الفائدة الأولى: تأكيد كون هؤلاء اليهود سماعين للكذب، لقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾.
فإن قال قائل: يرد على قولك تأكيد القاعدة المعروفة أنه إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد حمل على التأسيس؟ قلنا: نعم، هذا وارد لكن له جواب.
والجواب: أننا إذا قلنا إنه للتأسيس، صارت الجملة الأولى دالة على معنى واحد، والثانية على معنى واحد، وإذا قلنا: للتوكيد؛ صار كل منهما دالًا على معنيين، فمن ثَمَّ يترجح أن يكون ذلك للتأكيد.
الفائدة الثانية: التحذير من هذا الوصف القبيح وهو الاستماع للكذب أو نَقْلِ الكذب؛ لأن الله أكد بيان هذا الوصف القبيح من اليهود.
_________________
(١) = والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٠٣) (٧٥٦٥) عن عائشة ﵂، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١١٥) (١١٤٠٩) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، حديث رقم (١٨٢٧) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
[ ١ / ٤١٥ ]
الفائدة الثالثه: أن من اتصف بذلك ففيه شبه من اليهود.
الفائدة الرابعة: التحذير من وصف قبيح آخر وهو أكل المال بالباطل، لقوله: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ والله ﷿ لم يذكر هذا الوصف إلا لنحذره.
الفائدة الخامسة: أن من اكتسب المال الحرام ففيه شبه من اليهود، فآكلو الربا مشابهون لليهود، وآكلو الأموال بالغش مشابهون لليهود، وآكلو الأموال بالحلف الكاذب مشابهون لليهود، فكل من اكتسب مالًا بغير حق بطريق محرم فهو مشابه لليهود، كالراشي والمرتشي، فالرشوة شائعة في اليهود.
الفائدة السادسة: أن النبي - ﷺ - مخير بين أن يحكم بين اليهود وألا يحكم، لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ و"أو" هنا للتخيير.
فإن قال قائل: هل التخيير على إطلاقه؟
الجواب: لا، بل هو مقيد بالمصلحة، والقاعدة عندنا أن التخيير إذا كان للتيسير على المكلف فهو للتشهي يفعل ما يشاء، وإذا كان للمصلحة وجب اتباع المصلحة.
الفائدة السابعة: أن من أعرض عن شيء بأمر الله فإن ذلك لا يضره، لقوله: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، يعني: فلم تحكم بينهم فلن يضروك شيئًا، ولكن هل انتفاء الضرر يجب أن يكون في الحال أو ولو في المستقبل، بمعنى أنه ربما يتضرر لأول وهلة، ثم تكون العاقبة له؛ الجواب الثاني: لأن الإنسان قد يتضرر لأول وهلة ولكن تكون العاقبة له، وحينئذٍ يكون كأن لم يتضرر.
[ ١ / ٤١٦ ]
الفائدة الثامنة: أنه يجب الحكم بين الناس بالعدل، لقوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ يعني: إن أردت أن تحكم كما خيرناك فاحكم بينهم بالقسط.
الفائدة التاسعة: أنه لا يجوز للإنسان أن يراعي في حكمه قريبًا ولا صديقًا ولا غنيًا ولا فقيرًا، لقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ وهذا يعني: أن ينظر إلى القضية من حيث هي قضية لا من حيث إنها قضية فلان بن فلان.
الفائدة العاشرة: إثبات المحبة لله ﷿، أي: أن الله يحب، وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وهل هذه المحبة مجاز عن الثواب أو هي محبة حقيقية؛ يتعين الثاني، ففيها إثبات أن الله تعالى يحب، ومن أهل التأويل من قال: إن الله تعالى لا يحب، قال ذلك تأويلًا لا تكذيبًا، يعني هو لم يقل: إن الله لا يحب، بل قال: إنه يحب، لكن معنى المحبة كذا.
ويجب أن نفرق بين الطريقين الذي يقول: إن الله لا يحب، هذا كافر؛ لأنه مكذب للقرآن، والذي يقول: إنه يحب، لكن معنى المحبة كذا، فهذا ليس بكافر، ففرق بين إنكار المحبة تأويلًا وإنكارها تكذيبًا وجحودًا، فالأشاعرة ومن وراءهم جميع المتأولين يقولون: إن الله لا يحب؛ لأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين؛ ولأن المحبة تتجدد لأنها معلقة بأوصاف وأسباب، والله تعالى منزه عن الحوادث.
إذًا ما معنى المحبة؟ قالوا: معناها: الثواب، ولم يعلم المساكين أنه يلزم من إثبات الثواب إثبات المحبة، إذًا لا يمكن
[ ١ / ٤١٧ ]
ثواب بلا محبة أبدًا، فهم وإن فروا من إثباتها لفظًا فإنها تلزمهم إلزامًا، المهم أنهم يقولون: إن المحبة بمعنى: المثوبة، فقيل لهم: إن الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] قالوا: نعم، يحبهم أي: يثيبهم، ويحبونه، أي: يفعلون ما يثيبهم عليه، ولكن هذا لا شك أنه مخالف لظاهر اللفظ ومخالف لإجماع السلف، فما من السلف أحد قال: إن المحبة بمعنى: الثواب.
فإذا قال قائل: وهل عندكم نص من كل واحد من السلف أن المحبة بمعناها الحقيقي؟
قلنا: لا، لكن كون هذه النصوص ترد عليهم ولم يرد عنهم تفسير بخلاف ظاهرها يدل على أنهم أجمعوا على إثباتها، ولا حاجة لأن ينقل إجماعهم على كل مسألة بعينها، لكن ما دامت نصوص الكتاب والسنة ترد عليهم، ولم يأتِ عن أحد منهم ولا حرف واحد أنه أوَّلها بخلاف ظاهرها، فإن هذا يدل على أنهم مجمعون على إثباتها.
أما قولهم: إن هذا يلزم منه أن تقوم الحوادث بالله ﷿، فنقول: وليكن، نحن نؤمن بأن الله تعالى يفعل ما يشاء، وأن صفاته منها ما يتجدد ومنها ما لا يتجدد، بمعنى منها ما يحدث بأسباب، ومنها ما لا يحدث بأسباب، فالعلم مثلًا أزلي أبدي، لكن المحبة ليست كذلك، إذا كان الله يحب هذا العبد فمحبته لهذا العبد بعد وجود أسباب المحبة، فمحبته لهذا العبد المعين حادثة ولا مانع، وقيام الأفعال الاختيارية به من كمال صفاته ولا شك.
[ ١ / ٤١٨ ]