيفته.
هذه مسألة دقيقة جدًّا، فإن أشعرت نفسك بأن هذا سبب محض وأن الذي جعله سببًا هو الله، وأن الله قادر على أن يمنع نفوذ هذا السبب، وجعلت الأمر كله إلى الله ﷿، فإن ذلك
[ ١ / ٢٧٧ ]
لا ينافي التوكل، لا أصله ولا كماله، وأما إذا اعتمدت عليه وعلقت قلبك به، فإن هذا بلا شك نوع من الشرك، إن نسيت الله بالكلية - والعياذ بالله - وجعلت هذا هو الذي يجلب لك الأمور بنفسه فهذا شرك أكبر وإلا كان أصغر، ومن ذلك ما يقع كثيرًا للمرضى، من اعتمادهم على الطبيب اعتمادًا كليًّا حتى إنه يشعر في نفسه أن الشفاء كان منه، وهذا خطر عظيم، أما إذا اعتمدت على الطبيب على أنه سبب والمسبب هو الله ﷿، وأن الله تعالى إن قدر لك الشفاء فهو الذي شفاك، وإلا فالطبيب لن ينفعك وغاية ما هنالك أنني أذهب إلى الطبيب، كما أوقد النار لطهي طعامي مثلًا، فهذا لا بأس به، ولابد أن يكون في القلب شيء من التعلق بمن ينفعه، لكن يجب أن نجعل الأول والآخر هو الله ﷿.
لو قال قائل: إذا أصيب الإنسان بالمرض وترك التداوي يحتج على ذلك بقصة عمران بن حصين التي في صحيح مسلم بأنه قال لأحد الصحابة: إني كان يُسَلَّم عليَّ فلما اكتويت ترك ذلك، فلما تركته سلم علي (^١) وقصة أبي بكر عندما مرض وقيل له: ألا تتداوى؟ قال: قد رآني الطبيب، قال: أنا على ما أشاء قدير (^٢)، فهل في هذا حجة على ترك التداوي؟
الجواب: عندنا السنة وعندنا كلام الصحابة أيهما تقدم؟
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحج، باب جواز التمتع، حديث رقم (١٢٢٦) عن عمران.
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٣/ ١٩٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٤١٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٤).
[ ١ / ٢٧٨ ]
الرسول - ﷺ - أمر بالتداوي، إلا أننا لا نتداوى بحرام (^١)، الرسول ﵊ لما ذكر الحبة السوداء أنها شفاء من كل داء إلا الموت (^٢) غرضه من هذا أن يستشفي الناس بها، ثم يحمل فعل بعض الناس، سواء الصحابة أو من بعدهم على أن عندهم من قوة التوكل ما يغنيه عن الدواء، فتكون قوة التوكل عنده بمنزلة الدواء، أما لو كان مصابًا بمرض القلب مثلًا ويخشى أنه لو ذهب إلى الأطباء وأجروا له العملية ألَّا يتقنوها، فإذا لم يكن عنده الثقة في الطبيب هذا شيء آخر، لا سيما إذا كان المرض خطيرًا فلا يخاطر بنفسه، أما إذا كان أمرًا معلومًا مثلًا، كالزائدة الآن، الزائدة إذا أصابت الإنسان إن بادر بها وقطعها سلم بإذن الله وإن تركها مات، وهي عملية سهلة، والبواسير الآن سهلة عند الأطباء، مع أن بعض العلماء يقول: حرام قطع البواسير؛ لأن في عهدهم كان قطعها خطرًا، يكون نزيف ويموت الإنسان، لكن الآن تقدم - والحمد لله - علم الطب.
لو قال قائل: هل ينافي كمال التوكل الابتداء بالتداوي بالأسباب الحسية كالأدوية وترك القراءة الشرعية والأسباب المعنوية؟
الجواب: بعض الناس قد يعدل إلى التداوي بالأدوية
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الطب، باب ما جاء في الدواء والحث عليه، حديث رقم (٢٠٣٨) عن أسامة بن شريك.
