الفائدة الأولى: تذكير هذه الأمة وتذكير بني إسرائيل بما أخذه الله عليهم من الميثاق، أما تذكير بني إسرائيل فالأمر فيه واضح، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وأما تذكيرنا نحن الأمة الإسلامية؛ فلأنه ليس بين البشر وبين الخالق عهد يتضمن المحاباة إلا تفضلًا من الله ﷿، فإذا قمنا بما أوجب الله علينا فلنا الأجر مرتين، حسب ما جاءت به النصوص عن النبي - ﷺ - (^١).
الفائدة الثانية: ذكر الله نفسه بالغيبة تعظيمًا وتكبيرًا له جلَّ وعلا، وجه ذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: "لقد أخذنا"، وهذا كما يقول الملك لجنوده إن الملك يأمركم أن تفعلوا كذا لا يقول: إني آمركم، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
الفائدة الثالثة: أن من أساليب البلاغة الانتقال من أسلوب
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة، حديث رقم (٧٠٢٩) عن ابن عمر.
[ ١ / ١٧٦ ]
إلى آخر لتنبيه المخاطب، لقوله: ﴿وَبَعَثْنَا﴾ بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ ولا شك أن تغير الأسلوب يوجب الانتباه.
الفائدة الرابعة: إثبات أن الله تعالى خلق أعمال العباد، لقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾؛ لأن النقباء مفتشون، وإذا كان الله هو الباعث لهم، لزم أن تكون أفعالهم مخلوقة لله.
الفائدة الخامسة: الرد على القدرية لقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ﴾، وجه الدلالة لأنهم قاموا بأمر الله، لكن القدرية يقولون: إن أفعال العبد ليست مخلوقة لله، وليس لله فيها تعلق.
الفائدة السادسة: الرد على الجبرية، لقوله: ﴿نَقِيبًا﴾ لأن النقيب: هو المنقب، فأضاف الله تعالى الفعل إليهم، وهذا يدل على أن الإنسان غير مجبور، ونصوص الكتاب والسنة تدل على بطلان قول القدرية وبطلان قول الجبرية.
الفائدة السابعة: أنه ينبغي للناس أن يتخذوا نقباء يرجعون إليهم في أمورهم، عند النزاع يكونون مصلحين وعند الإشكال يكونون موضحين وما أشبه ذلك، ولهذا أمر النبي - ﷺ -، إذا كانوا ثلاثة في سفر أن يؤمروا أحدهم (^١) من أجل أن يوجههم ويدبر شؤونهم، ولا يكون الأمر فوضى.
الفائدة الثامنة: منَّة الله على بني إسرائيل بأنه ناصرهم، لقوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ واعلم أن الله تعالى وصف نفسه بالمعية في عدة آيات، فمرة ذكرها عامة ومرة ذكرها خاصة بوصف، ومرة ذكرها خاصة بشخص، وكلها حق، فالعامة
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، حديث رقم (٢٦٠٨) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.
[ ١ / ١٧٧ ]
مقتضاها الإحاطة بالخلق علمًا وقدرة وسلطانًا وتدبيرًا وملكًا وغير ذلك، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُو﴾ [المجادلة: ٧]، والمعية الخاصة إما مقيدة بوصف كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]، لكن هذه تقتضي مع الإحاطة العامة تقتضي النصر والتأييد والدفاع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، وإما مقيدة بشخص، مثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، ومثل قول النبي - ﷺ - فيما حكاه الله عنه لصاحبه أبي بكر ﵁: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
هذه المعية، هل هي حقيقة أو هي مجاز عن العلم والإحاطة والنصرة والتأييد وما أشبه ذلك؟
الجواب: الأول كسائر الصفات، أنها حقيقة وأنها تقتضي في كل موضع ما يناسبها.
لكن إذا قلنا: إنها حقيقة، هل تنافي ما ذُكر من علو الله جلَّ وعلا؟
الجواب: لا، أبدًا، بل هو معنا ﷾ وهو على عرشه، وليس معنى قوله ﴿مَعَنَا﴾، أنه في الأرض، كلا، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، ومن كان هذا شأنه كيف يمكن أن يتصور عاقل فضلًا عن مؤمن أن يكون معنا
[ ١ / ١٧٨ ]
في أماكننا، فالله ﷾ معنا وهو عالٍ، ولا مانع؛ لأن الله بكل شيء محيط، حتى إن الرسول ﵊ لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير، قال: "أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصمًا ولا غائبًا، -أصم: لا يسمع، ولا غائب: لا يرى- إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" (^١)، نحن نؤمن بهذا، لكن ليس معنى ذلك أن الله ﷿ في نفس المكان؛ لأنك لو قلت هذا لكنت ممن عمل بالنصوص ولكن نظر إليها نظر الأعور؛ أي: من جانب واحد.
