الفائدة الأولى: أنه ينبغي أن ينادى المخاطب بالوصف الذي يقتضي أن يقوم بما وُجِّه إليه لقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ وهذا موجود في اللغة العربية، فإذا كنت تخاطب مؤمنًا تقول: يا أيها المؤمن، وإذا كنت تخاطب رجلًا تقول: يا أيها الرجل، كأنك تذكر له ما كان ينبغي من أجله أن يستمع إليك ويمتثل ما توجهه
[ ١ / ٢٤٧ ]
إليه، وفي كوننا نوجه الخطاب بالنداء بالوصف الذي يقتضي أن يمتثل فيه فوائد:
أولًا: توبيخ هذا الرجل إذا خالف؛ لأنه لا ينبغي أن يخالف وهو متصف بهذه الصفة.
ثانيًا: حثه على الموافقة باعتباره هذا الوصف الذي اتصف به، ولهذا نجد أن الرسول - ﷺ - يقول دائمًا: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر" (^١) "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر" (^٢).
الفائدة الثانية: إقامة اللوم عليهم من الآخرين.
الفائدة الثالثة: أن محمدًا رسول الله مرسل إلى أهل الكتاب اليهود والنصارى، لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يعني: إليكم.
الفائدة الرابعة: أن الذين كفروا بمحمدٍ - ﷺ - من هؤلاء - أي: من اليهود والنصارى - كفار؛ لأنهم كفروا بالرسول الذي أرسل إليهم، أما قولهم: إنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، فنقول: هذا لا يكفي لا بد أن تؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
الفائدة الخامسة: الثناء على رسول الله - ﷺ - بكونه مرسلًا من عند الله لقوله: ﴿رَسُولُنَا﴾.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب العلم، باب ليبلغ الشاهد الغائب، حديث رقم (١٠٤)، ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها، حديث رقم (١٣٥٤) عن أبي شريح.
(٢) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب حد المرأة على غير زوجها، حديث رقم (١٢٢١)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك إلا ثلاثة أيام، حديث رقم (١٤٨٦) عن أم حبيبة.
[ ١ / ٢٤٨ ]
الفائدة السادسة: إقامة الحجة على الأمة حيث إن محمدًا رسول الله فهو حجة ﵊، فبمجرد أن شهد الله أنه رسوله كان ذلك حجة، وقد قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦].
الفائدة السابعة: أنه لا حظ للرسول ﵊ في شيء من الربوبية، وجه ذلك: أنه رسول والرسول لا يمكن أن يكون شريكًا للمرسل فيما يختص به.
الفائدة الثامنة: أن النبي - ﷺ - مُبَيّنٌ للخلق، وأنه ليس فيما جاء به شيء من الغموض والإلغاز، لقوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾.
الفائدة التاسعة: الرد على أولئك المفوضة في أسماء الله وصفاته الذين يقولون: إننا لا نعلم شيئًا من معاني أسماء الله وصفاته، وأن وظيفتنا أن نقرأ ولا نفصل، وهذا القول من أعظم الأقوال وأشدها فسادًا حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: إنه من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس بل حتى من العلماء من يظن أن هذا هو مذهب السلف، ويقولون: إن مذهب السلف التفويض، وهم في الحقيقة لم يعرفوا مذهب السلف، مذهب السلف: التفويض في الكيفية؛ لأن العقل يعجز عن إدراكها، والشرع لم يرد بها، وأما المعنى فإنهم يؤمنون به، ويثبتونه ويقررونه ويفصلون فيما يحتاج إلى تفصيل، وهذا أمر معلوم من كتبهم.
الفائدة العاشرة: أن الرسول ﵊ كما أنه مُبَيِّنٌ للعرب، فهو مُبَيِّنٌ لأهل الكتاب.
فإن قال قائل: كيف يبين لهم ولغته تخالف لغتهم فإن لغة
[ ١ / ٢٤٩ ]
اليهود حتى الذين في المدينة في عهد الرسول تخالف اللغة العربية؟
نقول: عن طريق الترجمة، ولهذا لم ينتشر الإسلام في البلاد الأعجمية إلا بواسطة الترجمة.
الفائدة الحادية عشرة: أنه إذا احتجنا إلى معرفة اللغات الأجنبية لبيان الشريعة كان ذلك مما يثاب عليه؛ لأن من صفات النبي - ﷺ - أنه يبين للناس بأي وسيلة، وعلى هذا فمن تعلم اللغة غير العربية من أجل الدعوة إلى الله كان مثابًا على ذلك؛ لأنها وسيلة لتبيين الشريعة ونشرها.
