الفائدة الأولى: فضيلة الإيمان؛ وجه ذلك توجيه الخطاب أعني خطاب الله ﷿ إلى المؤمنين.
الفائدة الثانية: أهمية ما يذكر بعد هذا النداء، لوجود فرق بين قولك: (افعل كذا) وقولك: (يا فلان افعل كذا)، فالثاني أشد وادعى للاهتمام؛ لأنك ناديته حتى ينتبه لك، ففيه أهمية ما سيذكر بعد هذا النداء.
[ ١ / ١٠ ]
الفائدة الثالثة: وجوب الوفاء بالعقود، لقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب لا سيما إذا كان متعلقًا بحق الآخرين، والعقد متعلق بحق الآخرين؛ لأنه إبرام شيء بينك وبين الآخر، فإذًا لأمر بالوفاء للوجوب.
الفائدة الرابعة: أن جميع العقود حلال، وجه ذلك: أن الله أمر بالوفاء بها، والله تعالى لا يأمر بالوفاء بالفحشاء أبدًا، ولكن هذا ليس على عمومه إذ يستثنى منها ما حرمه الشرع، كبيع الغرر وبيع حبل الحبلة، والبيع بالربا، والقمار، وما أشبه ذلك.
الفائدة الخامسة والسادسة: أن العقود تنعقد بما دل عليها من قول أو فعل بلفظ أو إشارة أو كتابة، وجه ذلك أن الله جل وعلا أطلق العقد فكل ما كان عقدًا بين الناس فهو عقد، ويتفرع على هذا مسائل كثيرة:
منها: جواز البيع بالمعاطاة، والمعاطاة أن يأتي الإنسان إلى الخباز وقد كُتِبَ إعلان (الخبزة بريال) فيضع الريال في مكان الفلوس ويأخذ الخبزة، هذا بيع بالمعاطاة؛ لأنه ليس فيه قبول ولا إيجاب، لكنه بالمعاطاة، وقد عرف عند الناس أنه عقد.
ومن ذلك أيضًا: الركوب في الحافلات، الإنسان يدخل باب الحافلة المفتوح فيدخل ويسلم الأجرة للذي عند الباب، ولا يتكلم ولا يعقد الإجارة بصيغة، هذه أيضًا إجارة بالمعاطاة.
ومن ذلك أيضًا: أن النكاح ينعقد بما دل عليه وأنه لا يحتاج إلى لفظ: زَوَّجْتُكَ، فإذا قال: وهبتك ابنتي، وعلم أن المراد بالهبة ليس مجانًا صح العقد، وكذلك لو قال: ملكتك
[ ١ / ١١ ]
ابنتي فقال: قبلت، صح العقد؛ لأن هذا هو المعروف، وقد جاء في حديث الواهبة نفسها عند البخاري لفظ: "ملكتكها بما معك من القرآن" (^١).
الفائدة السابعة: وجوب الوفاء بالشروط المشترطة في العقد، فإذا عقد رجلان بينهما عقد بيع أو غيره واشترطا شروطًا فالأصل وجوب الوفاء بالشروط، وذلك لأن قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يشمل الوفاء بالعقد نفسه وبأوصافه التي هي شروطه؛ لأن الشروط في العقد في الحقيقة أوصاف للعقد، والأمر بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء به وبما يتضمنه من الأوصاف.
فإذا اشترط المتعاقدان شرطًا وحصل نزاع في هذا الشرط فالصواب أن هذا الشرط يصح حتى يقيم المانع دليلًا على المنع، وعلى هذا فإننا نُجري الناس على معاملاتهم حتى نتأكد أن فيها مخالفة للشرع، فالأصل إذًا في المعاملات أن تجري على ما هي عليه حتى يقوم دليل على أنها محرمة لأن قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أمر، والأمر يقتضي الوجوب، فيجب الإيفاء بالعقود.
مثال ذلك: رجل باع بيتًا واشترط على المشتري أن يسكنه سنة فيجب على المشتري أن يُمَكِّنَ البائع من ذلك.
