الفائدة الأولى: التصريح والتأكيد بكفر من قال: إن الله هو المسيح ابن مريم وهم النصارى، فما بقي شك في أن النصارى كفار، ومن قال: إنهم غير كفار وأنهم مؤمنون فإنه كافر إن علم ما جاء في القرآن والسنة من كفرهم؛ لأن لازم قوله هذا تكذيب الله ورسوله، وما أدري -سبحان الله-؟ أيداهنون النصارى من أجل أنهم أقوياء ماديًا وينسون من الذي أقدرهم على هذه المادة، من الذي أقدرهم على هذه المادة إلا الله، فكيف يخشونهم ولا يخشون الله؟ كيف يداهنونهم ويبسطون لهم الأرض ويفرشون لهم ورودًا، ويقولون: أنتم مؤمنون بالله واليوم الآخر، وأنتم على دين، ونحن على دين، واليهود على دين، وكأن الخلاف الذي بيننا وبين اليهود والنصارى، كالخلاف الذي بين أحمد بن حنبل ومحمد بن إدريس - سبحان الله - وهذه البدعة راجت على بعض الناس حتى راج أنه لا يجوز قتل المرتد؛ لأن الناس أحرار، يختار الإنسان من دينه ما يشاء، ولا إكراه في الدين -سبحان الله- هذا انقلاب -نسأل الله العافية- هذا أشد من التفسخ الخلُقي؛ لأن هذا يعود على العقيدة، وأن لا نتبرأ منهم والله ﷿ يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ
[ ١ / ٢٢٧ ]
وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
لماذا نداهنهم؟ بل نكفرهم ونقول ما قال نبينا ﵊: العنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^١) ونقول: إن آمنوا بمثل ما اَمنا به فقد اهتدوا وإلا فهم طى ضلال، لكننا في الحقيقة لا نستطيع الآن أن نقاتلهم ولا أن نجاهدهم، لأسباب كثيرة:
منها: أنه ليس عندنا حصيلة إيمانية توجب أن نقاتلهم، فالإيمان ضعيف في عامة المسلمين، لا أقول: في كل واحد، بل في عامتهم.
ثانيًا: ليس عندنا حصيلة الاستقامة على دين الله وعلى العبادات، أين من يصوم النهار ويقوم الليل؛ كثير من المسلمين لا يصلون الصلاة في وقتها، وكثير من المسلمين لا يصلونها أبدًا ولا يعرفون كيف يتوضؤون، أين الحصيلة؟
الثالث: أنه ليس عندنا غيرة دينية، بمعنى أن نقاتلهم من أجل الدين، كثير من الذين يقاتلون الكفار يقاتلونهم للأرض أو لآثار حسية كآثار الجاهلية، لا يقاتلونهم من أجل أن يقيموا دين الله على أرض الله، وتأمل هذا تجده واضحًا، وهناك أسباب أخرى لا يطيب لي أن أقولها في هذا المقام لكنها تظهر للمتأمل.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث رقم (٣٢٦٧)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، حديث رقم (٥٣١) عن عائشة وابن عباس.
[ ١ / ٢٢٨ ]
فنحن الآن في الحقيقة عاجزون عن مقاومتهم، لكن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن نداهنهم في دين الله؛ لأنهم هم يودون، كما قال الله ﷿: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٩]، يودون هذا، لكن يأبى الله ﷿إن شاء الله تعالى- أن نداهنهم في دين الله أبدًا، ولن نداهن، نسالمهم ما دمنا ضعفاء وإلى أن ياذن الله لنا بالقوة ويأذن لهم بالضعف.
وأما مسألة الدين فلا يمكن إطلاقًا أن نبيع ديننا لهم ولا لغيرهم، ولا يحل لنا هذا، لكن مع الأسف أنه يوجد الآن من يحطمون الدين باسم الدين: الدين الإسلامي دين التسامح، دين التساهل، دين المحبة، هذا ليس بصحيح على إطلاقه، فالتسامح مع من؟ مع إخواننا المسلمين؟ نعم، أما غيرهم فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ [التوبة: ١٢٣]، لكن مَنْ مد إلينا يد المسالمة مددنا إليه يد المسالمة، إذا كنا عاجزين عن المقاومة، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، أما الدين فلا نرضى أن يصاب بشيء أبدًا بل نقول: دين الإسلام دين خاص يمتاز عن غيره بأنه يؤمن بجميع الأديان أنها حق من عند الله، لكنها منسوخة بالإسلام، بعض الناس الجهال يقولون: اليهود يؤمنون بموسى والنصارى يؤمنون بعيسى، ثم يقول: كلٌ يؤمن بنبيه ما المانع؟ !