لو قال قائل: ما توجيهكم لطالب العلم وهل يقتطع من وقته جزءًا لتعلم اللغات غير العربية؟
الجواب: هذا إذا كان الإنسان داعية يعرف من نفسه أنه ذو دعوة قوية وعنده بيان وإقناع، فلا بأس، أما أي إنسان يقول: ربما أكون، فهذا لا يشتغل بهذه اللغات عما هو أهم، لكني مع ذلك أنا أتمنى أني أعرف اللغة الإنجليزية لكن فات الأوان.
الفائدة الثانية عشرة: أن رسالة النبي - ﷺ - كانت على فترة من الرسل ليس بينه وبين عيسى رسول لقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾.
الفائدة الثالثة عشرة: أنه كلما طال زمن الرسالة صار الناس أشد حاجة إلى الرسول، ولهذا جعل الله ذلك مِنَّة عظمى على أهل الكتاب حيث جاءهم على فترة، ومثل هذا يكون أيضًا في الواقع المحسوس، فالإنسان الذي يشرب الماء على عطش أشد شوقًا إلى الماء والحاجة من إنسان يشربه على ري.
[ ١ / ٢٥٠ ]
الفائدة الرابعة عشرة: إثبات الرسالات السابقة للرسول ﵊ لقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ والظاهر لي أن هذا يشير إلى أن الرسول - ﷺ - هو آخر الأنبياء، لقوله ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ يعني ليس بعده رسول وهذا هو الذي صرح الله به في كتابه في قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وتأمل قوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ولم يقل: وخاتم المرسلين مع أنه قال: رسول الله؛ لأنه قد يكون نبيًا ولا يكون رسولًا، ومحمدٌ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء.
الفائدة الخامسة عشرة: رحمة الله تعالى بالخلق حيث أرسل الرسل؛ لئلا تقوم الحجة على الله، لقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾.
الفائدة السادسة عشرة: أن من لم تبلغه الرسالة فإنه معذور، وهو ظاهر لقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾.
الفائدة السابعة عشرة: أنه لا حجة للإنسان بالقدر على مخالفة الرسل، لقوله تعالى: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ وجه الدلالة: لو كان لهم حق لم يرتفع بإرسال الرسل، وهو كذلك.
الفائدة الثامنة عشرة: أن الرسالات منحصرة في شيئين لا ثالث لهما: وهي البشارة والإنذار؛ لأن الناس ينقسمون بالنسبة للرسالات إلى قسمين: مطيع فله البشارة، وعاصي فله الإنذار.
لو قال قائل: البشارة هل تكون وسيلة لتأليف قلوب أصحاب المنكرات، كان يقال لهم: أبشروا أنتم على خير ونحو ذلك؟
الجواب: لكل مقام مقال، قد يكون من الحكمة أن لا تنفر
[ ١ / ٢٥١ ]
الناس بذكر التخويف والوعيد، وقد يكون بالعكس، فمثلًا: إذا كنت تخاطب شخصًا معينًا منغمسًا في الآثام، فهنا ربما يكون جانب التخويف أفضل، لكن مع التخويف تقول له: يا أخي باب التوبة مفتوح، واذكر قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، حيث ذكر أمهات العظائم، ومع ذلك قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠]، فلكل مقام مقال، لا يمكن أن تذكر شيئًا معينًا.
الفائدة التاسعة عشرة: قوة حجة هؤلاء لو لم يبعث الله إليهم رسولًا، لقوله: ﴿مِنْ بَشِيرٍ﴾ لأن "مِن" هذه للتوكيد يعني كأنهم يؤكدون أنهم لم يأتهم بشير ولا نذير.
الفائدة العشرون: تأكيد الكلام التأكيد المعنوي، ولست أقصد تأكيد النحويين، فالنحويون يقولون: إن التوكيد نوعان: توكيد معنوي وتوكيد لفظي، فما كان بتكرار اللفظ فهو لفظي، وما كان بالأدوات المعروفة، فهو معنوي، لكن لا أريد هذا، أريد أن المعني قد يؤكد بجملة كاملة وهي قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾.
الفائدة الحادية والعشرون: أنه متى احتيج إلى التوكيد فلا عيب في التكرار، ولهذا كان من آداب الخطبة أن الإنسان يكرر في المواضع الهامة وأن هذا لا يُعَدُّ عِيًّا ولا يعد زيادة.
الفائدة الثانية والعشرون: أن رسالة النبي - ﷺ - مشتملة على هذين الأصلين في الرسالات وهما البشارة والإنذار، لقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ يعني به محمدًا - ﷺ -.
الفائدة الثالثة والعشرون والرابعة والعشرون: إثبات قدرة الله ﷿، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأنه لا
[ ١ / ٢٥٢ ]