الفائدة الأولى: وجوب قطع يد السارق والسارقة، لقوله ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.
الفائدة الثانية: أن قطع أيديهما مخاطَب به جميع الأمة، لقوله: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ والخطاب للأمة كلها، لكن الأمة في الواقع تتمثل في ولاة أمورها؛ لأنهم هم الذين يرعون مصالحها، فإذا حصل التقصير من ولاة الأمور وجب على الأمة أن ينبهوهم على ذلك.
الفائدة الثالثة: أن ظاهر الآية وجوب قطع أيديهما باي سرقة كانت قليلة أم كثيرة، وسواء كانت من حرز أم من غيز حرز، وسواء كانت ممن له شبهة في الأخذ أم لا.
والسنة (^١) قد قيدت هذا العموم:
الأول: بما إذا كان نصابًا تُقطع فيه اليد، والنصاب ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما يساويهما من المتاع، فهذه ثلاثة أشياء.
وهل الأصل ربع الدينار أم ربع الدينار والثلاثة دراهم؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، ويظهر أثر الخلاف فيما لو سرق
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، حديث رقم (٦٤٠٧)، صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، حديث رقم (١٦٨٤).
[ ١ / ٣٥١ ]
متاعًا قيمته ثلاثة دراهم، ولكنه لا يساوي ربع دينار، فإذا قلنا: إن كليهما أصل، فقد سَرَق نصابًا، وإذا قلنا: إن الأصل ربع الدينار فإنه لم يسرق نصابًا؟
الصحيح أن النصاب ربع دينار، لكن الثلاثة دراهم في عهد الرسول ﵊ كانت تساوي ربع دينار بدليل الديات تقديرها ألف مثقال ذهب، واثنا عشر ألف درهم فضة، فكانت الثلاثة الدراهم تساوي ربع دينار. وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قطع في مِجَنٍ قيمته ثلاثة دراهم (^١)، لكن الثلاثة الدراهم في ذلك العهد تساوي ربع دينار.
الثاني: الحرز، الآية ليس فيها ذكر الحرز، الحرز بمعنى: أن يسرق السارق المال مما يُحرَز به عادة، ومعنى يحرز: أي يُحفظ، مما يحفظ به عادةً، فإن سرق من غير حرز فلا قطع، مثال ذلك: الدراهم والدنانير، تحرز في البيوت وفي الصناديق ويقفل عليها وتراقب، فلو جعل الإنسان الدراهم والدنانير على عتبة الباب، أو في مرابض الغنم، فسُرِقت، فقد سُرِقت من غير حرز.
فإذا قلنا: إن الحرز شرط، قلنا: لا قطع على هذا الذي سرق من الدراهم من غير حرزها، وهذا يحتاج إلى دليل، إذ لو طالبنا مطالب وقال: لا بد أن تقطع يده لأنه سرق فما هو المانع من القطع؛ نقول: المانع من القطع أن كلمة السرقة أخذ المال
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، حديث رقم (٦٤١١)، ومسلم، كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، حديث رقم (١٦٨٦) عن ابن عمر.
[ ١ / ٣٥٢ ]
على وجه الاختفاء، وأن الذي جعل المال في غير حرزه هو الذي فرّط فلا يقطع.
إذًا لا بد أن تكون السرقة من حرز، وحرز المال: ما جرت العادة بحفظه فيه.
وهل هذا الحرز يختلف؟ نعم يختلف باختلاف الأموال، ويختلف باختلاف الأحوال. أحوال الخوف والفوضى ليست كأحوال الأمن والقرار، يختلف أيضًا باختلاف السلطان هل هو قوي أو ضعيف، وهل هو عدل أو جائر؟
إذا كان السلطان قويًّا، فهنا لا يتكلف الناس في إحراز الأموال تكلفًا شديدًا؛ لأن قوة السلطان تمنع من السرقة، وإذا كان ضعيفًا كان بالعكس، لكن أيهما أشد حفظًا للأموال أن يكون عادلًا أو أن يكون جائرًا؟
الجواب: أن يكون عادلًا؛ لأن الجائر ليس معناه القوي في العقوبة، بل الجائر هو الذي يقضي على هذا بقطع اليد وعلى هذا بعدم قطع اليد، إذًا العادل لا شك أن الناس يامنون في عهده أكثر من الجائر، من الناحية الإلهية، يعني من ناحية الرب ﷿، ومن ناحية الواقع.