ولهذا لما نظرت الجهمية إلى هذا من جانب واحد، قالوا: إن الله معنا في كل مكان، لكنهم غفلوا عن نصوص العلو، ونحن نقول: إن الله تعالى معنا حقيقة وهو ﷾ على عرشه حقيقة، ولا منافاة.
فإن قال قائل: هل يتصور العقل أن الشيء يطلق عليه أنه معك وهو بعيد عنك؟
قلنا: نعم، إنه يتصور في الأمور المخلوقة، فالقمر يقول المسافرون إنه معنا، والنجم يقولون إنه معنا، والشمس يقولون: إنها معنا، وأمكنة هذه المخلوقات في السماء، يعني العرب تقول: القمر معنا والقطب معنا والجدي معنا، يقولون هذا،
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير، حديث رقم (٢٨٣٠)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، حديث رقم (٢٧٠٤) عن أبي موسى.
[ ١ / ١٧٩ ]
ويعبرون عن هذا على أنها حقيقة ومحلها في السماء، ولا يعد ذلك تناقضًا، ثم على فرض أنه تناقض في المخلوق وأنه لا تجتمع المعية حقيقة والعلو حقيقة، فهل يقاس الخالق بالمخلوق؟
الجواب: لا يقاس بل يقال: نثبت لله ما أثبته لنفسه من علوه ومعيته، ونعلم أنه لا تناقض بل هو عالٍ ومعنا ولا منافاة، إذًا: الجواب على هذا نقول: ليس بينهما تناقض للوجوه التالية:
أولًا: أن الله جمع لنفسه بينهما، وما جمع الله بينه في كتابه فليس فيه تناقض، إذ لو كان لما صدق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فكل شيئين جمع الله بينهما فاعلم أنه لا تناقض بينهما.
ثانيًا: لا تناقض ولا منافاة بين المعية حقيقة والعلو حقيقة أبدًا؛ لأننا نحس بالواقع المشاهد المتفق عليه عند علماء اللغة أنه يقال للشيء إنه معنا وهو في مكانه في السماء بعيدًا عنا.
ثالثًا: على فرض أن هذا ممتنع في حق المخلوق فليس بممتنع في حق الخالق؛ لأن الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، في جميع نعوته، فهو عليٌّ في دنوه قريب في علوه، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة المباركة ألا وهي: العقيدة الواسطية، وبه أيضًا نسلم من إلزام أهل التأويل لأهل السنة حيث يقولون: أنتم تنكرون علينا التأويل وأنتم تؤولون؛ لأنك إذا قرأت ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤]، كل هذه الضمائر تعود إلى الله ﷿، ما الذي يخرج المعية عن هذا؟
[ ١ / ١٨٠ ]
إذا كان قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: أي: الله، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]: أي: الله، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾: أي: الله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾: أي: الله، لكن يجب كما قال شيخ الإسلام ﵀ أن يصان هذا الفهم عن الظنون الكاذبة، مثل: أن يعتقد الإنسان أنه معنا في مكاننا، أو أنه على السماء يعني أن السماء تقله، أو أنه إذا نزل إلى السماء الدنيا صارت السموات الأخرى تظله، هذا يجب أن يصان عنه؛ لأن الله تعالى في العلو، وعلوه من لازم ذاته وهو من الصفات الذاتية التي لا ينفك عنها كما لا ينفك عن سمعه وبصره فلينتبه لهذا.