نقول: اقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
[ ١ / ٢٢٩ ]
وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)﴾ [النساء: ١٥٠] بعدها ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]، أكد الله كفرهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ هؤلاء النصارى واليهود الآن يقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، اليهود يدعون أنهم يؤمنون بموسى، والنصارى يدعون بأنهم يؤمنون بعيسى، ويكفرون بمحمد، محمد الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ من يخاطب؟ الأنبياء ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ عهدي الثقيل ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
إذا كان أنبياؤهم قد أُخذ عليهم العهد أن يؤمنوا بمحمد فهم من باب أولى ومع ذلك يكفرون بمحمد ﵊، ويقولون: نحن مؤمنون، ثم نقول لهم: أنتم في الحقيقة ما آمنتم؛ لأن محمدًا - ﷺ - موجود في التوراة وفي الإنجيل، مكتوب عندهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، هذا موجود، بل قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، مثل ما يعرف الرجل ابنه، يعرف أن محمدًا رسول الله ومع ذلك كفروا، كيف نقول: هؤلاء مؤمنون؟
ثم نقول: إن الله تعالى حكم على كل إنسان كفر برسول أنه كافر بجميع الرسل، حتى بمن لم يأتِ مِن الرسل فهو كافر به، قال الله تعالى في قوم نوح: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾
[ ١ / ٢٣٠ ]
[الشعراء: ١٠٥]، من بعث من الرسل قبل نوح؟ لا أحد، ومع ذلك قال الله تعالى: إنهم كذبوا المرسلين.
فهؤلاء الذين يدعون أنهم مؤمنون بموسى وبعيسى نقول: أنتم الآن كافرون بموسى وعيسى، كافرون الكفر العام والكفر الخاص، أما العام: فكل من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل، أما الخاص: فإن رسلكم جاءت كتبهم صريحة بأن محمدًا رسول الله حقًّا، وعرفتموه كما تعرفون أبناءكم.
ونحن أطلنا في هذا وتكلمنا على ذلك بكلام طويل ليس له مساس بالتفسير لكن له مساس بالواقع؛ لأن الدنيا أمامي مدلهمة من مثل هذه الأفكار الخبيثة الرديئة التي يريدها بعض من ليس عنده إيمان إلا أن يشاء الله.
فيجب علينا أن نقاوم هذا الفكر مقاومة تامة بقدر ما نستطيع الآن، هذا جهاد ليس بالسيف لكنه جهاد بالرأي والفكر، فلا يجوز السكوت على هذا إطلاقًا، فالحاصل أن في الآية الكريمة: كَفَّر الله تعالى كفرًا مؤكدًا من قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم.
الفائدة الثانية: الثناء على عيسى ابن مريم ﵊، لكون الله وصفه بأنه المسيح، والمسيح علمُ لقب، أما اسمه العلم بلا لقب فعيسى.
الفائدة الثالثة: جواز انتساب الإنسان إلى أمه إذا لم يكن له أب، لقوله: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وأخذ المحققون من أهل العلم، أن من ليس له أب فإن عصبته أمه إذا لم يكن له عصبة؛ لأنه نسب إليها وجعلت بمنزلة الأب، أما إن كان له عصبة فأمه تأخذ فرضها والباقي لعصبته.