أيضًا يختلف الحرز باختلاف حال الناس من إيمان وضعف إيمان، إذا كان عند الناس إيمان؛ كان الحرز يسهل، وإذا لم يكن عندهم إيمان كان لا بد من التحرز الشديد، كذلك يختلف الحرز بإقامة هذا الحد بقطع يد السارق، إذا كانت تُقطع يد السارق، فإن الإنسان لا يتكلف الحرز لأنه يعرف أن السُّراق لن يفعلوا، وإذا كانت لا تُقطع يُحكم عليه بحبس أسبوع أو شهر أو شهرين،
[ ١ / ٣٥٣ ]
أو سنة أو سنتين، فإنه يجب التشديد في الحرز، المهم أن الحرز يختلف باعتبارات متعددة، لكن لا بد لثبوت القطع من أن تكون السرقة من حرز.
الثالث: يُشترط أيضًا أن يكون المسروق مالًا محترمًا، فلو سرق إنسان آلة لهو؛ فإن آلة اللهو ليست محترمة ولا قيمة لها شرعًا، فهل يقطع إذا سرق آلة لهو فخمة تساوي خمسة آلاف أو عشرة آلاف؟ الجواب: لا؛ لأنه مال غير محترم من أصله، فإن كان غير محترم بوصفه، مثل أن يسرق حليًّا على صورة ثعبان أو على صورة أسد وما أشبه ذلك، هذا غير محترم لوصفه؛ لأن الصورة يجب طمسها أو كسرها إذا كانت مما يكسر، فهل يقطع أو لا؛ نقول: يُقطع، اعتبارًا بالأصل أنه مال محترم.
إذًا لا بد أن يكون مالًا محترمًا وهو الذي له قيمة شرعًا؛ فأما غير المحترم فلا يُقطع به؛ لأنه ليس بمال شرير، ولا يُتقوَّم وليس له قيمة ولا ثمن.
الرابع: يشترط أيضًا انتفاء الشبهة، يعني أن لا يكون للسارق شبهة، فلو دَرَق من بيت المال. فإنها لا تقطع يده؛ لأن له شبهة، إذ إن له حقًّا في بيت المال. بل كل مسلم له حق في بيت المال. فهو وإن كان محرَزًا، لكن بالنسبة لهذا الشخص له حق فيه، وقد توسع الفقهاء ﵏ في مسألة الشبهة، ومنها هذه المسألة أنه إذا سَرَق الحر من بيت المال؛ فإنه لا يُقطع؛ لأن له فيه شبهة، والصواب أنه إن كانت الشبهة قوية فيُدرأ عنه الحد، وأما إذا كانت غير قوية وبعيدة، فلا ينبغي أن تُعطل الحدود من أجل أن يكون له حق من مليون مليون مليون مثلًا، هذا فيه تعطيل للحدود.
[ ١ / ٣٥٤ ]
ومن الشبه إذا كان الناس في عام مجاعة، أو إذا كان الإنسان جائعًا، أما الأول فإذا كانت المجاعة عامة، والناس في سنة دهر وجدب وجوع؛ فإنه لا قطع؛ لوجود الشبهة وهي اضطرار هذا السارق إلى السرقة، ولو كان صاحب المال حاضرًا لأوجبنا عليه أن يبذله له، فأما إذا كان الجوع خاصًّا، فهذا لا يمنع من القطع؛ لأن هناك فرقًا بين هذا وهذا؛ لأن كل سارق يمكن أن يقول: إنه جائع، لكن المجاعة العامة هي التي تمنع القطع.
كذلك أيضًا قال أهل العلم: ولا يُقطع في بلاد الكفر، كالغزاة مثلًا، فالغزاة في بلاد الكفر لا يقطعون؛ لأنه لو قُطع لكان في ذلك تنفير عن الإسلام وربما يهرب هذا الرجل إلى بلاد الكفر ويبقى عندهم، وهذه مفسدة عظيمة، ولكن هل يرتفع عنه القطع دائمًا أو يؤجل؟
الجواب: يؤجل، ومثل ذلك أيضًا ما وقع في بعض البلاد التي تحررت من الكفر ودخلت في الإسلام، لو قالوا: نحن إذا أقمنا الحدود ثار علينا الناس، فيثور علينا أولًا الشعب ثم الدول، فهل لنا الحق أن نؤجل حتى يتقوى الجانب الإسلامي؟
نقول: نعم، بدليل أن الحدود إنما جاءت في الشريعة الإسلامية متأخرة، نعم هي لدرء المفاسد، لكن هي أيضًا متأخرة حتى يتمكن الناس من قبولها، ثم إن المقصود من الحد، إصلاح الخلق، والتكفير عن المحدود، فإذا كان يترتب على إقامته مفسدة أعظم فليؤجل.