مثال آخر: امرأة اشترطت إن جاز لها المقام مع أهله وإلا فلها الفسخ؛ لأنها سمعت أن أمه شريرة طويلة اللسان سريعة الغضب، فقالت: سأقع في مشاكل فالشرط صحيح، فإذا جاز لها
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراءة عن ظهر القلب، حديث رقم (٤٧٤٢)، ومسلم، كتاب النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد وغير ذلك من قليل وكثير، حديث رقم (١٤٢٥) عن سهل بن سعد.
[ ١ / ١٢ ]
المقام عند أهله وإلا فلها الفسخ، ولكن ينبغي في مثل هذه الحال أن يُجعل الباب مفتوحًا، فتقول: لها الفسخ أو المطالبة بأن تسكن في مكان وحدها.
مثال آخر: رجل باع أمَةً واشترط على المشتري أن يطأها سنة حتى يتزوج، هذا شرط باطل؛ لأنه ليس في كتاب الله، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، بل في القرآن ما يدل على تحريم ذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، وأيضًا لأن هذه الأمة خرجت عن ملكه.
مثال آخر: رجل باع أمَةً واشترط أن تخدمه سنة، أي: باعها واستثنى منفعتها يصح، ويدل له حديث جابر لما باع جمله للنبي - ﷺ - واستثنى حملانه (^١).
ويدخل في الوفاء بالشروط شروط النكاح بل قال النبي - ﷺ -: "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به من الفروج" (^٢) فإذا اشترطت المرأة على زوجها ألا يتزوج عليها صح الشرط ويجب الوفاء به، وإذا اشترطت الزوجة أن يطلق زوجته التي معه لا يصح الشرط.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الشروط، باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز، حديث رقم (٢٥٦٩) عن جابر بن عبد الله.
(٢) رواه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح، حديث رقم (٢٥٧٢)، ومسلم، كتاب النكاح، باب الوفاء بالشروط في النكاح، حديث رقم (١٤١٨) عن عقبة بن عامر.
[ ١ / ١٣ ]
والفرق ظاهر: لأن الثاني فيه عدوان على الزوجة الأولى، والأول لا عدوان فيه، بل الزوج امتنع عما أباح الله له باختياره ورضاه، ولكن لو أراد الزوج أن يتزوج وتزوج، فالزوجة لها الخيار إن شاءت بقيت وإن شاءت فسخت، ولا مهر للزوج؛ لأنه هو الذي أخل بالشرط، فنقول له: تزوج، ولا نحجر عليه إذا لم يفِ بالشرط، إن اضطرته الحاجة لذلك وإلا فإن ذمته لا تبرأ وهو للإثم أقرب؛ لأن المرأة مكرهة على الفسخ وقد غرر بها، وهي ربما تبقى وهي مكرهة.
يدخل في ذلك الوفاء بالعهود لأن العهد عقد، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
وأيضًا يدخل في ذلك الوفاء بالوعد، فلو قلت لإنسان: سأمر عليك غدًا في الساعة الفلانية، الصحيح أنه يجب عليك أن توفي به؛ لأن الوعد عهد ولأن إخلاف الوعد من صفات المنافقين، والرسول ﵊ لما قال في المنافق: "إذا وعد أخلف" (^١) لا يريد أن يوصل إلى أفهامنا أن هذه الخصلة من خصال المنافقين فقط، ولكن يريد منا أن نتجنبها ونحذرها، ولهذا كان القول الراجح أن الوفاء بالوعد واجب، وأنه لا يجوز للإنسان أن يخلف في الوعد إلا لعذر شرعي.
والعجب أن بعض المغرورين بأخلاق الأمم الكافرة يقول لصاحبه إذا واعده: إنه وعد إنجليزي، مع أن الكفار من أبعد
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، حديث رقم (٣٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، حديث رقم (٥٩) عن أبي هريرة.
[ ١ / ١٤ ]
الناس عن الوفاء بالوعد، وكان على هذا أن يقول: إنه وعد مؤمن؛ لأن المؤمن هو الذي لا يخلف الوعد إلا لعذر شرعي.