[ ١ / ٢٣١ ]
فإذا كان هناك ابن لامرأة ليس له أب، إما أنه ولد زنا أو أن أباه نفاه والتعن بنفيه أو لم يلتعن على خلاف، المهم أنه ليس له عصبة، ثم تزوج وجاء له أبناء، أمه هنا ليس لها إلا فرضها وهو السدس، والعاصب هنا أبناؤه، أما لو مات هذا الابن عن أمه وإخوانه من أم ليس لأب، فإخوانه من أمه يأخذون فرضًا، إن كان واحدًا فالسدس، وإن كانوا أكثر فالثلث، وأمه تأخذ الفرض والباقي تعصيبًا، لأنها بمنزلة الأب، وهذا القول هو الراجح: أن من ليس له أبٌ فعصبته أمه.
فإن قال قائل: إن كان للإنسان أب فهل يجوز أن ينسب إلى أمه؟
نقول: إن كان المراد الانتساب المطلق فهذا لا يجوز، وإن كان الانتساب لأنه اشتهر بها لكنه معروف أنه ولد فلان، فهذا لا بأس به، فمثلًا عبد الله بن بحينة: بحينة اسم أمه واسم أبيه مالك، ومع ذلك يطلق عليه هذا الاسم، كما نقول أيضًا في الانتساب إلى الجد، إذا كان للجد شهرة والانتساب إليه يعد شرفًا دون أن ينقطع الانتساب إلى الأب فلا بأس بذلك، ومنه قول النبي - ﷺ - عام حنين: "أنا النبي لا كذب، أنا بن عبد المطلب" (^١) صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن عبد المطلب أشهر من عبد الله في قومه، وهو سيد معروف فلا بأس، لكن بشرط أن لا ينسى الأب، أما إن نسي فلا يجوز؛ لأنه يترتب على هذا مسائل حكمية.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من قاد دابة غيره في الحرب، حديث رقم (٢٧٠٩)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، حديث رقم (١٧٧٦) عن البراء بن عازب.
[ ١ / ٢٣٢ ]
الفائدة الرابعة: شدة الرد على النصارى حيث قال الله ﷿: ﴿الْمَسِيحَ﴾ ﴿وَأُمَّهُ﴾ المسيح: الذين يرونه إلهًا، يقول الله ﷿: لو أراد الله أن يهلكه ما استطاع أحد أن يمنعه، وهذا لا شك أن فيه صدمة قوية للنصارى، أن يقال في معبودهم وإلههم: إن الله تعالى قادر على أن يهلكه، وإذا أراد أن يهلكه فلا أحد يملك منعه.
الفائدة الخامسة: أنه إذا أراد الله شيئًا فإن الشرف والجاه والرئاسة ولو في الدين لا تمنع مما أراد الله؛ لأن المسيح ابن مريم ﵊ من أولي العزم من الرسل، ومع ذلك يقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
الفائدة السادسة: أن نساء أهل الكتاب -ولو كانوا كفارًا، لكنهم منتسبون لأهل الكتاب- حلال، خلافًا لمن قال من العلماء: إنهم بعد أن بدلوا وغيروا وأشركوا فنساؤهم حرام، والصواب: أنَّ نساءهم حلال كطعامهم، ولو كانوا قد بدلوا وغيروا وكفروا وأشركوا.
الفائدة السابعة: الرد على أهل الباطل بالأدلة السمعية والعقلية؛ لأن الله رد عليهم بأدلة سمعية عقلية.
الفائدة الثامنة: بيان كمال سلطان الله ﷿ وأنه لا أحد يمنعه مما أراد، لقوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
[ ١ / ٢٣٣ ]
الفائدة التاسعة: أنه عند المناظرة ينبغي بأن تبدأ بأول مَنْ يحتج به المناظر، وأنه على خلاف ما ناظر عليه، وجهه: أن الله بدأ بذكر إهلاك المسيح وأمه الذي يعتقد هؤلاء أنه إلهًا.