لو قال قائل: إذا وجب الحد على امرأة حامل سرقت هل يقام عليها الحد؟
[ ١ / ٣٥٥ ]
الجواب: لا، يؤجل؛ لأن القطع يخشى منه على الجنين، والجنين بريء ليس منه جناية.
لو قال قائل: لو سرق الإنسان من مال أبيه هل يُقطع؟
الجواب: العامة يقولون: السارق من السارق كالسارق من أبيه، والمعنى أنه لا يقطع، السارق من أبيه يقولون: لا يقطع؛ لأنه له حق في مال أبيه، وهو الإنفاق عليه إذا كان محتاجًا، الزوج مع زوجته كذلك؛ لأن هذا فيه شبهة، وجرت العادة بأن الزوجين يتبسط أحدهما في مال الآخر، إذًا لا بد لإقامة الحد من انتفاء الشبهة، لكن كما تقدم هناك شبهة بعيدة، وشبهة قريبة.
لو قال قائل: هل يشترط ثبوت السرقة يعني: لو ادَّعِي على شخص أنه سارق، هل نقول: لا يقام عليه الحد حتى تثبت السرقة؟
الجواب: نعم؛ لأن الله قال: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ ولا يصدق عليه وصف السرقة إلا إذا ثبتت، وبدون الثبوت لا يصدق عليه أنه سارق، وتثبت السرقة بشهادة رجلين عدلين، فإن شهد رجل وامرأتان لم يُقَم الحد، لكن يضمن المال؛ لأن المال يثبت بشهادة رجل وامرأتين، والحد لا يثبت إلا بشهادة رجلين، ولهذا فإنه لا مدخل للنساء في الحدود، لو يشهد أربعمائة امرأة على رجل أنه زنا؛ فإنه لا يقام عليه الحد، وكذلك في السرقة، وكذلك في بقية الحدود، لا مدخل للنساء في الحدود بل شهادة الحدود للرجال فقط.
إذًا لا بد من ثبوت السرقة، وتثبت بشاهدين أو بإقرار السارق، إذا أقر السارق فإنها تثبت السرقة.
[ ١ / ٣٥٦ ]
لكن هل يُشترط تكرار الإقرار أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء، منهم من يقول: لا بد أن يكرر الإقرار مرتين كل مرة بإزاء شاهد؛ لأنه لا بد من شاهدين فلا بد أن يقر مرتين، فلو أقر مرة لم تثبت السرقة، وقال بعض أهل العلم: تثبت بالإقرار مرة؛ لأنه شهد على نفسه، ولا عذر لمن أقر، فتثبت السرقة بإقراره مرة.
وإذا أقر سواء قلنا مرتين أو مرة فهل له أن يرجع، يعني هل يُقبل رجوعه بحيث لا نقيم عليه الحد؟
أكثر الفقهاء يقولون: يُقبل رجوعه عن الإقرار، وعلى هذا لا يقطع، لكن يؤخذ بحق الآدمي يُضمَّن المال. أما القطع فلا؛ لأنه رجع عن إقراره، وقال بعض العلماء: لا يرجع إذا أقر عند القاضي.
والصحيح في هذا التفصيل، أنه إذا وجدت قرائن تدل على صحة إقراره، فإنه لا يقبل الرجوع، وإذا لم توجد قرائن، فإنه يقبل رجوعه، ويكون الأمر بينه وبين ربه، فلو قال السارق: إنه سرق، قلنا كيف سرقت؟ قال: أتيت في الليل فكسرت الباب وكسرت الصندوق وأخذت المال. وهذا البيت هو الذي أنا سرقته، ووصفه تمامًا، ثم رجع، هل يقبل مثل هذا؟ لا يمكن أن يُقبل؛ لأنه لو قبل مثل هذا، أي: قبل الرجوع عن إقراره لتعطلت الحدود، بل قال شيخ الإسلام ﵀: لو قبل رجوع المقر في الحد ما أقيم حد في الدنيا؛ لأن كل إنسان يمكنه أن يقر ثم يرجع، لا سيما إذا لُقِّن، وقيل له: ارجع لا تخف، بعد أن أمر القاضي بقطع يده وأُحضِرت السكين، وأحضِر الزيت لتحسم يده، وحضر رجال الأمير، ثم قال: اصبروا؛ أنا رجعت عن إقراري، هذا شبه تلاعب، فنقول: هذا لا يقبل؛ لأنه وجدت قرائن تدل
[ ١ / ٣٥٧ ]
على أن إقراره حق وليس عن تلاعب، وليس عن إكراه، هو الذي دلّ الناس على مكان السرقة وعلى كيفية السرقة، ولا شك أن مثل هذا لا يُقبل رجوعه عن إقراره.
