الفائدة الأولى: إثبات الأسباب لقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ وجه ذلك: لأن الفاء والباء دلَّا على السببية.
[ ١ / ١٩٥ ]
الفائدة الثانية: أن نقض الميثاق سبب للعنة الله ﷿، لقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾.
الفائدة الثالثة: أن اللعن عقوبة؛ لأن الله تعالى عاقب به من نقض الميثاق.
وهنا سؤال: هل يجوز لنا أن نلعن من لعنه الله ورسوله؟
الجواب: نعم، نلعن من لعنه الله ورسوله لكن على سبيل العموم إذا جاءت اللعنة على سبيل العموم، وعلى سبيل الخصوص، إذا جاءت اللعنة على سبيل الخصوص، فمثلًا نقول: لعن الله المعتدين، لعن الله الظالمين وما أشبه ذلك، والرسول - ﷺ - دعا على قريش عمومًا فقال: "اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش" (^١)، ولا يستبعد أن يوجد اللعن لشخص معين، أعني: الدعاء على شخص معين.
الحاصل: أننا لا نخص باللعن شخصًا معينًا حتى ولو كان من الظالمين؛ لأننا لا ندري بماذا يختم لهذا الرجل، فقد يختم له بالخير، حتى لو كان كافرًا ومات على الكفر فإننا لا نلعنه؛ لأن هذا من باب سب الأموات، وقد أفضوا إلى ما قدموا ولا فائدة من ذلك؛ لأنه إن كان قد استحق اللعنة فهو ملعون لعنتَ أم لم تلعن، وإن لم يكن يستحق اللعنة بُؤْتَ بالإثم.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والذل، حديث رقم (٢٧٧٤)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، حديث رقم (٦٧٥) عن أبي هريرة.
[ ١ / ١٩٦ ]
ولهذا لما دعا الرسول - ﷺ - على قوم باللعنة فقال: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" (^١) نهاه الله تعالى بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وأما قوله - ﷺ -: "إنما أنا بشر يغضب كما يغضب البشر فأيما امرئ لعنته فاجعل ذلك كفارة له" (^٢) فالمراد باللعن في هذا الحديث السب، ولهذا لما قال الصحابة ﵃: يا رسول الله! وهل يلعن الرجل أباه، قال - ﷺ -: "نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه" (^٣) لكن لو دعا على الكافر بالهلاك لا يدخل في اللعن؛ لأن اللعن هو الطرد والإبعاد.
الفائدة الرابعة والخامسة: أنه كلما عصى الإنسان ربه قسا قلبه، لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، عكس ذلك أن نقول: كلما أطاع الإنسان ربه لان قلبه، وما أكثر الذين يطلبون أن تلين قلوبهم ويسألون ما هو الدواء لقسوة القلب؟ نقول: الدواء لقسوة القلب كثرة طاعة الله ﷿.
الفائدة السادسة: أن للقلوب أحوالًا: قسوة ولينًا، وهو كذلك، كما قال الله ﵎: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، حديث رقم (٤٢٨٣) عن ابن عمر وأبي هريرة.
(٢) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب من لعنه النبي - ﷺ - أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلًا لذلك كان له زكاة وأجرًا ورحمة، حديث رقم (٢٦٠١) عن أبي هريرة.
(٣) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، حديث رقم (٥٦٢٨)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، حديث رقم (٩٠) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ١ / ١٩٧ ]
مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].
الفائدة السابعة: أن المعاصي سبب لقلة الفهم -أعني: فهم كلام الله ﷿- أو للعدوان في فهمه لقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وتحريف الكلم عن مواضعه: إما أن يكون سببه الجهل وفقد العلم، وإما أن يكون سببه الاستكبار والعدوان، وعلى كلٍّ فالجملة معطوفة على ما سبق، أو أنها حال من فاعل قاسية، يعني: حال كونهم يحرفون الكلم عن مواضعه، المهم أن المعاصي سببٌ لعدم الأخذ بالنصوص وسبب لتحريفها.
الفائدة الثامنة: أن المعاصي سبب لنسيان ما ذُكِّر به الإنسان، وقد تقدم أن النسيان نوعان: نسيان علم ونسيان عمل، وهذا كله لا شك سبب. أما كون المعاصي سبب لنسيان العلم فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧]، فإذا كانت الهداية سببًا لزيادة العلم فالمعصية سببٌ لنقصانها، وأما كون المعاصي سببًا لنسيان الترك فلقول الله ﵎: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، يعني إن تولوا وأعرضوا فاعلم أن سبب ذلك هو أنهم أذنبوا، فأراد الله تعالى أن يصيبهم ببعض ذنوبهم.