الفائدة العاشرة: عموم ملك الله ﷿ لقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
الفائدة الحادية عشرة: اختصاص هذا الملك بالله، لقوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ وجه الدلالة: أنه قدم الخبر، ومن القواعد المقررة عند أهل البلاغة وأهل الأصول: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
فإن قال قائل: إن الله تعالى أضاف الملك إلى غيره، في غير ما آية من كتاب الله، فما الجمع؟
قلنا: من أضاف الله إليه ملكًا فإنه ملك قاصر من جميع الوجوه، مثل قول الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، ومثل قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، والآيات في هذا متعددة، فيقال: الملك المضاف إلى المخلوق ليس كملك الله ﷿، بل هو ملك قاصر، لا يشمل كل ما ذكر، وهو أيضًا قاصر في التصرف فيه، إذ إن الإنسان لا يملك التصرف كما يشاء فيما هو ملكه، لو أراد الإنسان أن يتلف ماله وقال: هذا ملكي أنا لي أن أتلفه؟ قلنا: حرام عليك، ليس لك أن تتلفه؛ لأن الشرع نهى عن إضاعة المال، ولو أراد أن يعتدي على ملك غيره لقلنا: لا يمكن؛ لأن ملكك محصور، وبهذا نعرف أن الملك التام هو ملك الله ﷿.
[ ١ / ٢٣٤ ]
الفائدة الثانية عشرة: الإشارة إلى أن ما بين السماء والأرض هو خلق عظيم حتى جعله الله ﷿ عديلًا أو إن شئت فقل: قسيمًا للسموات والأرض دليله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
لو قال قائل: ما بين السموات والأرض خلق عظيم ولذلك جعله الله ﷿ قسيمًا للسموات والأرض، فما مدى صحة أقوال أهل الهيئة في تلك المخلوقات؟
الجواب: ما يذكره علماء الهيئة في هذا الأمر لا يصدق ولا يكذب، مثل أقوال بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب، ولا يوافقون عليه لأنها مسافات هائلة، حتى إن بعضهم يقول: إن النجوم التي نراها الليلة هي نجوم البارحة، ولم يصل إلينا نورها إلا بعد أربع وعشرين ساعة، فهذا لا نصدقه ولا نكذبه، وقد تقدم أن هناك مخلوقات كالرياح والغيوم والأمطار، كل هذه المخلوقات بين السماء والأرض.
الفائدة الثالثة عشرة: أن الله تعالى له المشيئة المطلقة لقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ وقد فصل الله تعالى هذا في بعض المواضع مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠]، وهذا من جملة كمال ملكه وتمام خلقه.
الفائدة الرابعة عشرة: أن أفعال العباد مخلوقة؛ لأن الله جلَّ وعلا إذا كان مالكًا للسموات والأرض وما بينهما وهو خالق ما يشاء، فالإنسان مما في السموات والأرض فتكون أفعاله مخلوقة لله.
[ ١ / ٢٣٥ ]
الفائدة الخامسة عشرة: بيان عموم قدرة الله ﷿، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والقدرة أن يفعل الفاعل ما أراد بدون عجز، وثَمَّ شيئان قدرة وقوة وبينهما فرق:
فالقوة: تكون من ذوي الإدراك وغيرهم فيقال: الحديد قوي، ويقال: فلان قوي، وأما القدرة فلا تقال إلا فيما له إدراك، إذ لا يقال عن الحديد مثلًا: إنه قدير.
ثانيًا: أن القدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف، وهي من هذه الناحية أخص من القدرة؛ لأنه ليس كل قادر قويًّا، قد يكون الإنسان يقدر على أن يحمل هذا الكيس فوق ظهره لكن مع التعب والمشقة، هذا نقول: إنه قادر ولا نقول: إنه قوي، وإذا أخذه بسهولة ولم يتعب منه، قلنا: إنه قوي، ويلزم من قوته أن يكون قادرًا.
والسادسة عشرة، والسابعة عشرة: أن القدرة تتعلق بكل شيء، فهو على كل شيء قدير من إيجاد المعدوم وإعدام الموجود، وتغيير الشيء وتحويله إلى شيء آخر، والهداية والإضلال وغير ذلك فكل شيء هو قادر عليه.
ويتفرع عن القدرة على الشيء أن يكون عالمًا به؛ لأنه لا يمكن أن يفعل شيئًا مع قدرة إلا وهو عالم به، فتكون هذه الصفة متضمنة لصفة العلم، ومعلوم أنها تكون متضمنة أيضًا لصفة الوجود ومتضمنة لصفة الكمال؛ لأن بعض الصفات يستلزم صفات أخرى.
[ ١ / ٢٣٦ ]