إذًا يشترط ثبوت السرقة والدليل الآية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ إذ لا يصدق عليه أنه سارق أو سارقة إلا بالثبوت، والثبوت يكون بشهادة عدلين وإما باعتراف.
وهل لا بد من التكرار أم لا؟ فيه خلاف وتقدم.
الفائدة الرابعة: وجوب قطع يد السارق والسارقة اليمنى، كما فسَّر ذلك قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: "فاقطعوا أيمانهما" فتُقطَع اليد اليمنى بربع دينار، ومن أين تقطع؟ تقطع مما يصدق عليه أنه يد، فأقل ما يصدق عليه أنه يد تقطع منه؛ لأن ما زاد على ما يصدق عليه اليد مشكوك فيه، والذي يصدق عليه أنه يد الكف، فتقطع من مفصل الكتف من الرُّسْغ والكوع والكرسوع، الكوع الذي يلي الإبهام في طرف الذراع، والكرسوع الذي يكي الخنصر، والرسغ الذي في الوسط.
فإن قال قائل: كيف تقطع بربع دينار وهي لو قطعت عمدًا لكان فيها خمسمائة دينار يعني لو أن إنسانًا جنى على شخص وقطع يده، قلنا: عليك خمسمائة دينار، والسارق يسرق ربع دينار وتقطع يده. ولهذا أورد التشكيك في هذه المسألة أبو العلاء المعري فقال:
يد بخمس مئين عسجدًا وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له ونستعيد بمولانا من النار
فقال: تناقض، وجه التناقض عنده، أنه كيف يد ديتها
[ ١ / ٣٥٨ ]
خمسمائة دينار تقطع وتهدر بربع دينار هذا تناقض؛ لأنه إذا كانت اليد ديتها خمسمائة دينار فلا تقطع إلا بسرقة خمسمائة دينار؛ وإذا كانت تقطع بربع دينار صارت ديتها ربع دينار وإلا فتناقض؟ لكنهم ردوا عليه فقالوا:
قل للمعري عار أيما عار جهل الفتى وهو عن ثوب التُقى عاري
عار: أي: ليس عنده علم ولا عبادة.
يد بخمس مئين عسجدًا وديت لكنها قطعت في ربع دينار
حماية النفس أغلاها وأرخصها حماية المال فافهم حكمة الباري
فانظر إلى الجواب والشاهد في البيت الأخير، يعني أن ديتها جعلت خمسمائة دينار حماية للنفوس، حتى لا يجتريء أحد على قطع أيدي الناس، وقطعت في ربع دينار حماية للأموال حتى لا يجتريء أحد على السرقة، وهذا جواب واضح معقول.
وهناك جواب آخر، يشبه أن يكون أدبيًا، قال: إنها لما خانت هانت، ولما كانت أمينة كانت ثمينة، لما خانت بالسرقة هانت وصارت قيمتها ربع دينار، ولما كانت أمينة كانت ثمينة وكانت قيمتها خمسمائة دينار، وعلى كل حال هذه أجوبة في الواقع لهؤلاء الذين يوردون مثل هذه الشبه، وإلا فإننا نعلم علم اليقين أن الله لا يفرق بين شيئين إلا وبينهما فرق أوجب التفريق في الحكم.
لو قال قائل: إذا قُدِّرَ أن السارق يستعمل شماله في السرقة ويعتمد عليها فهل تقطع اليمنى أم اليسرى؟
الجواب: تقطع يمينه حتى لو سرق بفمه، كأن يجد السارق حُليًا معلقًا فيعضه بفمه حتى يقطع حبله؛ لأنه لو استعمل يمينه
[ ١ / ٣٥٩ ]
لرآه الناس، الحاصل أن يمينه هي التي تقطع، وأيضًا إذا قُدِّر أن السارق الذي سرق ليس له يد يمنى فهل تقطع اليسرى أو لا؟
في هذا خلاف: منهم من يقول: لا تقطع؛ لأن الله إنما نص على اليمنى فقط، يعني: إنما جاءت الآية باليمنى فقط واليسرى لا تقطع؛ لأننا إذا قطعنا يسراه فوتنا عليه منفعة اليدين كلتيهما، وهذا لا يصح، كما قالوا: إن عين الأعور لا تُفقأ بعين الصحيح، مثال ذلك: رجل أعور ليس عنده إلا العين اليمنى فقط، فقأ عين رجل سليم اليمنى، هل نفقا عين الأعور؟
المشهور من المذهب لا نفقأها؛ لأننا إذا فقأنا عينه فوتنا عليه البصر كله، وهو لم يفوت البصر على المجني عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وعين الأعور تؤدي البصر كله، فلا مساواة.