(٢) رواه البخاري، كتاب الطب، باب الحبة السوداء، حديث رقم (٥٣٦٤)، ومسلم، كتاب السلام، باب التداوي بالحبة السوداء، حديث رقم (٢٢١٥) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٢٧٩ ]
الحسية دون القراءة الشرعية؛ لأنها ربما تكون أفيد من القراءة عند بعض الناس؛ لأن الإنسان المريض لا يتقبل القراءة، ويكون شاكًّا فيها، وإذا كان شاكًّا فيها لا تنفعه أو لا يثق بالقارئ لكن الأمور الحسية يثق بها كثيرًا، لكن هناك أمراض لا ينفع فيها الأدوية الحسية، مثل الأمراض النفسية، فلا ينفع فيها إلا القراءة، والطبيب تجده يكشف على المريض عدة مرات ثم يقول: ليس فيه شيء، هذا لا ينفع فيه إلا القراءة، وليعلم أن الذي يشك في قراءة القاري أو في نفثه لا يستفيد، لكن لا ندري هل هو يشك في هذا باعتبار الدواء الذي هو الآيات، أو باعتبار القارئ.
* * *
الفائدة السابعة والعشرون: أن إفراد الله بالتوكل من الإيمان، لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وأن نقص التوكل على الله نقص في الإيمان؛ لأن ما رتب على شيء ازداد بزيادته ونقص بنقصه.
الفائدة الثامنة والعشرون: إصرار بني إسرائيل على المعصية، وعلى الجبن والخور لقولهم: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ وهذا ظاهر في أنهم مصرون على معصية نبيهم الذي قال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾.
الفائدة التاسعة والعشرون: الغطرسة العظيمة في بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى ﵊: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، حتى قولهم: "اذْهَبْ"، بهذه الصيغة، كأنهم آمرون لموسى، أيضًا فيه استعلاء واستكبار ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ يعني: ما رجوه رجاء وقالوا: ألا تذهب يا
[ ١ / ٢٨٠ ]
رسول الله، أو يا نبي الله، أو ما أشبه ذلك، وجه ثالث من الغطرسة في قولهم: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ أي: لا نتحرك ولا نذهب معكم، لم يقولوا مثلًا: إننا ردء لك نحميك من ظهرك وما أشبه ذلك، ففيها أيضًا منتهى الغطرسة من بني إسرائيل.
الفائدة الثلاثون: أن موسى ﵊ أيس من بني إسرائيل حينما عاندوا هذا العناد وعبروا هذا التعبير، لقوله: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ وقَارِن بينهم؛ أي: بين بني إسرائيل وبين صحابة النبي - ﷺ -، حيث كانوا يبتدرون أمره، ويتسابقون إليه، تجد الفرق العظيم بين هذه الأمة - والحمد لله - وبين الأمم السابقة.
الفائدة الحادية والثلاثون: أن موسى ﵊ له الكلمة على هارون، لقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ أما كون هارون أكبر من موسى أو موسى أكبر من هارون؟ فهذا يحتاج إلى دليل صحيح، ولكن موسى ﵊ كان له الإمرة على هارون.
الفائدة الثانية والثلاثون والثالثة والثلاثون: جواز دعاء الإنسان ربه ﷿ أن يفصل بينه وبين أهل الفسوق والفجور، لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
ويمكن أن يتفرع على هذه الفائدة جواز هجران الفسقة؛ لأن الهجر مفارقة، ولكننا نقول: السنة دلت على أن الهجر إن كان فيه مصلحة فافعله وإلا فلا تفعل، فإن كان هجران العاصي أو المبتدع لا يزيد الأمر إلا شدة، وأنت إنما هجرت للإصلاح ولأجل أن يرتدع، وهو لن يرتدع بالهجر بل يمكن أن يزيد في
[ ١ / ٢٨١ ]
الشر، ونضرب لذلك مثلًا لو أنك رأيت رجلًا حالقًا لحيته وهجرته هل سوف ينتهي عن ذلك، إن كان سينتهي فلا بأس، وأما إذا كان لا ينتهي ويزداد كراهة لك ولما تدعوه إليه من الحق ويستمر فأي فائدة في هجره، ثم عندنا الحديث الصحيح: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة" (^١). وهذا مُسَلَّم، وما ورد عن السلف من الهجر يحمل على أنه هجر للإصلاح أو لئلا يغتر بهم الخلق، وعلى هذا إذا كنت تتألف العصاة وأهل الضلال فلابد أن تصرح بأنهم على ضلال، لئلا يغتر الناس بهم، لكن لا تخصهم بأعيانهم حتى لا ينفروا، لكن إذا قلت: بعض الناس قال كذا أو يقال كذا فلن ينفروا.
