الفائدة الأولى: ثبوت إنزال الله تعالى للتوراة، لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾.
الفائدة الثانية: شرف التوراة، حيث إن الله تعالى أنزلها من عنده، لكن كما تقدم في التفسير: أن المراد بالتوراة: التي لم تغير ولم تبدل.
الفائدة الثالثة: أن في التوراة هدى ونور، لقوله: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾، وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] فالقرآن
[ ١ / ٤٢٨ ]
كله هدى وكله نور قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] وفي هذه الآية، قال الله تعالى في التوراة: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ وهذا التعبير بينه وبين التعبير القرآني بالنسبة للقرآن الكريم فرق عظيم؛ لأن التوراة جعل فيها هدى ونور، والقرآن جعله هو الهدى والنور.
الفائدة الرابعة: أن التوراة أصل للأنبياء الذين جاءوا من بعد موسى، لقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾، وعلى هذا فالشرائع التي أتت من بعد التوراة تعتبر تكميلًا للتوراة وتحقيقًا للعمل بها، ومن ثَمَّ نقول: هل الإنجيل داخل في ذلك؟ نقول: نعم الإنجيل مكمل للتوراة؛ لأن عيسى ﵊ قال: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠].
فلو قال قائل: هل يجوز أن نقول هذه الآية من التوراة أو من الإنجيل؟
الجواب: إذا كانت منزلة من عند الله ﷿ فهي آية؛ لأنه كما تقدم: أن هذه الشرائع لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها، ولو أنكر البعض على من يقول هذه الآية من التوراة أو الإنجيل فهذا خطأ إلا إذا كان ينكرها خوفًا من الالتباس فلا بأس؛ لأن العامي إذا سمع هذا يظن أن التوراة والإنجيل قرآنًا.
الفائدة الخامسة: جواز وصف الأنبياء بالإسلام، لقوله: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ والمراد هنا: الاستسلام الظاهر والباطن؛ لأن هناك إسلامًا ظاهريًّا فقط، كما في قول الله ﵎ في قصة لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] فجعل
[ ١ / ٤٢٩ ]
الذين في البيت من المسلمين، ومن المعلوم أن امرأة لوط ليست مسلمة بل هي كافرة، لكنها قد خانت زوجها فأظهرت الإسلام، ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠] فقوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ ليس بفعل الفاحشة ولكن بإخفاء الكفر عنهما.
فالمهم أن الإسلام قد يطلق على من أظهر الإسلام وإن كان قلبه منطويًا على الكفر، لكن إسلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على عكس ذلك، إسلام الأنبياء هو استسلامهم لله ظاهرًا وباطنًا.
الفائدة السادسة: أنه لا عذر لليهود في الخروج عن شريعة الله؛ لأن الله تعالى قيض لهم الأنبياء الكثيرين يحكمون لهم بالتوراة، لكنهم عاندوا وكفروا.
الفائدة السابعة: أن أهل العلم ورثة الأنبياء في إظهار حكم الله والدعوة إلى شريعته، لقوله: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾.
الفائدة الثامنة: الثناء على أهل العلم، وأنهم هم حفظة شريعة الله، لقوله: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ وهذا أمر لا شك فيه، أن العلماء هم حفظة شريعة الله وهم ورثة الأنبياء، هم الذين يلزمهم الدعوة إلى الله على بصيرة، ونشر شريعة الله.
الفائدة التاسعة: أن كُتُبَ الله ﷿ هي أصل العلوم التي يدعو بها من حفظها من عباد الله، لقوله: ﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ وعليه فتكون التوراة من كتب الله التي يجب علينا أن نؤمن بها.
[ ١ / ٤٣٠ ]
الفائدة العاشرة: أن العلماء شهداء على شريعة الله موثوقون مؤتمنون، هذا هو الأصل، لكن قد يخرجون عن هذا الأصل، وهو: الشهادة على شريعة الله ﷿ التي ينشرونها بين الناس، لكن هل كل عالم كذلك؟
الجواب: لا، ولهذا نقول: العلماء ثلاثة أصناف: عالم ملة، وعالم أمة، وعالم دولة.
عالم الملة: هو الذي يحرص على حفظ الملة ونشرها بين الناس والدعوة إليها وهذا هو العالم حقيقة.
وعالم الأمة: هو الذي يرى ما يريده الناس فيفتيهم به ولو خالف الشرع؛ لأنه يريد أن يساير ويقبل رأيه ولا يبالي.
والثالث: عالم دولة: وهو الذي يرى ما تريده الدولة فيدعو إليه ويحكم به، ويحاول أن يلوي أعناق النصوص إلى ما تريده الدولة.
