الفائدة الأولى: كذب اليهود والنصارى في دعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه.
الفائدة الثانية: أن اليهود والنصارى يقرون بثبوت المحبة لله، فيقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقد أنكر طائفة من هذه الأمة صفة المحبة لله، وقالوا: إن الله لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ، وفسروا المحبة التي أثبتها الله لنفسه، بما لا يدل عليه ظاهر لفظه، فقالوا: المحبة: هي الثواب أو إرادة الثواب وفسروها بأحد المعنيين، لأن مذهبهم أن الإرادة ثابتة لله، فهم يثبتون أن الله مريد وله إرادة، ويثبتون أن الله خالق وله مخلوق، وأن الثواب شيء منفصل عن الله، فهو من جملة المفعولات وليس من جملة الصفات وهؤلاء هم الأشاعرة، يقولون: لا يوجد محبة بين الله وبين العبد، وإنما المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، اليهود والنصارى قالوا هذا، قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فأثبتوا أن الله تعالى يحب وأنهم هم أحبابه.
الفائدة الثالثة: أن اليهود يَدَّعون ما يقتضي أن يكونوا خيرًا من هذه الأمة، وجهه: أنهم قالوا ذلك في معرض الرد على رسالة النبي، فكأنهم قالوا: نحن أحق بالرسالة منكم أيها العرب، فنحن أبناء الله وأحباؤه.
[ ١ / ٢٤٠ ]
الفائدة الرابعة: الإشارة إلى ما اشتهر عند بني إسرائيل، أنهم شعب الله المختار ويرون أنهم أفضل العالمين، وأفضل من العرب الذين منهم ظهر الإسلام وبهم ظهر.
الفائدة الخامسة: إنكار الله تعالى عليهم هذه الدعوى من وجهين: الوجه الأول: رد ما ادعوه، والثاني: إثبات ما لا يمكن معه هذه الدعوة.
الفائدة السادسة: أنه ينبغي في المناظرة أن تبطل حجة خصمك أولًا ثم تأتي بما يثبت قولك، ولهذا تجد العلماء الذين يذكرون أقوال العلماء -أي: اختلافهم- تجدهم يذكرون أولًا الرد على القول المقابل لأقوالهم ثم يذكرون ما يثبت أقوالهم، وهذا كله مبني على القاعدة المعروفة وهي: التخلية قبل التحلية.
الفائدة السابعة: أن عذاب الله لبني إسرائيل -أي: لليهود والنصارى- لم ينقطع ولن ينقطع، لقوله: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، فلم يقل: فلِمَ عذبكم، ليستفاد بذلك أن تعذيب الله تعالى لهم مستمر؛ لأن الفعل المضارع يفيد الاستمرار، واليهود معذبون مشردون خاصة؛ لأن دعواهم المحبة والنبوة أعظم من دعوى النصارى، وهم إن شاء الله سيعذبون العذاب الأخير على يد المسلمين وذلك حينما يقتتلون مع المسلمين، فيقتلهم المسلمون حتى إن اليهودي يختبئ خلف الشجرة فتنادي المسلم: هذا يهوديٌّ فاقتله.
لو قال قائل: هل يؤخذ من قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أن الحق يؤخذ ممن جاء به، وجه ذلك لم ينكر عليهم إثباتهم صفة المحبة؟
[ ١ / ٢٤١ ]
الجواب: لا شك أن الحق يؤخذ ممن جاء به وقد تقدم هذا كثيرًا، وبينا أن الرسول ﵊ قَبِلَ الحق من الشيطان (^١)، والله قَبِلَ الحق من المشركين، والرسول قَبلَه من اليهود أيضًا (^٢).
الفائدة الثامنة: إثبات الأسباب لقوله: ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾.
الفائدة التاسعة: الاحتراز عما يوهم باطله، حيث قال: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ ولم يقل: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ فقط، لأنه لو قالها بدون أن يقرنها بقوله: ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾ لأوهم أن الله تعالى يعذب بغير ذنب.
الفائدة العاشرة: أن هؤلاء الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه هم من البشر، والبشر عند الله سواء، وأكرمهم عند الله أتقاهم.
الفائدة الحادية عشرة: إثبات خلق الله ﷿ للبشر، لكن قد يقول قائل: هذا أمر لا حاجة إليه، لأنه أمر معلوم، ولكن الله تعالى قال: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ﴾ فبيَّن أن هؤلاء مخلوقون وأنهم كغيرهم من البشر.
الفائدة الثانية عشرة: إثبات المغفرة والتعذيب من الله ﷿ لمن شاء، ولكن هل هذا مجرد مشيئة إن شاء غفر وإن شاء عذب أو لابد من سبب؟
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الوكالة، باب إذا وكل رجلًا فترك الوكيل شيئًا ، حديث رقم (٢١٨٧).
(٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر ، حديث رقم (١٣٠٦).
[ ١ / ٢٤٢ ]
الجواب: الثاني، لا بد من سبب، وقد تبين لنا قاعدة مهمة: أن كل فعل علقه الله جلَّ وعلا بالمشيئة فإنه تابع لحكمة، إذ ليس لله مشيئة مجردة بل هي مقرونة بحكمته ﵎، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠].
الفائدة الثالثة عشرة: إثبات المشيئة لله، والمشيئة: بمعنى الإرادة الكونية، واعلم أنه ليس فيها انقسام، يعني أنها لا تقسم إلى مشيئة كونية ومشيئة شرعية، بخلاف الإرادة، فالمشيئة: شيء واحد وهي الإرادة الكونية.
الفائدة الرابعة عشرة: اختصاص وانفراد الله ﷿ بالملك وأنه لا مالك معه لقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ ووجه ذلك تقديم الخبر على المبتدأ.
فإن قال قائل: إن الله أثبت لعباده ملكًا كقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١]، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وما أشبه ذلك؟
قلنا: لا سواء بين الملكين، فملك الله تعالى عام تام، وملك الآدمي قاصر ناقص، ولهذا لا يملك الإنسان أن يتلف ماله، مع أنه ماله فلو أراد إنسان أن يحرق ماله، قلنا: لا يمكن وحجرنا عليه ومنعناه؛ لأنه خلاف ما أمر الله به، بل هو مما نهى الله عنه.
الفائدة الخامسة عشرة: أن بين السموات والأرض من المخلوقات العظيمة ما اقتضى أن يكون مقابلًا ومعادلًا للسموات والأرض لقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
[ ١ / ٢٤٣ ]