الفائدة الأولى: تحريم ما ذكر من أنواع البهائم، لقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾.
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في الحفار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان، حديث رقم (٣٢٠٧)، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب في النهي عن كسر عظام الميت، حديث رقم (١٦١٦)، وأحمد في المسند (٦/ ١٠٠) (٢٤٧٣٠) عن عائشة.
[ ١ / ٤٦ ]
الفائدة الثانية: حكمة الله ﷿ فيما أحل لنا من الحلال وما حرم علينا من الحرام؛ لأنه ثبت طبًّا أن هذه الأشياء المحرمة ضارة، ولأجل ضررها حرمها الله.
الفائدة الثالثة والرابعة: تحريم الميتة إلا ما استثني، وتحريم الدم إلا ما استثني.
الفائدة الخامسة والسادسة: تحريم لحم الخنزير، وهل يلحق بذلك شحمه؟
الجواب: نعم بالإجماع، حتى الظاهرية يقولون: إن شحم الخنزير حرام؛ لأن اللحم عند الإطلاق يشمل جميع أجزاء البهيمة، أما لو قيل: لحم وشحم فإنه يفرق بينهما، فإذا قيل: لحم الإبل أو لحم الضأن أو لحم البقر أو لحم الخنزير صار شاملًا للجميع.
ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة أخرى وهي: أن لحم الإبل ينقض الوضوء، سواء كان اللحم الأحمر أو الأبيض أو من الأمعاء أو من الكرش، أو من أي جزء من أجزاء البدن، وهذا هو القول الراجح.
الفائدة السابعة: تعظيم الشرك، وأنه يؤثر حتى على المأكولات، لقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
الفائدة الثامنة: تحريم ما أهل لغير الله به سواء أهل باسم ملك أو نبي أو رئيس أو وطن أو غير ذلك؛ لعموم قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
الفائدة التاسعة: تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع.
[ ١ / ٤٧ ]
الفائدة العاشرة: أن ما أدرك حيًّا ولم يمت من هذه الأشياء فإنه يكون حلالًا، لقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وسبق في التفسير متى يدرك وهل لا بد من حركته بيده أو رجله أو ذنبه أو عينه؟ وبينَّا أن القول الراجح أنه: إذا خرج منه الدم الأحمر السيال فهو حي.
الفائدة الحادية عشرة: تأثير النية في العمل، لقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ أي: للأصنام فإنه يكون حرامًا حتى ولو ذى اسم الله عليه، وذلك لتأثير النية وأن النية تؤثر حتى في حل الشيء وتحريمه.
الفائدة الثانية عشرة: تحريم الاستقسام بالأزلام، وهل يدخل في ذلك الاستقسام بغيرها؟
الجواب: نعم؛ لأنه مبني على وَهْمِ وليس على حقيقة، لكنَّ الله أبدل العباد بالاستخارة، وأما الاستقسام بأي شيء فإنه لا يجوز، فلو أراد إنسان أن يستقسم فقال: إن ظهر على رجل بالغ سافرت، وإن ظهر عليّ صبي صغير لم أسافر، وما أشبه ذلك من الاستقسامات فهذا حرام ولا يجوز.
لو قال قائل: ما الفرق بين الاستقسام والتطير والقرعة؟
التطير يحصل بغير إرادة الإنسان، وأما الاستقسام بالأزلام فيحصل بفعل الإنسان، مثال التطير: إذا رأى طيرًا اتجه عند طيرانه إلى جهة اليمين أو اليسار تطير، وعزم على الفعل أو على الترك، لكن الاستقسام يكون من فعله هو نفسه.
مثاله: اختلف صديقان هل يذهبان أم لا، وعندهم قطعة نقود حديدية فقالا: إن خرج هذا الوجه من العملة ذهبنا وإلا فلا، هذا من الاستقسام، فالمستقسم هو الذي جعل هذا الشيء سببًا، ففرق بين ما يُفعل بلا قصد وبين ما يفعل بقصد.
[ ١ / ٤٨ ]
وأما القرعة فتكون في حق من الحقوق لا في الإيرادات، والمضي والرجوع.
الفائدة الثالثة عشرة: الإشارة إلى أن الاستقسام بالأزلام فسق، والغرض من ذلك التنفير منه.
الفائدة الرابعة عشرة: أن من استقسم بالأزلام سقطت ولايته وإمامته وعدالته؛ لأن الفاسق تسقط ولايته ولا يؤم ولا يكون عدلًا، فكل ما تشترط فيه العدالة فإن من استقسم بالأزلام لا يتولاه، لكن في مسألة الإمامة على القول الراجح لا بأس أن نصلي خلف إمام فاسق، لكن عندما نريد أن نقدم من يصلي لا نقدم إنسانًا فاسقًا، لكن لنفرض أنه قد جمعك الحضور بين رجل حالق اللحية ورجل آخر غير حالق اللحية وأنت أيضًا غير حالق اللحية، فتقدم الحالق، هل من الحكمة أن تقول: تأخر؟
الجواب: لا، لما في ذلك من الشر والفساد، إلا إذا علمت أنك إذا فعلت فإنه سوف يتوب ويقلع فنعم، وإلا فلا تفعل، صلِّ وراءه، وفسقه على نفسه.