الفائدة الرابعة والثلاثون: أن التخلي عن الجهاد في سبيل الله من الفسق، لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
الفائدة الخامسة والثلاثون: الأخذ بالأكثر؛ لأن من قوم موسى من كانوا على الحق، وهما الرجلان اللذان قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ فهل هما فاسقان؟ الجواب: لا، لكن باعتبار الأكثر صح أن يوصفا بالفسق على وجه العموم، وقد يقال: إن الفاسقين هنا عام أريد به الخاص؛ أي: أن موسى ﵊ لم يكن في باله إطلاقًا أن يدخل الرجلان، وعلى هذا فيكون الوصف هنا خاصًّا بالذين قالوا: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، حديث رقم (٥٧١٨)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، حديث رقم (٢٥٥٨) عن أنس بن مالك.
[ ١ / ٢٨٢ ]
دَامُوا فِيهَا﴾، وقد يقال: إن موسى ﵇ لا يملك الملك التام والسيطرة التامة إلا على أخيه هارون.
الفائدة السادسة والثلاثون: استجابة الدعاء، لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ﴾ واستجابة الله للدعاء تتضمن عدة صفات: منها: الاستجابة، ومنها: العلم، ومنها: السمع، ومنها: القدرة، كل هذه الصفات ثابتة بالاستجابة؛ لأنه لو لم يسمع لم يستجب، ولو لم يعلم ما يريد الداعي لم يستجب، ولو لم يقدر لم يستجب أيضًا.
الفائدة السابعة والثلاثون: أن التحريم يطلق على المنع القدري، لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؛ لأننا نعلم أن الله تعالى لم يرد أنه حرم عليهم دخولها شرعًا لكن قدرًا، وهو كذلك أعني أن التحريم يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، وقد ضربنا لذلك أمثلة أثناء الكلام على تفسير الآية. فمن التحريم القدري الكوني: قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] تحريمًا قدريًّا، ومن التحريم الشرعي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦].
الفائدة الثامنة والثلاثون: أن العقوبة تعم لقوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
الفائدة التاسعة والثلاثون: إرشاد الإنسان أن لا يحزن على الفاسق؛ لأنه إذا بذل جهده فيما يجب من الدعوة، فإن هداية الخلق ليست إليه بل إلى الله، فلا يحزن، ولهذا قال الله: ﴿فَلَا
[ ١ / ٢٨٣ ]
تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] وقال لنبيه - ﷺ -: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣] وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف: ٦] والآيات في هذا متعددة، فالإنسان إذا بذل الجهد بقدر المستطاع، فلا ينبغي أن يحزن ويشتغل بعيوب غيره عن عيوب نفسه، ولا يأس على القوم الفاسقين، وكثير من الناس يكون عنده غيرة، فتجده يشتغل بمعاصي غيره وعيوب غيره وينسى نفسه وهذا خطأ، أهم شيء عليك نفسك، عدلها ثم اسعَ في إصلاح الآخرين.
لو قال قائل: ما حكم وصف موسى ﵇ بالعصبية بسبب هذه المواقف، وهي غضبه وإلقاؤه الألواح، وتعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، وقتله للفرعوني، وتسرعه بالسؤال في قصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف: ٧٦]؟
الجواب: نقول للدَّين وصفوا موسى ﵊ بالعصبية: إن كنت تخبر مجرد خبر فلا تعرض المسألة على هذه الصفة، بل قل: إن موسى ﵊ عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الأوصاف التي تكون مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر مخرج عن الملة، وموسى ﵊ مشهور بأنه قوي وشديد؛ ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه (^١)، فهو
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى وذكره بعد حديث رقم (٣٢٢٦)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موس - ﷺ -، حديث رقم (٢٣٧٢) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٢٨٤ ]