وقد ظهرت دعوة قبل سنوات تدعو إلى الاشتراكية (^١)؛ بسبب تأثير الشيوعيين على بعض البلاد العربية، فظهرت دعوة الاشتراكية وتأميم الممتلكات، وصار بعض العلماء يحاولون أن يجدوا لهذا المنهج شيئًا يؤيده من القرآن والسنة، فصاروا يأتون بالآيات والأحاديث البعيدة عن مرادهم ليثبتوا هذا، حتى سمعنا من يقول: إن قول الله ﵎: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨]، يعني: أنتم والعبيد الذين تملكونهم سواء، وهذا لا شك أنه تحريف؛ لأن معنى الآية: أن الله تعالى ضرب لنا مثلًا من أنفسنا:
_________________
(١) انظر كتاب "بطلان الاشتراكية" لفضيلة شيخنا المؤلف رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٤٣١ ]
- هل السيد يرضى أن يشاركه عبده في خصائصه وحقوقه؟
الجواب: لا، قال تعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨]، بناء على أنهم شركاء لكم وهذا لا يمكن أن تقروا به، فكذلك الرب ﷿، هل يرضى أن يكون أحد من خلقه شريكًا له؟ لا يرضى، كما أنكم أنتم لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم في الرزق، هذا معنى الآية.
واستدلوا أيضًا بأحاديث: "الناس شركاء في ثلاث" (^١) وما أشبه ذلك، نسمي هؤلاء العلماء: علماء دولة، يعني يرون ما تريده الدولة فيصرفون الناس إليه -نسأل الله العافية- لكن العلماء الربانيين الذين استحفظهم الله على كتابه لا يمكن أن يسلكوا هذا المسلك.
الفائدة الحادية عشرة: تحريم خشية الناس في إضاعة شريعة الله، لقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ واعلم أن الله تعالى ذكر في القرآن الكريم سببًا لكون الإنسان يخشى الناس دون الله، فقال ﷿: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥] الشيطان يأتي إلى ضعاف الدين وإلى ضعاف الهمة والحزم، يقول: لا تفعل هذا، فإذا فعلت تقوم عليك الأمة، تنكر عليك الأمم، فيخاف، والمؤمن حقًّا لا يخاف يقول: ما دمت على بصيرة وعلى دين فأنا
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب الإجارة، باب في منع الماء، حديث رقم (٣٤٧٧)، وأحمد (٥/ ٣٦٤) (٢٣١٣٢) عن رجل من أصحاب النبي، وعند ابن ماجه، كتاب الرهون، باب المسلمون شركاء في ثلاث، حديث رقم (٢٤٧٢) عن ابن عباس.
[ ١ / ٤٣٢ ]
لا أخاف إلا الله ﷿، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾.
لو قال قائل: متى يصدع الداعية بالحق ولا يخشى الناس، ومتى يكون الأمر فيه سعة، هذا إذا وجد من يصادمه؟
الجواب: إذا كان قصده من كتمان الحق الخوف على نفسه فهذا هو الذي يخشى الناس، أما إذا كان قصده من كتمان الحق الخوف على الحق وأنه لو جهر به ضاده الوالي الذي عنده وقمع هذه الدعوة وربما يتوصل الأمر إلى غيره، فهذا لا حرج أن يؤخر الدعوة إلى وقت يمكنه فيه أن يجهر بها.
الفائدة الثانية عشرة: أن المنحرف عن الدين وعن نشر العلم ينحرف لأحد سببين: السبب الأول: خشية الناس، والسبب الثاني: الطمع في الدنيا، وجه ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فلو أنك تأملت أسباب الانحراف، وأعني بذلك انحراف العلماء، لوجدته يدور على شيئين: إما الخوف من الناس، وإما طلب الدنيا والرئاسة والمال وما أشبه ذلك.
الفائدة الثالثة عشرة: أن من لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون، لقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] واختلف العلماء ﵏، هل المراد بهذا العموم الخصوص؟ يعني: أن المراد بذلك اليهود فقط؛ لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله أو المراد العموم؟
منهم من قال: أن المراد بهذه الآية: اليهود؛ لأنها في سياق التثريب عليهم؛ لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله فهم كافرون.