فأقول: إن بعض العلماء يقول: إذا لم يكن للسارق إلا يد يسرى، فإنها لا تقطع؛ لأن ذلك يفوت عليه منفعة اليدين، ولذلك أمر الله ﷿ في قطاع الطريق أن تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؛ لئلا تعطل اليدان جميعًا، فمنهم من يقول: لا تقطع اليد اليسرى، ومنهم من يقول: تقطع، وإذا فوتنا عليه ذلك، فهو الذي جنى على نفسه؛ لإننا إنما قطعناها لأنه هو الذي سرق، وهو الذي جنى على نفسه، والمسألة تتجاذب فيها الأدلة.
إذا لم يكن له يدان هل نقطع الرجل؟
الجواب: لا نقطع الرِّجِل؛ لأنها ليست من جنسها، وإذا كانت اليمنى شلاء، هل نقطعها؟ تقطع لأن الآية عامة، ولا نقول: إننا لا نقطعها، ونقطع اليد اليسرى السليمة، بل نقطع الشلاء.
[ ١ / ٣٦٠ ]
هل يجب علينا عند القطع أن نفعل ما يمنع نزيف الدم أم نتركه ينزف الدم ويموت؟ الأول، يجب أن نفعل ما يمنع نزيف الدم وأن لا ندعه يموت؛ لأن المقصود قطع اليد.
هل يجوز أو يلزم أن نبنِّج هذا السارق عند قطعه؟ يجوز أن نبنج هذا السارق؛ لأن القطع يحصل مع البنج وعدمه، بخلاف القصاص، فلو أن رجلًا قطع يد إنسان وحكمنا بالقصاص فلا نبنج يده من أجل أنه قطع يد المجني عليه؛ فإننا لا نبنجه بل نذيقه الألم كما أذاق المجني عليه الألم، وهذا فرق واضح.
وفيما سبق، يحسمون الدم بأن يأتوا بزيت يغلونه على النار. فإذا قُطِعت اليد، غمسوا طرف الذراع في هذا الزيت، وإذا انغمس تسددت أفواه العروق، لكن في ظني أن الطب ترقَّى الآن وأنه يمكن إيقاف الدم بدون هذه العملية، والواجب أننا نسلك أسهل ما يكون بالنسبة لإيقاف الدم؛ لأن المقصود هو إتلاف اليد وقد حصل، فإذا وجدنا طريقًا يمكن بها إيقاف الدم غير الحسم الذي ذكره العلماء، واستعملوه فيما سبق، فإننا نستعمله.
وهنا مسألة: إذا سرق مرتين هل نقطع غير اليمنى؟ نقول: إذا كان ذلك قبل القطع فإنه لا تقطع إلا اليد اليمنى، يعني لو سرق عشرين مرة قبل أن نقطعه لا نقطع إلا يدًا واحدة، فإن قطعناها أول مرة، ثم سرق ثانية، فإنها تقطع رجله اليسرى لا يده اليسرى بل رجله اليسرى، لقول الله ﵎ في المحاربين: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] فيكون القطع لليد اليمنى والرجل اليسرى، لئلا يتعطل جانب منه كامل عن المنفعة.
[ ١ / ٣٦١ ]
وقال بعض أهل العلم: إذا تكررت منه السرقة بعد القطع فإنه لا يقطع؛ لأن الله إنما أباح قطع اليد اليمنى فقط، والأصل احترام المسلم، فلو تكررت السرقة منه عشرين مرة، لا تُقطع إلا اليمنى فقط، لكن إذا لم يندفع أذاه إلا بالحبس أو القتل فعلنا ما يندفع به أذاه، أما أن نقطع شيئًا من أعضائه والله ﷿ إنما ذكر قطع يد واحدة فلا، لكن المشهور عندنا في المذهب أنه تقطع رجله اليسرى إلحاقًا له بالمحاربين، فإن سرق الثالثة فإنه لا يقطع.