الفائدة الخامسة عشرة: أن المشركين أيسوا من تغيير الناس عن دينهم، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ ونظير هذا قول النبي - ﷺ -: "إن الشيطان يئس أن يعبد في جزيرة العرب" (^١).
ويرد على هذا إشكال وهو أن الشرك وقع، فيقال: إن هذا
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس، حديث رقم (٢٨١٢) عن جابر بن عبد الله الأنصاري.
[ ١ / ٤٩ ]
خبر عما كان في نفوس هؤلاء الكفار ولا يلزم أن يقع ما كان في نفوسهم بل قد تتغير الحال.
الفائدة السادسة عشرة: تحريم خشية الكفار التي يترتب عليها المداهنة في دين الله، لقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾.
الفائدة السابعة عشرة: بيان نعمة الله على هذه الأمة -وله الحمد والمنة- بإكمال الدين لقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
الفائدة الثامنة عشرة: شرف ذلك اليوم الذي أُكمل فيه الدين؛ لأنه لولا ذلك لم يكن لقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فائدة، لكن فيه الإشارة إلى شرف ذلك اليوم، ولكن هل نُشَرِّفُ ذلك اليوم بما لم يشرفه الله؟
الجواب: لا، ولكننا نقتصر على ما جاء في شرفه، ولهذا لما قال أحد اليهود لعمر بن الخطاب ﵁: إن الله أنزل آية لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، وتلا الآية، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فقال عمر ﵁: إني أعلم متى نزلت على رسول الله - ﷺ -، وذكر أنها نزلت يوم الجمعة في يوم عرفة (^١)، ولكن الشأن كل الشأن أن لا نعظم ذلك اليوم بأكثر مما جاء، وإنما قلت ذلك درءًا لقول من قال: إنه ينبغي أن نشرف اليوم الذي ولد فيه الرسول ﵊، لأن النبي - ﷺ - لما سئل عن صوم يوم الاثنين قال: "ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب حجة الوداع، حديث رقم (٤١٤٥)، ومسلم، كتاب التفسير، حديث رقم (٣٠١٧) عن عمر بن الخطاب.
[ ١ / ٥٠ ]
أو أنزل عليّ فيه" (^١) قال: فكونه نص على أنه ولد فيه يدل على أن له شرفًا.
فيقال: الشَرَف يتلقى من الشرع، والنبي ﵊ لم يذكر شرف اليوم الذي ولد فيه بوقته من الشهر، بل ذكر شرفه بوقته من الأسبوع، وهناك فرق بين هذا وذاك، وأيضًا لم يثبت أن الرسول ﵊ ولد في اليوم الثاني عشر، وبعض المحققين المعاصرين ذكر أن ولادته في اليوم التاسع.
ثانيًا: أن الشرف الذي يعطى لهذا اليوم الذي أنزل فيه القرآن على الرسول - ﷺ - وولد فيه هو الصوم فقط، وبهذا جاءت السنة، وما سوى ذلك فلا، فلو أن أحدًا أراد أن يكثر الصلاة في يوم الإثنين بناءً على أنه اليوم الذي ولد فيه الرسول ﵊ وبحث فيه لقلنا: هذا خطأ.
الفائدة التاسعة عشرة: أن تمسكنا بالدين يجب أن نكون فخورين به لقوله: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فأضافه الله إلينا لنفخر به ونعتز به وندافع عنه، وبالنسبة لحال الناس اليوم كثير من المسلمين مع الأسف عكس ذلك، بل كثير من المسلمين يستحي أن يقول: إنه مسلم، وهذا ذل عظيم.
الفائدة العشرون والحادية والعشرون: أن الله ﷿ تفضل على عباده بإتمام النعمة، لقوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة، وعاشوراء، والاثنين، حديث رقم (١١٦٢) عن أبي قتادة الأنصاري.
[ ١ / ٥١ ]
ويتفرع على ذلك أنه ﷿ يثني على نفسه بما أنعم به من أجل أن يتحبب لعباده بنعمه، ولهذا جاء في الحديث: "أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم" (^١) وهذا هو الموافق للفطرة، أن أي إنسان يحسن إليك فإنك سوف تحبه، هذا وهو مخلوق مثلك فكيف بالخالق ﷿.