لكن ورد عن السلف ﵏عن كثير منهم- أنهم فسروا المعية بالعلم وهذا تفسير باللازم؛ لأن من لازم من كان معك أن يكون عالمًا بك، ولا شك أن هذا التفسير صحيح غير منكر والتفسير باللازم تفسير صحيح لكنه ليس هو المطابق؛ لأن الدلالات: ثلاثة أنواع: دلالة تضمن، ودلالة مطابقة، ودلالة التزام، هذا من دلالة الالتزام، واضطروا إلى ذلك من أجل الرد على أولئك الجهمية الذين كانوا يقولون: إن الله معنا في نفس المكان، ولهذا قال عبد الله بن المبارك ﵀: نقول: إن الله معنا بعلمه، ولا نقول: كما قال هؤلاء الجهمية، إنه معنا ها هنا يعني: في الأرض فتبين بذلك لماذا صارت أكثر عبارات السلف: أن المعية يعني العلم؟ ونحن نقول هذا التفسير صحيح غير منكر؛ لأنه تفسير باللازم والتفسير باللازم قد استعمله السلف في كثيرٍ من الآيات ولا يعد هذا خروجًا عما تقتضيه الآية، لكن التفسير الذي ينكر على الإنسان، أن يؤول تأويلًا مخالفًا للفظ بأنواع الدلالات الثلاث وهي: المطابقة والتضمن والالتزام.
[ ١ / ١٨١ ]
المعية الخاصة بالوصف كثيرة في القرآن قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]، هذه الآية إذا آمن بها الإنسان سوف تحمله على ثقته بنفسه، لكن ثقته بنفسه: لا لأنه قوي قادر، ولكن لأن الله معه فإذا اتقى الإنسان ربه تقوى حقيقية، فإنه سوف يحصل له النصر والتأييد لأن الله يدافع عن الذين آمنوا، لكن الذي ينقصنا في الحقيقة هو التقوى، ولذلك نجد أننا فاشلون في كل المعارك التي خضناها مع إخوان القردة والخنازير وهم: اليهود. ونجد أن الإخوة الذين عندهم -فيما يظهر لنا والعلم عند الله تقوى وقوة- نجد أنهم غلبوا من كانوا أكبر دولة فيما سبق وهم الروس، ولكن الذين غلبوهم عندهم من التقوى ما ليس عندنا، يقولون: في الشيشان كان الروس أذل من الكلاب عندهم، حتى إنهم لما أمر ضُبَاطُهم وقوادهم جُيُوشَهم أن تتجمع، كانوا يتجمعون وينحدرون من رؤوس الجبال، يقول لي رجل ويقسم بالله أن سبعمائة آلية للحرب يقودها الروس، يقول: إن الشيشان قالوا: لا يمكن أن تسير هذه من حولنا، إلا والعَلَمُ المكتوب عليه "لا إله إلا الله محمد رسول الله" في المقدمة. فصاروا يقودونهم بلا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وهؤلاء يقول: أذل ما يكون، والذي قتل منهم -أي: من الروس- يقولون: سبعون ألفًا. ما كنا نظن هذا.
فأقول: إن الإنسان إذا وثق بنفسه لما معه من تقوى الله والإحسان في عبادة الله، فليبشر بأن الله تعالى معه وأن الله ناصره، ثم ليُعلم أنه ليس من الضروري أن ينصر الإنسان في
[ ١ / ١٨٢ ]
حياته، بل إذا نصر ما يدعو إليه بعد موته فهو انتصار له بلا شك، ولهذا نحن نؤمن بأن انتصار الصحابة بفتحهم مشارق الأرض ومغاربها انتصارًا للرسول ﵊، فمن قام بالدعوة إلى الله مخلصًا لله متبعًا لشريعة الله ثم مات أو قتل، لكن بقيت الدعوة وانتصر بها من بعده، فهو في الحقيقة انتصار له، فيصدق قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
أما المعية المعينة بشخص فهي أعظم وأعظم، فقول الرسول - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، أبلغ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾؛ لأنه تعيين للشخص، وكذلك قول الله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
الفائدة التاسعة: أن هؤلاء لو أوفوا بعهد الله لأوفى الله لهم بعهده، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ولقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ إلى آخره.
الفائدة العاشرة: أن الصلاة والزكاة مفروضة على الأمم السابقة، وهو كذلك، فالصلوات والزكوات مفروضة لكن لا يلزم من كونها مفروضة أن تكون مماثلة لما وجب علينا في الكيفية والوقت والمقدار، المهم أن جنس الصلاة مفروض وجنس الزكاة مفروض لكن قد يختلف، وهذا كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فالتشبيه هنا للفرض، شَبَّه الفرض بالفرض ولا يلزم أن
[ ١ / ١٨٣ ]
يكون صيامهم كصيامنا، وبقي الحج فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أن الأمم السابقة كان الحج مشروعًا في حقهم (^١)، فهذه الأركان العظيمة -أركان الإسلام- مشروعة عند كل أمة.
