الفائدة الأولى: بلاغة القرآن الكريم حيث تتنوع فيه العبارات، في النداء تارةً والأمر تارة والنهي تارة والحض والعرض.
الفائدة الثانية: أن من البلاغة أن نستعمل ما يكون به التنبيه في الأمور الهامة، وجهه: أن الله صدر هذه الأوامر الثلاثة المهمة بالنداء.
[ ١ / ٣٣٢ ]
الفائدة الثالثة: أن الإيمان يحمل على امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وذلك لأنه وَجَّهَ النداء إلى المؤمنين، ولا شك أن الإيمان يحمل الإنسان على فعل الأوامر واجتناب النواهي، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا، كان أشد امتثالًا للأمر وأبعد عن النهي، وهذا شيء مجرب، حتى الإنسان نفسه أحيانًا يجد في قلبه قوة الإيمان فتجده يرغب في الطاعة ويحب أن يستمر فيها، وأحيانًا يفتر ويكسل فتجد الطاعات تثقل عليه، فكلما كان الإنسان أكثر إيمانًا كان أكثر امتثالًا للأمر والنهي.
الفائدة الرابعة: وجوب تقوى الله، لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فالتقوى واجبة وقد ذكرت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، أمرًا بها وثناءً على أهلها وبيان لجزائها، ولو أن طالب العلم جمع الآيات التي فيها التقوى أمرًا وثناءً وجزاءً في القرآن الكريم من أوله إلى آخره، لوجد خيرًا كثيرًا.
الفائدة الخامسة: وجوب طلب القربة إلى الله، لقوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي: اطلبوا الوسيلة إليه.
الفائدة السادسة: وجوب التعلم، تعلم الدين، لكن بأي وسيلة نطلب القربى إليه؟ الجواب: بالعلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الفائدة السابعة والثامنة: أنه كلما كانت العبادة تقرب إلى الله أكثر كان الاهتمام بها أكثر؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإذا قيل: اسلك الطريق المقرب إلى الله، فإن من المعلوم أن ما يكون أقرب أو أشد تقريبًا فهو أولى.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وينبني على هذه الفائدة أن الأعمال تتفاضل، بعضها أفضل من بعض، وهذا أمرٌ قررته الشريعة، فجنس الواجب أفضل من جنس التطوع، يعني الصلاة المفروضة أفضل من النافلة، وأيضًا صدقة الزكاة أفضل من صدقة التطوع، الصوم الواجب أفضل من النفل، والحج الواجب أفضل من النفل. هذا باعتبار الجنس، ويتفاضل أيضًا باعتبار نوعه.
كذلك أيضًا الجنس يتفاضل باعتبار الأجناس، فمثلًا الصلاة على وقتها أحب الأعمال إلى الله، كما سأل ابن مسعود ﵁ النبي - ﷺ -: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"، قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" (^١). فالأعمال فيما بينها تتفاضل، والأجناس تتفاضل، فأنواع الجنس تتفاضل. ومناط معرفة الفاضل هو الكتاب والسنة.
وهنا مسألة: من هو الأفضل: رجل يفعل العبادة بانقياد وانشراح صدر وقبول، وآخر يفعلها بمشقة شديدة ويجاهد نفسه عليها؟ الأول: أفضل مقامًا وأعلى منزلة، والثاني: يؤجر على مشقة المجاهدة أكثر من ذلك، لكنه لا يمكن أن ينال درجة الأول ومقام الأول.
ويشبه هذا من بعض الوجوه، أن الرسول ﵊ أخبر الصحابة "أن من ورائهم أيامًا الصبر للعامل فيهن
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، حديث رقم (٥٠٤)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، حديث رقم (٨٥) عن ابن مسعود.
[ ١ / ٣٣٤ ]
أجر خمسين من الصحابة" (^١)، هل هو بهذا الأجر الذي كان من أجل مشقة العبادة عليه ينال مرتبة الصحابة؟
الجواب: لا، وهذه نكت في العلم ينبغي لطالب العلم أن يتفطن لها وإلا فقد تخفى على كثير من الناس.
الفائدة التاسعة: وجوب الجهاد في سبيل الله، لقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ ولكن هذا العمل -أعني الجهاد في سبيل الله- كغيره من الواجبات، لا بد أن يكون له شروط، من أهمها: القدرة، بأن يكون الإنسان مكافئًا للعدو في العدد والعدة، وإلا فمن المعلوم أنه من السفه والهلع أن يتقدم الإنسان ليقاتل عددًا أكثر من عدده وقوة أكبر من قوته.
ولهذا لم يوجب الله ﷿ الجهاد إلا حين قويت الأمة الإسلامية، ولم يوجب المصابرة إلا في الضعف فقط، فإن زادوا عن الضعف مع تكافؤ العدد فإنه لا يجب مصابرتهم، فلابد من القدرة على الجهاد.
وهل يشترط أن يكون للمجاهدين إمام يأتمون به ويأتمرون بأمره، أو نقول: لا بأس أن يتكتل طوائف وطوائف وطوائف، وتجاهد كل واحدة من جهة؟
الجواب: الأول: لا بد من إمام يكونون تحت إمرته، حتى لا يكونوا أحزابًا يقتل بعضهم بعضًا عند النصر، أو يقاتل بعضهم بعضًا عند النصر، وكيف يمكن أن يقوم جهاد مع تفرق الأحزاب؟ هذا لا يمكن.
_________________
(١) تقدم ص ٣٠٠.
[ ١ / ٣٣٥ ]
الفائدة العاشرة: الإشارة إلى الإخلاص، لقوله: ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾ حيث أضافه إلى نفسه ﷿ إشارة إلى أنه يجب على الإنسان أنْ يكون جهاده في سبيل الله، ومتى يكون الجهاد في سبيل الله؟ سئل النبي - ﷺ - عن ذلك أي: سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، وفي رواية: ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فعدل عن الجواب عن الثلاثة كلها وقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله" (^١)، وقضى على هذه الثلاث: فالذي يقاتل شجاعة ليس في سبيل الله، ومعنى الشجاعة أن الرجل الشجاع يحب القتال؛ ويحب أن يقاتل؛ لأن هذا يوافق طبيعته وغريزته.
الثاني: يقاتل حمية لقومه وعصبيته، ومن هؤلاء بعض العرب، مع الأسف يقاتلون اليهود باسم العروبة، ولو قاتلوا باسم الإسلام لأبادوهم؛ لأنهم إذا قاتلوا باسم الإسلام خرج من بينهم الرجس وهم النصارى، ودخل فيهم أمم لا تحصى من المسلمين من المعجم وغيرهم، وأريد بالعجم مَنْ سوى العرب من الروم والفرس والبربر والهنود وغيرهم، أممًا لا يحصيها إلا الله ولحصل بذلك النصر بإذن الله، إذا قام هؤلاء المقاتلون المسلمون بما يلزمهم من طاعة الله ﷿ وعدم الإعجاب بالنفس.
الثالث: الذي سئل عنه الرسول ﵊:
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حديث رقم (٢٦٥٥)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، حديث رقم (١٩٠٤) عن أبي موسى الأشعري.
[ ١ / ٣٣٦ ]