الفائدة الثانية والعشرون: أن ما خالف ما جاءت به الشريعة فهو غير مرضي عند الله ولا مقبول، لقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وهذا يشمل الدين كله الأصول والفروع التي تكون بزعم الفاعل من الدين، فمثلًا: هل رضي الله لعباده الكفر؟ الجواب: لا، وهل رضي لعباده أن يبتدعوا فيم دينه ما ليس منه؟ الجواب: لا، فقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ يعني: بأصوله وفروعه وجملته وجزئه.
الفائدة الثالثة والعشرون: رحمة الله ﷿ بعباده حيث أباح لهم المحرم عند الضرورة، وهناك آية تعتبر قاعدة في جميع المحرمات وهي قوله ﵎: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] هذه الآية التي تلوتها أخيرًا أعم؛ لأن الآية التي في سورة المائدة ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي: إلى ما ذُكِرَ، وليأكل منها، وأما قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فهو عام شامل.
بقي أن يقال: لو اضطر الإنسان إلى شرب الخمر للعطش.
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أهل النبي - ﷺ -، حديث رقم (٣٧٨٩)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٦٢) (٤٧١٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٨١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٦٦) (٤٠٨) عن ابن عباس.
[ ١ / ٥٢ ]
نقول: إن اندفعت ضرورته بذلك فلا بأس؛ لأن الآية ليس فيها استثناء، لكن العلماء يقولون: إنه لا يمكن أن تندفع ضرورته بشرب الخمر؛ لأنه لا يزيده إلا حرقانًا وعطشًا، ولذلك لو اضطر إلى دفع لقمة غَصَّ بها وعنده كأس من الخمر فهنا يجوز أن يشرب ما يدفع به اللقمة، لأنَّ الضرورة تندفع به.
لو قال قائل: ما الفرق بين الضرورة والحاجة؟
الجواب: الحاجة من باب الكماليات، والضرورة من باب دفع الضرر، مثال ذلك: إنسان عليه ثوب يقيه البرد ولو خلعه لضره البرد، فلبس عليه ثوبًا آخر هو بالنسبة للثوب الأول حاجة والأول ضرورة؛ لأنه إذا لم يلبسه تضرر من البرد، والفرق بينهما ظاهر، المهم أنه لا يبيح المحرمات إلا الضرورة، وأما المكروهات فتبيحها الحاجة.
لو قال قائل: بعض الأصوليين يفرقون فيقولون: ما كان حرامًا لذاته لا يجوز ارتكابه إلا للضرورة، وما كان حرامًا لغيره يجوز للحاجة، ما رأيكم في هذا التوجيه؟
الجواب: ليس بصحيح؛ لأن ما حُرِّمَ لغيره كالذي يحرم لذاته بالنسبة لوجوب تجنبه.
الفائدة الرابعة والعشرون: إعمال النية وتأثيرها في الأعمال، لقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾.
الفائدة الخامسة والعشرون: أنه يجب التحرز في انتهاك المحرم، وألا تغلبه نفسه وهواه حتى يتجانف، يعني: يميل إلى الإثم، بل عليه أن يتحرى، وهل يؤخذ من الآية الكريمة أنه لا يجوز أن يأكل من الميتة وما ذُكِرَ في الآية إلا بقدر ما يسد الرمق أو له أن يشبع؟
[ ١ / ٥٣ ]
الجواب: الأول، إلا إذا علم أنه لن يجد ما يأكله، وليس معه ما يحمل الميتة فيه، فحينئذٍ يضطر إلى أن يشبع ويحمل معه في معدته، معها سقاؤها وحذاؤها، لكن إذا كان يعلم أنه سيصل إلى ما يأكله قبل أن تدركه الضرورة مرة أخرى، فلا يجوز أن يأكل أكثر من ضرورته.
الفائدة السادسة والعشرون: أخذ الأحكام من أسماء الله ﷿، وذلك لأن أسماء الله ولا سيما المتعدية لا بد أن يكون لها أثر، وقد تقدم أن الاسم المتعدي لا يتم الإيمان به إلا بإثبات اسمًا من أسماء الله وإثبات ما تضمنه من صفة، وإثبات الأثر، وجه ذلك قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
والعلماء ﵏ يأخذون الأحكام من مثل هذا التعبير، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤] يعني: إذا تاب قطاع الطريق قبل القدرة عليهم سقط عنهم الحد.
ويذكر أن أحد الأعراب سمع قارئًا يقرأ قول الله تعالي: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال الأعرابي: أخطأت، أعد الآية، فأعادها وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال: أخطأت أعدها، فأعادها فأدركها في المرة الثالثة وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨] قال: الآن أصبت؛ لأنه عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع. انظر إلى الفهم، وهذا لا شك فيه.
[ ١ / ٥٤ ]