[ ١ / ٤٣٣ ]
ومنهم من قال: إنها عامة؛ لأن لفظ "مَنْ" صريح في العموم، والصحيح أنه من حيث الحكم عامة، يعني: حتى لو نزلناها لفظًا على اليهود؛ لأن السياق في ذَمِّهِم، فإننا نقول: إذا ثبت هذا الحكم في اليهود ثبت في غير اليهود من باب العموم المعنوي الذي هو القياس، يعني إن قلنا: إن هذا عام أريد به الخاص، وأن المراد بذلك اليهود قلنا: هذه دلالة الآية لفظًا، لكن إذا قلنا بالعموم بغض النظر عن السياق، صارت الآية تدل لفظًا على الشمول لليهود، وغير اليهود، وعلى القول بأنها للخصوص، نقول: يلحق بذلك من لم يحكم بما أنزل الله من غير اليهود إلحاقًا معنويًّا.
ولكن ليعلم أن من لم يحكم بما أنزل الله، إما أن يكون لطمع، وإما أن يكون لكفر بما أنزل الله، وإما أن يكون لعدوان وظلم على الغير.
فإن كان لطمع فإنه فاسق، كقاضٍ تنازع عنده رجلان، فأعطاه أحدهما رشوة فحكم بغير ما أنزل الله؛ طلبًا للرشوة والطمع، هذا نقول: إنه فاسق.
الثاني: رجل تخاصم إليه رجلان، وكان بينه وبين أحدهما عداوة، فحكم عليه والحق معه، نقول: هذا ظالم معتدي، ليس له غرض في الحكم عليه، لكن يريد أن ينتقم منه؛ لأنه يكرهه أو بينه وبينه سوء تفاهم، وهذا أعظم وأشد من الأول؛ لأن الأول له منفعة قد تدعو النفس إليها، أما الثاني فليس له غرض إلا العدوان، فهو أشد وأعظم بلا شك.
الثالث: أن يحكم بغير ما أنزل الله كراهة لما أنزل الله، أو
[ ١ / ٤٣٤ ]
اعتقادًا منه أن ما حكم به خير من حكم الله ﷿، أو أنه مخير بين أن يحكم بما أنزل الله أو بغير ما أنزل الله، فهذا يكون كافرًا خارجًا عن الإسلام؛ لأنه كره الإسلام أو ظن أن غيره أحسن منه، أو أن غيره مثله، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] أي: لا أحد أحسن من الله حكمًا، فإذا حكم وهو يعتقد أنه مثل حكم الله، فقد كذب ما تدل عليه الآية، وهو قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ وإذا اعتقد أنه خير منه؛ فإنه أشر وأقبح من الذي قال: إنه مساوٍ له.
لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ هل المعنى فأولئك هم الكافرون فيما حكموا فيه أو الكافرون الخارجون عن الملة؟
الجواب: هذا محل خلاف وقد تقدم، فمن العلماء من قال: إن قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ هذا فيما حكموا به، كقول النبي - ﷺ -: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" (^١) مع أن هذا لا يخرج من الإسلام، فعليه يكون المعنى هم الكافرون فيما حكموا به فقط، لا الخارجون عن الملة، وقيل: هم الكافرون، أي: الموصوفون بالكفر المخرج عن الملة، ولكن الأدلة دلت على أن هذا مقيد بشروط:
الأول: أن يكون الحاكم عالمًا بحكم الله، والثاني: أن يكون عالمًا بمخالفة هذا الحكم لحكم الله، والثالث: أن يجعله
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة، حديث رقم (٦٧) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٤٣٥ ]
بديلًا عن حكم الله، والرابع: أن لا يرضى بحكم الله، فإذا تمت هذه الشروط صار حينئذٍ خارجًا عن الملة.
فإذا حكم بغير ما أنزل الله وهو لا يعلم بحكم الله، فإنه لا يكفر؛ لأن من شرط الحكم بالكفر أن يكون الإنسان عالمًا به، فكيف إذا حكم بتأويل ممن حرَّف الكلم عن مواضعه من علماء السوء؟ فيكون هذا أشد عذرًا له وأبعد عن تكفيره.
وإذا قال: هو يعلم بحكم الله، وهو راضٍ بحكم الله لكنه يرى أنه لا يصلح في هذا الوقت مثلًا، قلنا: هذا كفر؛ لأن الشريعة الإسلامية باقية إلى يوم القيامة، فإن الذي شرعها علم -﷿- بما يُصلِح الخلق، وعلم أن محمدًا خاتم النبيين، ولا بد أن تكون شريعته صالحة لكل زمان ومكان إلى آخر الدنيا، لكن يجب أن يُعَلَّمَ أولًا؛ لأنه قد يُلَبَّسُ على بعض الحكام ممن لا يعرف أحكام الشريعة فيأتيه جلساء السوء وقرناء السوء ويقولون: هذا يحتمل التأويل ويحتمل كذا، ويحتمل كذا، ثم يوردون العبارة المشهورة القيمة: "الشريعة الاسلامية جاءت بجلب المصالح ودفع المفاسد" ويتراءى لهم أن هذا الشيء صالح ثم يقولون للولاة: اجعلوه سنة واجعلوه نظامًا، مع أنَّ الإنسان قاصر النظر، قد يبدو له في هذه الحال أنه صالح لكن عواقبه فاسدة، فمتى علمنا أن الله حرم هذا الشيء أو أوجب هذا الشيء علمنا أن النتائج المثمرة في الواجب معلومة ولكنها قد تكون مجهولة لنا، معلومة في المآل، وكذلك المفاسد التي فيما حرم الله، قد لا تكون معلومة لنا في الحاضر لكنها تُعْلَمُ في المآل.