وقال بعض العلماء: إنها تقطع يده اليسرى، فيبقى عنده رِجل واحدة، فإن سرق الرابعة، فقال بعض أهل العلم: إنها تقطع رجله اليمنى، وعلى هذا لا يبقى شيء من أطرافه، فإن سرق الخامسة قتل، وقد سمع أحد العوام رجلًا يحدث في المسجد، وقال هذا القول، تقطع اليد اليمنى، ثم الرجل اليسرى، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى، ثم إن سرق قتل، فقال العامي على البديهة: بماذا يسرق وليس له يدان ولا رجلان؟ لكن الواقع أنه يمكن أن يسرق؛ لأنه باقٍ عنده الذراع، ويستطيع أن يأخذ المال به.
على كل حال: الذي يظهر أننا لا نتعدى حد المحاربين، يعني نقطع يده اليمنى، فإن عاد فرجله اليسرى فقط.
لو قال قائل: لو أراد السارق أن يعيد يده بعد قطعها هل له ذلك؟
الجواب: هذا سؤال جيد، فلو حاول السارق أن يجري عملية لرد يده لا يُمكَّن من ذلك؛ لأن المقصود قطعها، لكن لو كان قصاصًا بأن اقتص منه ثم أراد أن يجري العملية لردها هل
[ ١ / ٣٦٢ ]
نمنعه؟ الظاهر لا نمنعه، بخلاف السرقة، فللشارع قصد في إتلاف يده، وأما القصاص فالمقصود منه أن تقطع يد الجاني كما قطعت يد المجني عليه، ولهذا لو فرض أن المجني عليه ردت يده وعادت سليمة مائة بالمائة لا يقطع الجاني.
الفائدة الخامسة: الحكمة في وجوب قطع يد السارق، لقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾.
الفائدة السادسة: أن العقوبة من جنس العمل، وإن شئت فقل: الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لما سرق والغالب أن الأخذ والإعطاء باليمين قطعت يده.
فإن قال قائل: يلزم على قولكم بقطع الآلة التي سرق بها أن توجبوا قطع ذكر الزاني، فما الجواب؟
الجواب: على كل حال واضح، وهو أن الزاني ذكر الله له عقوبة خاصة والسارق له عقوبة خاصة، هذا دليل سمعي، وأما الدليل العقلي: فالضرر الذي يترتب على قطع الذكر ليس كالضرر الذي يترتب على قطع اليد؛ لأن هذا يلزم منه قطع النسل ومصادمة ما يريده الرسول ﵊ من هذه الأمة وهو تكثير النسل (^١)، وأيضأ لأن يد السارق إذًا قطعت صارت نكالًا لأن اليد ظاهرة، لكن قطع ذكر الزاني لا يعلمه أحد؛ لأنه
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، حديث رقم (٢٢٥٠)، والنسائي، كتاب النكاح، باب كراهية تزويج العقيم، حديث رقم (٣٢٢٧) كلاهما عن معقل بن يسار، وأحمد (٣/ ١٥٨) (١٢٦٣٤) عن أنس، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب ما جاء في فضل النكاح، حديث رقم (١٨٤٦) عن عائشة.
[ ١ / ٣٦٣ ]
مستور، وحِكَمٌ أخرى، فلذلك لم يوجب الله تعالى أن يقطع ذكر الزاني، بل أوجب الجلد والتغريب لغير المحصن والرجم للمحصن.
الفائدة السابعة: الرد على الجبرية لقوله: ﴿بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾، ووجه آخر معنوي، وهو أنه لو كان السارق والسارقة مجبرين ما صح أن يعاقبا؛ لأن المجبر لا حكم لفعله، حتى المكره على الكفر إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، فإنه لا يكفر فالمهم أن في الآية ردًا على الجبرية، وما أكثر الردود على أهل البدع والحمد لله.
الفائدة الثامنة: أن الحدود كفارة، لقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ ولا يضاعف الله عليه الجزاء.
الفائدة التاسعة: الحكمة في إيجاب الحدود، لقول الله ﵎: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والنكال يكون للغير، كما قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]، فإن من علم أن يده سوف تقطع بالسرقة سوف ينكل عنها ولا يسرق.
الفائدة العاشرة: بيان أن الله ﷾ مع كمال رحمته ورأفته، فإنه شرع الحدود وأوجبها شرعًا؛ لأن ذلك عين الرحمة، إذ لولا الحدود لفشت بين الناس المعاصي، لكن الحدود تردعهم إذا لم يردعهم الإيمان، ولهذا يقولون: إذا خلا الإنسان من الوازع الديني فإنه يقرع بالرادع السلطاني.
