الفائدة الأولى: إقامة الحجة على الخصم بما يدعيه، لقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾؛ لأنه تقدم أن الحكمة من قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ دون قوله: ومن النصارى؛ لإقامة الحجة عليهم بما ادعوه، فهم يدعون أنهم نصارى، ومع ذلك نسوا حظًّا مما ذُكِّروا به.
لو قال قائل: سمى الله الذين يَدَّعون أنهم أتباع عيسى بالنصارى وهم يسمون أنفسهم بالمسيحيين، ويرفضون نسبتهم إلى النصرانية، ما السبب في ذلك؟
الجواب: السبب في ذلك أنهم إذا انتسبوا إلى المسيح انتسبوا إلى دين وإلى رسول دينه حق، وهذا أهون من قولهم: إنا نصارى، لا سيما إذا قلنا: إن كلمة النصارى نسبة إلى بلد تسمى الناصرة؛ لأن النسبة حينئذٍ تكون نسبة أرضية وطنية، لكن إذا قلنا: مسيحيون صارت نسبة إلى رسول متبوع، كما يسمي أهل التحريف أنفسهم بأهل التأويل، قالوا ذلك تلطيفًا للأمر وجعل هذا الشيء أمرًا مقبولًا؛ لأنهم لو قالوا: أهل التحريف؛ ما تبعهم أحد.
الفائدة الثانية: أن الله ﷾ لم يغفل أمةً من الميثاق الذي أخذه عليهم، لما تقدم أنه أخذ الميثاق على اليهود،
[ ١ / ٢٠٤ ]
وأخذه على النصارى، وأخذه على هذه الأمة؛ بل أخذه على جميع بني آدم.
الفائدة الثالثة: أن إضاعة حق الله من أسباب إلقاء العداوة والبغضاء بين الناس، بمعنى أنك متى وجدت عداوة وبغضاء بين الناس، فهذا بسبب إعراضهم عن دين الله لقوله: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا﴾، فـ ﴿أَغْرَيْنَا﴾: و"الفاء" للسببية.
الفائدة الرابعة: أن العكس يكون بالعكس، بمعنى أن الناس إذا قاموا بطاعة الله واتفقوا عليها فإن الله يلقي بينهم المودة والمحبة والولاية.
الفائدة الخامسة: التفريق بين العداوة والبغضاء، العداوة: ضدها الولاية، والبغضاء: ضدها المحبة، وهناك فرق بين حبيبٍ ليس وليًا وبين حبيبٍ هو ولي، وبين بغيض ليس عدوًا، وبغيض هو عدو؛ لأن البغيض قد يعتدي عليك فيكون بذلك بغيضًا عدوًا، وقد لا يعتدي عليك ولكن يكرهك فقط، فلا يكون عدوًا.
الفائدة السادسة: إثبات يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهو آتٍ لا محالة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٧].
الفائدة السابعة: تهديد هؤلاء النصارى الذين نسوا حظًّا مما ذكروا به وذلك في قوله: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
الفائدة الثامنة: إثبات علم الله، لقوله: ﴿يُنَبِّئُهُمُ﴾؛ لأنه لا إنباء إلا بعد علم وهو كذلك.
الفائدة التاسعة: الرد على الجبرية، لقوله: ﴿يَصْنَعُونَ﴾
[ ١ / ٢٠٥ ]