الفائدة التاسعة: أن هؤلاء قد أقيمت عليهم الحجة، ولكنهم تركوا العمل بعد إقامة الحجة، لقوله: ﴿مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.
الفائدة العاشرة: أن قسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه، ونسيان ما ذكر به الإنسان من خصال اليهود، وإذا كانت من خصالهم، فالواجب على الإنسان أن يبتعد عنها وأن يفر منها فراره من الأسد.
[ ١ / ١٩٨ ]
الفائدة الحادية عشرة: أن خيانة اليهود لا تزال باقية، لقوله: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾، وقد سبق تفسير كلمة خائنة، ومن تدبر تاريخهم عرف أنهم على ما وصفهم الله لا يزالون خونة، وأنه لا يُفرح منهم بعهد ولا يوثق منهم بوعد إذ إنهم خونة، إن رأوا قوة في مقابلهم ضعفوا أمامها، إن رأوا ضعفًا قووا أمامه، فهم يتبعون مصالحهم، ولا يبالون بوفاء الوعد أو العهد أو عدم وفائه؛ لأنهم لا يزالون خونة.
الفائدة الثانية عشرة: أن من اليهود من طهر من ذلك، لقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وهذا هو الواقع فإن من اليهود من آمن برسول الله - ﷺ - وشهد له بالحق وحسن إسلامه وكان داعية لقومه.
الفائدة الثالثة عشرة: حسن معاملة الإسلام لعدوه، وذلك حين أمر الله بالعفو عنهم والصفح، ولا سيما إذا ظهر النصر لنا، فحينئذٍ يأتي دور العفو؛ لأن العفو الحقيقي الذي يمدح عليه صاحبه هو: العفو مع القدرة، أما العفو مع العجز فهذا ليس بعفو ولا يحمد عليه الإنسان.
الفائدة الرابعة عشرة: إثبات المحبة لله، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ومحبة الله ﷿ ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف والذوق المحسوس، فإن الإنسان يحس بمحبة الله ﷿؛ أي: بأنه يحب الله ويعمل بطاعته، وكذلك أيضًا: إذا أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى لله، صار لله وليًّا وذاق طعم الإيمان.
الفائدة الخامسة عشرة والسادسة عشرة: أن عدم المؤاخذة على الذنب من الإحسان، لقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
[ ١ / ١٩٩ ]
الْمُحْسِنِينَ﴾، فدل هذا على أن عدم المؤاخذة على الذنب يعتبر إحسانًا، وكثير من الناس لا يفهم من الإحسان إلا الشيء الإيجابي، يعني الإعطاء، والصدقة، والهدية، والتبرع وليس كذلك. ويتفرع على هذه الفائدة أن فوات الأجر يعتبر عقوبة فقوله - ﷺ -: "من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو حرث أو صيد انتقص من أجره كل يوم قيراط" (^١) هذه عقوبة وإن كانت ليست عقوبة إيلام وتعذيب لكن فوات محبوب، ثم ليعلم أن أصل العفو ليس مشروعًا إلا إذا كان فيه إصلاح، فالعفو لا بد أن يكون في محله، ولذلك الله ﷿ اشترط في العفو أن يكون إصلاحًا فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠] ولهذا لو كان عفونا عن هذا الرجل يؤدي إلى تسلطه وعدوانه على الناس لم نعف عنه، فالإحسان يتضمن شيئين: إما إيصال مطلوب، وإما العفو عن مرهوب.
الفائدة السابعة عشرة: الحث على الإحسان، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقد تقدم غير بعيد أن الإحسان ينقسم إلى قسمين: إحسان في عبادة الخالق، وإحسان في معاملة المخلوق.
فالإحسان في عبادة الخالق: بَيَّنَهُ الرسول - ﷺ - بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المزارعة، باب اقتناء الكلب للحرث، حديث رقم (٢١٩٧)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب الأمر بقتل الكلاب، وبيان نسخه وبيان تحريم اقتنائها إلا لصيد أو زرع أو ماشية، حديث رقم (١٥٧٥) عن أبي هريرة.
(٢) تقدم ١٥٢.
[ ١ / ٢٠٠ ]