الفائدة الحادية عشرة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما العزيز والحكيم، وما أكثر ما يقترنان في القرآن الكريم؛ لأن بهما تمام السلطة وكمالها، والعزيز: يعني أنه ذو العزة، والعزة ذكر ابن القيم ﵀ لها ثلاثة معان:
[ ١ / ٣٦٤ ]
المعنى الأول: العزة بمعنى الغلبة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨].
ومنها قول الشاعر:
أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالب
المعنى الثاني للعزة: أنه ﷾ ممتنع عن كل نقص، مأخوذ من الأرض العزاز، يعني الصلبة التي لا تُنال إلا بقوة ومعاول كبيرة وحديدية.
الثالث: العزة التي هي كماله أي: كمال وصف.
وهو العزيز بعزة هي وصفه فالعز حينئذٍ له ثلاثة معانٍ
أما الحكيم: فإن الحكيم مشتق من معنيين: المعنى الأول: الحكم، والمعنى الثاني: الحكمة؛ لأن هذه المادة الحاء والكاف والميم تدل على الحكم وعلى الحكمة، يعني الإحكام، فأما الحكم فإن حُكْم الله تعالى نوعان: النوع الأول: الحكم القدري، والنوع الثاني: الحكم الشرعي، مثال الأول: قول الله ﵎ عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠]، يعني يقدر، هذا حكم كوني، والحكم الكوني لا بد من وقوعه، فإذا حكم الله تعالى بالشيء كونًا فلا بد أن يقع.
أما الحكم الشرعى فمثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، يعني حكمًا شرعيًّا، وأما قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]، فالظاهر أنها شاملة، وإن كان السياق يقتضي أن المراد به الحكم الشرعي، لكننا نقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
[ ١ / ٣٦٥ ]
فقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠] يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي، الحكم الكوني ذكرنا أنه لا بد من وقوعه، وأما الحكم الشرعي إذا حكم الله على أحدٍ بشيء شرعًا هل يلزم منه الوقوع؟
الجواب: لا؛ لأن من الناس من لم يحكم بما أنزل الله، ولم يمتثل أمر الله، فلا يلزم من الحكم الشرير أن يقع المحكوم به؛ لأنه شرع، والشرع قد يُخالَف وقد يوافق، أما الحكمة فإنها وضع الشيء في مواضعه، على حد قول بعض السلف: إن الله تعالى لم يأمر بشيء فيقول العقل: ليته لم يأمر به، ولم ينهَ عن شيء فيقول العقل: ليته لم ينهَ عنه، فهي وضع الأشياء في مواضعها، وأنت إذا تأملت أحكام الله تعالى الكونية وأحكامه الشرعية، وجدت أنها في موضعها.
فإن أدرك ذلك عقلك فهذا المطلوب، وإن لم يدركه فسلم الأمر لمن له الحكمة البالغة، ولذلك نجد الشرائع مطابقة للحكمة تمامًا، فالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين وصلة الأرحام، وما أشبه ذلك كلها مطابقة للحكمة.
ونجد أيضًا الأحكام الكونية مطابقة للحكمة قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، فالفساد الذي يكون في البر أو في البحر هو فساد لكنه لحكمة عظيمة، وهي: أن يرجع الناس إلى دينهم ويكفوا عما كسبت أيديهم من المعاصي، وهلمَّ جرَّا.
يعني أحكام الله الكونية والشرعية كلها مطابقة للحكمة،
[ ١ / ٣٦٦ ]
ولكن لا يلزم من كونها مطابقة للحكمة أن يفهم الحكمة كل أحد من الناس، فقد تخفى على كثير من الناس، وقد تخفى على بعض الناس دون بعض، وما خفي عليك فَكِلْهُ إلى عالمه، ولذلك لما سألت المرأة عائشة ﵂: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت عائشة ﵂: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (^١).
إذًا: مجرد كون هذا الشيء محكومًا به من قِبل الله شرعًا فإننا نعلم أنه لحكمة، وأيضًا مجرد كون الشيء يقع في أحكام الله الكونية، وإن كانت لا تظهر لنا المصلحة فيه؛ فإننا نعلم أنه لحكمة، فعلينا أن نستسلم وأن لا نعارض، وأن لا نقول: كيف ولا لِمَ؟ لأن ذلك فيه اعتراض، اللهم إلا رجلًا يريد أن يسأل عن الحكمة، حتى يطمئن قلبه، وحتى يعرف من صفات الله ما لا يعرف، فهذا لا بأس به.
