الفائدة الأولى: أن الله فرض على اليهود القصاص، لقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
لكن إذا قال قائل: كيف نقول ذلك وقد فسرنا قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ بأن المجني يعفو عن الجاني؟
نقول: نعم، فرض الله عليهم القصاص أو العفو مجانًا، يعني هذه الأمة رخص الله لها في القصاص والعفو مجانًا وأخذ الدية والمصالحة، كل هذا -والحمد لله- من سعة شريعة هذه
[ ١ / ٤٥٠ ]
الأمة، وقد ذكر بعض العلماء أن اليهود يفرض عليهم القصاص، فالقصاص فرض عليهم، والنصارى بالعكس العفو فرض عليهم حتى قيل: إن من أصول شريعتهم: أن من ضربك على الخد الأيمن فأدر له الخد الأيسر، ولا شك أن هذا فيه نوع من الإذلال، لكن على كل حال لا ندري عن صحة هذه المقالة، فالله أعلم، لكن يقال: إن اليهود يفرض عليهم القصاص بخلاف النصارى، والعلة واضحة؛ لأن اليهود عتاة طغاة بغاة، ولا يليق بهم إلا أن يقتل القاتل حتى يكون ذلك نكالًا.
الفائدة الثانية: قبح ما فعله بنو النضير مع بني قريظة، بنو النضير يرون أنهم أشراف اليهود، ولذلك إذا قتل النضيري قرظيًّا فإنه لا يقتل به، وإذا قتل القرظي نضيريًا فإنه يقتل به-سبحان الله- كلهم يهود لكن يقولون: بنو النضير أشرف وأفضل، وإذا قتل النضيري قرظيًّا فله نصف الدية إذا لم يقتص منه وإن كان العكس فله الدية كاملة، هكذا ذكر المفسرون في هذا الموضع، فبين الله تعالى أنهم جائرون بهذا الحكم وأن المكتوب عليهم في التوراة أن النفس بالنفس، فيكون المراد بالكَتْبِ هنا بيان كيفية القصاص لا وجوب القصاص، هذا الظاهر من السياق، وقيل: إن المراد أن الله فرض عليهم القصاص وأنهم إما أن يقتصوا وإما أن يعفوا.
الفائدة الثالثة: أن القصاص ثابت في النفوس ولو اختلف الناس في السن والطول والقصر والعلم والعقل والذكاء وغير ذلك، وجه ذلك: العموم، ولهذا لو أن رجلًا شابًا عالمًا كريمًا حسيبًا قتل طفلًا في المهد فإنه يقتل به؛ لأنه لا عبرة بالاختلاف في هذه الأشياء وذلك للعموم.
[ ١ / ٤٥١ ]
الفائدة الرابعة: جريان القصاص في الأعين، لقوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾.
الفائدة الخامسة: جريان القصاص بين الآناف، لقوله: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾.
الفائدة السادسة: جريان القصاص في الآذان، لقوله: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾.
الفائدة السابعة: جريان القصاص بين الأسنان، هذه أربعة أعضاء، وبقي أعضاء منها: اليدان، والرجلان، واللسان، وغيرها من الأعضاء، فهل الحكم فيها كالحكم في هذه الأعضاء؟
الجواب: نعم، الحكم فيها كالحكم في هذه بالقياس الجلي الواضح.
وإنما ذكر الله ﷿ هذه الأعضاء: العين والأنف والأذن والسن لأن اليهود يخالفون في القصاص في هذه الأعضاء، فنص عليها لوقوع المخالفة فيها، أقول: لعل ولا أجزم بهذا؛ لأن الله أعلم بما أراد في كتابه، لكن نعلم أن ما سواها من الأعضاء يكون مثلها، فمثلًا: الإصبع بالإصبع، فيؤخذ الخنصر بالخنصر والإبهام بالإبهام، وما بينهما كذلك، القدم بالقدم، والكف بالكف، والذراع بالذراع، وهلمَّ جرَّا.