[ ١ / ٤٣٦ ]
وهذه مسألة خطيرة للغاية؛ لأن من الناس من يقدم على المكفير مع انتفاء شروطه، ويحصل بذلك شر كثير، تمرد على الحكام، وتضليل للعامة، وفوضى في المجتمع، ودماء تراق بغير حق. واسأل مَنْ سلفك مِنْ الأمة، ماذا حصل من الخوارج الذين كَفَروا معاوية -﵁- ثم كفروا عليًّا ﵁ وهم يقومون الليل ويتلون القرآن، وأخبر النبي - ﷺ - أن الصحابة وهم الصحابة، "يحقر أحدهم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم" (^١) ومع ذلك حصل من شرهم ما لا يعلمه إلا الله، ومن قرأ عنهم -وآخر الأمة كأولها- علم أن الخروج على الأئمة لا شك أنه مفسدة عظيمة، وأن بقاء الحكام على غير ما أنزل الله لا شك مضرة عظيمة، لكن الواجب أن يُدرأ أشد المفسدتين بأخفهما، فإذا جرت الدماء يصعب جدًّا إيقافها وأن تحقن بعد أن أريقت، لكنَّ إصلاح الحكام ربما يتحقق مع المران والمجالسة والمناصحة.
فلهذا أقول: إن المسألة خطيرة، وإن الواجب على الإنسان أن يدرس ما قاله أهل العلم في هذه المسألة دراسة خالية من العاطفة، كلنا نحب أن تكون كلمة الله هي العليا والله تعالى يعلم ذلك، وكلنا يحب أن يكف الشر عن الأمة، لكننا نعلم جيدًا خطورة الوضع فيما إذا قيل: إن هذا الحاكم كافر وليس عندنا فيه من الله برهان.
فإذا وجدنا كفرًا بواحًا صريحًا واضحًا عندنا فيه من الله
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (٣٤١٤)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، حديث رقم (١٠٦٤) عن أبي سعيد.
[ ١ / ٤٣٧ ]
برهان، وطبقنا البرهان على الواقع وتبين أنه كفر، فهل يسوغ لنا أن نخرج على الإمام؟ حتى: لو قلنا: إنه يسوغ؛ فلا بد من شروط، أهمها: أن يكون لنا القدرة على إزاحته وأن ننظر ماذا يترتب على الخروج وفقًا للأصول العامة من الدين الإسلامي، أما أن نخرج عليه بدونها فلا يليق، وليس من الحكمة ولا من الشريعة. وهل أُمر المسلمون وهم مضطهدون في مكة أن يقاتِلوا؟ ما أمروا أن يقاتِلوا؛ لأنهم لا طاقة لهم بذلك، فإذا قدرنا أن هذا الحاكم كافر كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان كالشمس، ورأيناه يسجد للصنم، فهل نخرج عليه؟
الجواب: لا نخرج، ومسألة الخروج هذه لا تجوز إلا بشروط، فأين القدرة الآن من هؤلاء الذين يخرجون فئات وفئات؟ ثم يحصل من الشر العظيم ما هو معلوم للجميع، وهذه الفئات أيضًا لا تتسلط على الحكومة نفسها بل تتسلط على الشعب المسكين الأعزل الذي لا حول له ولا قوة، فيقتلون النساء والصبيان ويدمرون البلدان بحجة أنهم يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وهم بهذا الفعل ما حصلوا على المقصود ولا أثمروا ولا أنتجوا، إنما كان الضرر عظيمًا مستطيرًا، لذلك أكرر أن هذه المسألة من أخطر ما يكون في وقتنا الحاضر، فيجب وجوبًا مؤكدًا لازمًا التثبت في هذا الأمر والتاني والنظر بالحكمة وإدراك العواقب وفقًا للأصول العامة من الدين الإسلامي، والله المستعان وهو حسبنا أن يقينا شر الفتن ويصلح أحوال المسلمين.
* * *
[ ١ / ٤٣٨ ]