واعلم أن الحكمة نوعان: حكمة غاية، وحكمة وضع الشيء على ما هو عليه، ويمكن أن نقول: حكمة صورية وحكمة غائية، فالصورية: أن يكون الشيء على هذه الصورة، فكونه على هذه الصورة، هذه حكمة، كون الصلوات مثلًا خمسًا وفي أوقات مختلفة، هذه حكمة، كونها تنقطع على الوتر، هذه حكمة، صلاة الليل وصلاة النهار، فصلاة النهار وترها المغرب، وصلاة الليل وترها النافلة المعروفة، هذه حكمة، كون هذه الأمور مشروعة لغاية، أيضًا حكمة، وهكذا أيضًا المخلوقات هي على وضعها
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، حديث رقم (٣٣٥) عن عائشة.
[ ١ / ٣٦٧ ]
التي هي عليه حكمة، والغاية التي تصل إليها هذه المخلوقات لا شك أنها حكمة، فصار الحكيم مشتق من الحُكْم والإِحْكام الذي هو الحكمة، والحكم نوعان: كوني وشرعي، والحكمة نوعان: صورية وغائية.
الفائدة الثانية عشرة: حسن الختام في الآيات الكريمة، وأنها مطابقة تمامًا للأحكام التي خُتِمت بها، فالعزة من معناها الغلبة، ولا شك أن إيجاب قطع الأيدي يدل على العزة والغلبة وكمال السلطة، الحكمة أيضًا تُنَاسِب القطع لأن فيها حكمًا صارمًا، وفيها أيضًا حكمة بالغة.
فلذلك كانت الجملة: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مطابقة تمامًا لما ذكر في الآية الكريمة من قطع يد السارق، وبيان الحكمة من ذلك، ورأيت في كتاب السيوطي الإتقان أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ والله غفور رحيم فاستنكر الأعرابي هذا وقال: أَعِد الآية، فأعادها مرة ثانية باللفظ الأول: "والله غفور رحيم" ثم قال: أعدها، فأعادها مرتين أو ثلاثًا، ثم أعادها على الصواب، فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: الآن أصبت؛ لأنه عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع.
انظر، كيف الفهم، وهو أعرابي لم يتعلم؟ لكن واضح أن الله ﷾ لو قال: "والله غفور رحيم" ما نالسب وجوب القطع، هذا يناسب التوبة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩] أما القطع فإنه يناسب العزة والحكمة.
[ ١ / ٣٦٨ ]
الفائدة الثالثة عشرة: الرد على كل ناعق يقول: إن قطع الأيدي وحشية، وأن ذلك يستلزم أن يكون نصف الشعب أشل، ليس له إلا يد واحدة، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فيقال: بل هذه هي عين الحكمة وعين الصواب؛ لأنه لو ترك الناس لحصلت الفوضى وابتزاز الأموال. والسطو على الآمنين، فكان قطع اليد لا شك أنه هو الحكمة، وانظر إلى الشعوب التي تطبق هذه الحدود الشرعية كيف تقل فيها الجريمة، وعلى العكس الشعوب التي لا تطبقها.
وهذا كقول القائل: إن قتل القاتل يعني كثرة إزهاق النفوس، وهذا أيضًا مصادم تمامًا لقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، فالقصاص هو الحياة في الواقع، لنا فيه حياة؛ لأن من هَمَّ بالقتل ثم ذكر أنه سيقتل امتنع وكف عن القتل، ثم ليُعلم أن المقتول ظلمًا، لا بد أن يقتل قاتله، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، سلطانًا شرعيًّا بأن له القصاص، وسلطانًا قدريًّا؛ بأن الله تعالى يمكن من العثور على هذا القاتل حتى يُقتل، وهذا شيء مشاهد دائمًا، يقتل القاتل ويهرب، وإذا به يأتي بقدر الله ﷿، وهذا داخل في قوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانً﴾ أي: قدريًّا وشرعيًّا، وكأن الأمر حاصل ولا بد، ولهذا قال: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]؛ كأنه قال: لا بد أن يقتل أي: ولي المقتول ظلمًا، ولكن لا يسرف في القتل، وذلك لأن ولي المقتول ظلمًا قد تأخذه الحمية والغضب، فيسرف في القتل، فنهاه الله ﷿ عن ذلك، وجعل الأمر قصاصًا.
* * *
[ ١ / ٣٦٩ ]