لكن هل يشترط أن يكون القطع من مفصل أو لا يشترط؟
في هذا خلاف بين العلماء: منهم من قال: لا بد أن يكون القطع من مفصل، وإذا لم يكن من مفصل فلا قصاص مطلقًا، مثلًا: الذراع مفصله المرفق من جهة العضد، والكف من جهة اليد، فإذا قطع الجاني الذراع من النصف فالقطع الآن ليس من
[ ١ / ٤٥٢ ]
المفصل، فعلى قول من اشترط أن يكون القطع من مفصل لا يقطع، حتى لو قال المجني عليه: اقطعوا هذا الرجل من الكف وأنا عفوت عن الزائد، لا يُقطع لعدم توفر الشرط، حتى لو قال مثلًا: اقطعوا من الكف وأعطوني أرش الزائد أرضى بهذا، نقول: لا يُقطع، ولكن الصواب أن يقال: بل يقطع لوجوب القصاع، لكن بشرط: أن يمكن القصاص.
فإذا قال المجني عليه: اقطعوه من الكف والزائد أعطوني أرشه، نقول: له الحق في ذلك، ومن باب أولى إذا قال: اقطعوه من المفصل وأنا متنازل عن الزائد فإنه من باب أولى، ودليلنا في هذا الذي رجحناه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فمتى أمكن العدل وجب الأخذ به.
إذا قطع ذكر إنسان هل يقطع ذكره أم لا؟
الجواب: يقطع ذكره، لكن إذا قُدِّر أن المقطوع ذكره كان عقيمًا والقاطع سليم، هل يقطع أو لا؟ يقطع، نظيره أذن الأصم، لو أن شخصًا قطع أذن أصم وهو يسمع أي: القاطع فإنها تقطع أذنه؛ لأن نفس العضو هو العضو، والعقم شيء زائد بخلاف الأشل والصحيح، أنه لو قطع يدًا شلَّاء وهو سليم اليد فإنها لا تقطع يده لفوات المنفعة في اليد الشلاء وهي أمر مهم.
الفائدة الثامنة: أن جميع الجروح إذا أمكن الاقتصاص فيها فالحكم ثابت أعني القصاص، لعموم قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وكان السابقون من العلماء يقولون: إنه لا يمكن القصاص في الجروح إلا إذا انتهى الجرح إلى عظم، وهذا هو منتهى العلم في ذلك الوقت، لكن في وقتنا الحاضر يمكن أن يقتص من الجرح
[ ١ / ٤٥٣ ]
بما دون الشعرة في أي موضع كان، فإذا أمكن القصاص وجب القصاص، هذا هو العدل ودليلنا هذه الآية العظيمة وهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠].
لو قال قائل: غير الجروح هل يقتص فيها، كاللطمة والضربة بالعصا وما أشبه ذلك؟
اختلف في هذا العلماء: منهم من قال: إن اللاطم لا يلطم، لكن يؤخذ منه الحق العام، ويكون أمره إلى ولي الأمر يقدر ما يراه مانعًا من العدوان، وعللوا ذلك بأنه لا يمكن القصاص في اللطمة؛ لأن ربطها بالشدة والقوة أو بالعكس صعب جدًّا، وأيضًا ربما يكون المجني عليه يده كبيرة، وذاك يده صغيرة، فلما ضرب المجني عليه أصابت الضربة نصف خده، والثاني يده كبيرة إذا ضربه تحيط يده بكل الخد فيختلف الحكم، يعني: أنه لا يمكن القصاص، لكن بعض العلماء يقول: إن القصاص ممكن؛ لأن الإنسان في مسألة الضربة واللطمة وما أشبه ذلك لا يريد مجرد القصاص بل يريد أن يتشفى بما يصيب ضاربه من الألم، وإنما يريد أن يتشفى بما يصيبه من الإذلال والإهانة، ولهذا لو كانت المسألة من باب المزح وضربه على وجهه بقوة فلن يطلب القصاص لكن إذا كانت المسألة من باب المغالبة فلا شك أن في اللطمة إذلالًا، فيقول: أنا لا تهمني اللطمة غاية ما هنالك أنه تَفَرَّغ الدم ثم رجع؛ لأن الدم من شدة الضربة يتفرغ حتى يكون محل الضربة أبيض أحيانًا، لكن الذي يهمني أنه أذلني فأنا أريد أن أذله، فعلى كل حال في هذه الحال ينبغي أن ينظر إلى رأي القاضي، والقاضي إذا رأى أن في إهانة المعتدي ولو بضربة خفيفة نوع من التشفي فليفعل.
