الفائدة الأولى: أنه يجب على الإنسان أن يذكر نعمة الله عليه في جلب المنافع ودقع المضار، وجه ذلك: أمر الله جلَّ وعلا بذكر نعمه بكف أيدي الأعداء عنا.
لو قال قائل: في كثير من الأحيان ما يكاد الإنسان يذكر نعمة هو فيها إلا ويُحْرَمْها، فهل يجب عليه في هذه الحال أن يذكر نعمة الله عليه؟
الجواب: هذا غلط، الله ﷿ يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]، لكن ربما يكون ذكره إياها على سبيل الفخر والإعجاب فحينئذٍ يُحْرَمُ إياها، حتى لو كانت النعمة لا تستوجب فخرًا ولا عجبًا كصحة مثلًا أو مال أو ذهاب أو إياب
[ ١ / ١٦٦ ]
أو أي شيء، فنقول: أبدًا لا يمكن، الإنسان مأمور أن يتحدث بنعمة الله بدون فخر، وبدون إعجاب.
* * *
الفائدة الثانية: أن كف الأذى والضرر من النعم وهو كذلك، وكثير من الناس يظنون أن النعم هي الإيجاد، وهذا قصور، النعمة: إما إيجاد معدوم وإما كف موجود، ولهذا يشكر الله ﷿ على هذا وهذا.
الفائدة الثالثة: وجوب تقوى الله ﷿ عند ذكر النعم حتى لا يطغى الإنسان ويرتفع ويربأ بنفسه، لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
الفائدة الرابعة: وجوب التوكل على الله ﷿، لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ﴾.
الفائدة الخامسة: إخلاص التوكل لله ﷿، وجه ذلك: تقديم المعمول، والقاعدة عند البلاغيين: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
فإن قال قائل: هل التوكل يمنع فعل الأسباب؟
الجواب: لا، بل التوكل لا يتم إلا بفعل الأسباب، وأضرب لكم مثلًا بسيد المتوكلين محمد - ﷺ -، ومع ذلك كان يتوقى الحر ويتوقى البرد ويلبس الدروع في الحرب، ولبس ﵊ في أُحد درعين، كل ذلك توقيًا للسهام، فَفِعْل الأسباب النافعة الحقيقية لا ينافي التوكل، بل هو من تمام التوكل.
ولهذا لو قال قائل: أنا لن أسعى في طلب الرزق، يرزقني الذي رزق الثعابين في جحورها، أنا متوكل على الله؟
[ ١ / ١٦٧ ]
قلنا: هذا عجز وكسل. التوكل على الله: التفويض إذا لم تستطع الأسباب، فإذا عجز الإنسان عن الأسباب فليس عنده إلا التفويض، ولهذا تجد الكفار إذا غشيهم موجٌ كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين أي: فوضوا الأمر إلى الله، وكذلك الإنسان إذا ألم به شيء لا يستطيع دفعه تجده ليس له حول ولا قوة، أما مع القدرة على فعل الأسباب فإنه لا بد من فعلها، لو أن الإنسان قال: أنا أريد أن أسافر إلى مكة للحج، قلنا: خذ معك نفقة قال: لا حاجة لذلك أنا متوكل على الله، ماذا نقول في هذا؟ هذا عجز وتواني وكسل، إذا كنت متوكلًا على الله حقيقة فافعل السبب، خذ معك ما يكفيك للنفقة أو أجر نفسك على بعض الناس تكون معهم ويكفونك المؤنة أو ما أشبه ذلك.
الفائدة السادسة: أن التوكل من الإيمان، لقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فوجه الأمر إلى المؤمنين؛ لأنهم هم أهل التوكل.
الفائدة السابعة: أن ترك التوكل على الله نقص في الإيمان، ولكن هل ينافي كمال الإيمان أو ينافي أصل الإيمان؟ فيه تفصيل فمن توكل على نبي ميت، وكل الأنبياء أموات إلا عيسى فهو حي في السماء فهذا ينافي أصل الإيمان، من توكل على قبر فهذا ينافي أصل الإيمان، فمن اعتمد على سبب معلوم وهو سبب شرعي أو قدري فذلك لا ينافي الإيمان، لكن لا تجعل عمدتك هذا السبب بل اجعله سببًا والمسبب هو الله ﷿، ولهذا نجد الأسباب كثيرًا ما تتخلف مسبباتها؛ لأن الأمر بيد الله ﷿، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢].
* * *
[ ١ / ١٦٨ ]