الفائدة الحادية عشرة: أنه يجب على بني إسرائيل الإيمان بجميع الرسل وعلى رأسهم محمدٌ - ﷺ -؛ لأن الله تعالى لم يتكفل لهم بهذا الثواب إلا إذا آمنوا برسله لقوله: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾، ومن المعلوم أن من كذب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع الرسل، كما قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، مع أنه لم يسبق رسول قبل نوح، لكن لما كذبوا نوحًا صار تكذيبهم إياه تكذيبًا لجميع الرسل.
الفائدة الثانية عشرة: وجوب نصرة الرسل، لقوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾، فنصرتهم في حياتهم أن يكون معهم في الجهاد والدفاع وغير ذلك، ونصرتهم بعد وفاتهم أن ينصروا شرائعهم ويقيموها بين الناس، فواجب علينا نحن الآن أن ننصر شريعة النبي - ﷺ -.
الفائدة الثالثة عشرة: بيان فضل الله ﷿ على العباد حيث إنَّه يعطيهم الرزق ثم يقول تعالى: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾، وهو المعطي أولًا والمثيب ثانيًا لقوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ﴾، والحكمة في التعبير عن الإنفاق في سبيل الله بالقرض، أن الله جعل الإنفاق في سبيله بمنزلة القرض الذي يلزم المستقرض أن يوفيه.
_________________
(١) انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، حديث رقم (١٦٦)، سنن ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج على الرحل، حديث رقم (٢٨٩١)، مسند أحمد (١/ ٢١٥) (١٨٥٤).
[ ١ / ١٨٤ ]
الفائدة الرابعة عشرة: أنه لا بد أن تكون الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله حسنة لقوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ليخرج النقص عن الواجب والإسراف في البذل؛ لأن الإسراف ليس حسنًا والنقص ليس حسنًا.
الفائدة الخامسة عشرة: أن الأعمال الصالحة تكفر الأعمال السيئة، لقوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقول النبي - ﷺ -: "أتبع السيئة الحسنة تمحها" (^١).
الفائدة السادسة عشرة: أنه يُبدأ بالنجاة من المرهوب قبل بيان حصول المطلوب، لقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ﴾ وهو شاهدٌ لما اشتهر عند العلماء أن التخلية قبل التحلية، يعني إزالة الشوائب والعوائق قبل أن يحصل المطلوب.
الفائدة السابعة عشرة: أن الجنة ليست واحدة لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾ هذا إذا قلنا: إن هذا الجمع عائد على الجنات لا على من دخلها؛ لأن فيه احتمالًا أن يكون عائدًا على من دخلها وأن كل واحد له جنة وإن كانت الجنة واحدة لكن تعددت باعتبار داخليها، فنقول: هذا محتمل ولكن القرآن دل على أنها جنات مجموعة أي: نفس الجنات، ففي سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقال في الثانية: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢].
الفائدة الثامنة عشرة: أن نعيم الجنة نعيم للنفس والقلب
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب معاشرة النساء، حديث رقم (١٩٨٧) عن أبي ذر.
[ ١ / ١٨٥ ]
والسمع والبصر وكل شيء، وذلك حينما ذكر أن هذه الجنات تجري من تحتها الأنهار وهذا لا شك أنه يطرب السمع، فحفيف جريان النهر يطرب السمع، ولهذا تجد الإنسان يقف عند الشلالات متمتعًا بالاستماع إليها، وكذلك النظر أيضًا وكذلك القلب والنفس تستريح.
الفائدة التاسعة عشرة: أن في الجنة أنهارًا لا نهر واحد، لقوله: ﴿الْأَنْهَارُ﴾ والأنهار: جمع نهر وقد ذكر الله عز جل أنواعها في سورة القتال، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، فالأنهار أربعة أنواع كما تقدم.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]، فذكر نهرًا واحدًا وهنا ذكر أنهارًا؟
الجواب: الإفراد باعتبار الجنس فلا ينافي التعدد، فالمراد جنس الأنهار.
الفائدة العشرون: وعيد من كفر بعد الميثاق والنداء عليه بالضلال، لقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢].
الفائدة الحادية والعشرون: أن المؤمن يسير على سواء السبيل؛ أي: وسطها دون حافتيه، وجه ذلك: أنه إذا ثبت في حكم الكافر ضلال سواء السبيل فيثبت ضد حكمه للمؤمن؛ لأنه إذا تضادت الأعمال تضادت الجزاءات.
[ ١ / ١٨٦ ]