[ ١ / ٤٥٤ ]
كذلك أيضًا بالنسبة للضربة بالعصا، هل يقتص منها؟ نقول: أما بالعصا التي ضربه بها فهذا يمكن لكن يبقى النظر في شدة الضربة، فقد يضربه بسوط دقيق ثم يأتي بخشبة يريد أن يقتص، هذا لا يمكن، يبقى النظر فيما إذا ضربه بمثل ما ضربه به، فهل يمكن القصاص أو لا يمكن؟ ينبني هذا على ما سبق، أنه ليس المهم أن يضربه بما يؤذيه، أو ما أشبه ذلك، المهم أن يذله.
ويمكن أن نتعرض أيضًا لمسألة الثوب، لو شق ثوب إنسان هل يقتص منه بشق ثوبه؟ هذه فيها خلاف أيضًا، من العلماء من يقول: إذا شق ثوبه ضمنه إما بالمثل وإما بالقيمة، إن أتلفه حتى لا يستفاد منه فبالمثل إلا على المذهب كما تقدم، وإن شقه شقًّا يمكن الانتفاع مع وجوده فإنه يُقَوَّم، والذين قالوا: بالقصاص في مثل الضربة واللطمة وشق الثوب، استدلوا بالعموم أي: عموم الآيات: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، والذين منعوا قالوا: إن هذا لا يمكن فيه القصاص؛ لأنه صعب التقدير، إذا قلنا بالقول الراجح: أنه يجوز أن يشق ثوبه كما شق ثوبه، فهنا سؤالان:
السؤال الأول: إذا اختلف الثوبان بأن كان أحدهما جديد والثاني قديم، أو كلاهما جديد أو أحدهما من النوع الجيد والثاني من النوع الرديء هل يفعل؟ هذا يرجع إلى ما ذكرنا، هل الذي طلب القصاص أراد المبادلة والمعاوضة، أو أراد إذلال الذي شق ثوبه؟ الغالب أنه الثاني وبناء على ذلك نقول: له أن يشق ثوبه ولو كان ثوب الجاني أعلى من ثوب المجني عليه قدرًا ووصفًا.
[ ١ / ٤٥٥ ]
السؤال الثاني: إذا قلنا بذلك، فهل يقدر بالمساحة أم بالنسبة؟ والفرق بين النسبة والمساحة لو كان الجاني ثوبه طويل والمجني عليه ثوبه قصير، وشق منه مقدار إصبع لو قلنا بالمساحة الذي ثوبه قصير الإصبع يأخذ منه مساحة، وذاك يكون قليلًا، إذًا: نقول: لا بد أن تكون بالنسبة؛ لأننا لو قلنا بالمساحة لم نتمكن من المماثلة.
الفائدة التاسعة: الحث على تسليم الجاني نفسه للمجني عليه، أو لأوليائه إن كان بالقتل لقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾.
الفائدة العاشرة: الحث على العفو عن الجاني، لقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾.
الفائدة الحادية عشرة: حث الجاني على تسليم نفسه وأن ذلك يكون كفارة له.
فإن قال قائل: تسليم نفسه كفارة له باعتبار حق أولياء المقتول، فما الحكم بالنسبة لحق المقتول الذي قطع عليه القاتل حياته؟
الجواب: إذا علم الله صدق توبة القاتل فإن الله سبحانه وتعالي يتحمل عنه حق المقتول فيرضيه.
الفائدة الثانية عشرة: أن من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم، لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
الفائدة الثالثة عشرة: أن من لم يعلم حكم الله فحكم جهلًا منه فليس بظالم، لكن يقال: يجب عليه إذا علم أن يرجع إلى الحق وبحكم بما أنزل الله.
[ ١ / ٤٥٦ ]