تنبيه:
إذا استثنى الواعد، أي: قال إن شاء الله ولم يفِ بالوعد فالظاهر أنه لا شيء عليه؛ لأن صاحبه الذي سمعه يقول: إن شاء الله يعرف أنه لم يُردِ الوفاء التام، إلا إذا فهم المخاطب من قوله: إن شاء الله، التحقيق كان يكون أشار إليه بيده أثناء وعده له فيجب عليه الوفاء بالوعد حينئذٍ؛ لأن الوعد عقد أو معاقدة بين الواعد والموعود.
الفائدة الثامنة: أن جميع بهائم الأنعام حلال لقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾، وأيضًا غير بهيمة الأنعام نقول: إنها حلال لكن لا بهذه الآية، بل بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وعلى هذا فإذا شككنا في هذا الحيوان الزاحف أو الطائر هل هو حلال أو حرام؟ فالأصل أنه حلال، وعلى من حرمه الدليل، لكن إذا شككنا في الحلال هل ذكي ذكاة شرعية أم لا؟ فالأصل عدم الذكاة الشرعية؛ لأن الذكاة فعل لا بد من تحقق وجوده، فإذا وجدنا عضوًا من شاة ولا ندري هل هو مذكى أو غير مذكى؟ فنقول: إنه لا يحل؛ لأن الأصل عدم التذكية ما لم يوجد ظاهر يغلب على هذا الأصل، فإن وجد ظاهر يغلب على هذا الأصل فإننا نأخذ به.
فلو وجدنا رِجْلَ شاة عند بيت من بيوت المسلمين فنحن لا نعلم هل ذكيت أم لا؟ فالأصل عدم الحل، لكن هنا ظاهر يغلب على هذا الأصل وهو أن وجودها بين بيوت المسلمين يدل على أنها مذكاة، فيكون هذا الظاهر غالبًا أو مُغَلَّبًا على الأصل.
[ ١ / ١٥ ]
ولهذا قال العلماء ﵏: لو وجد الإنسان شاة مذكاة في بلد أكثر أهله ممن تحل ذبيحته فهي حلال، مع أن هناك احتمالًا أن يكون الذي ذبحها ممن لا تحل ذبيحته، لكن يغلَّب الظاهر لقوته.
الفائدة التاسعة: الإحالة على مذكور أو على ما سيذكر، لقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، وهذا إحالة على ما سيذكر، وقد استعمل العلماء ﵏ هذا في مؤلفاتهم، وأكثر من رأيناه يستعمله الحافظ ابن حجر ﵀، فما أكثر إحالاته، ومع ذلك أحيانًا ينسى أن يوفي ﵀.
الفائدة العاشرة: أن الأصل في البهيمة -أعني: بهيمة الأنعام- الحل كما قررناه قبل قليل، وجه ذلك: الاستثناء من هذا الحكم ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا﴾، وقد قال العلماء ﵏: إن الاستثناء معيار العموم -معيار يعني: ميزانًا- فإذا وجدت شيئًا فيه استثناء فاعلم أن هذا الحكم عام؛ لأنه لما أخرج هذا الفرد من أفراده علم أن الحكم شامل لجميع الأفراد.
الفائدة الحادية عشرة: أنه لا يحل الصيد للمُحْرِم، لقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ولا لمن كان في الحرم؛ لأن من كان في الحرم فقد دخل في جو محرَّم فيه الصيد فيحرم عليه الصيد.
لكن لو صاد صيدًا حلالًا يعني: أنهر الدم وسمَّى الله وقتله فإنه لا يحل، لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: غير محليه، فدل ذلك على أنهم إذا قتلوه فهو حرام فلا يحل لهم أن يحللوه لأنفسهم؛ ولهذا عبر الله عن صيد الصيد بالقتل، فقال تعالى في آية أخرى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ومعلوم أنه لا يريد أن يقتل بغير الصيد الشرعي؛
[ ١ / ١٦ ]