الفائدة الأولى: أن عيسى ﵊ آخر الأنبياء، لقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وليس بعده نبي يقفوه إلا محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي ﵊.
الفائدة الثانية: أن من ليس له أب ينسب إلى أمه؛ لأن الله تعالى ينسب عيسى ابن مريم إلى أمه؛ لأنه ليس له أب.
فإن قال قائل: ما مثال الذي ليس له أب؟
قلنا: له أمثلة منها أن يزني رجل بامرأة فتأتي منه بولد، فهنا الولد ليس للزاني، لقول النبي -ﷺ-: "وللعاهر الحجر" (^١) فلا ينسب إلى الزاني ولا يرث منه ولا يرثه الزاني ولا يتحمل عنه العقل ولا غير ذلك، المهم أن هذا ليس له أب.
ومنها: أن يلاعن الرجل امرأته لاتهامه إياها بالزنا وينتفي من ولدها، فيقول: ليس الولد مني، فحينئذٍ يكون له أم، وليس له أب.
واختلف العلماء ﵏ فيما لو استلحق الزاني الولد المخلوق من مائه وليس له معارض هل يلحق به أو لا؟ فمنهم من قال: إنه لا يلحق به، لعموم قوله -ﷺ-: "وللعاهر الحجر" (^٢) ومنهم من قال: بل يلحق به إذا لم يكن له منازع؛ لأنه ولده
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب للعاهر الحجر، حديث رقم (٦٤٣٢)، ومسلم، كتاب الرضاع، باب الولد للفراش وتوقي الشبهات، حديث رقم (١٤٥٧) عن عائشة.
(٢) تقدم الحديث السابق.
[ ١ / ٤٦٠ ]
قدرًا وليس له منازع شرعًا، فيلحق به شرعًا كما هو منه قدرًا، وهذا هو القول الراجح، ولا ينافي هذا قول النبي-صلي الله عليه وسلم-: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (^١)؛ لأنه حديث صريح في أن هناك نزاعًا بين صاحب الفراش والزاني، ولهذا قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (^٢) فإذا كانت امرأة بكرًا زنا بها رجل هل هناك فراش؟
الجواب: لا، ليس هناك فراش، وإذا لم يكن هناك فراش واستلحق الولد الزاني فإنه لا مانع من إلحاقه به، لكن جمهور العلماء على أن ولد الزنا لا يلحق الزاني ولو استلحقه، وكما تقدم أنهم استدلوا بعموم قوله: "وللعاهر الحجر" (^٣).
والقول الثاني: أنه إذا استلحقه الزاني ولا معارض له فإنه يلحقه، وأجيب عن هذا الحديث بأن الحديث ظاهر في أنه عند التنازع يكون الولد للفراش وللعاهر الحجر.
الفائدة الثالثة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يصدق بعضهم بعضًا، لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾.
الفائدة الرابعة: ثبوت نزول التوراة وأنها حق؛ لأنه شهد بها أحد الرسل أولي العزم بأنها حق.
الفائدة الخامسة: أن عيسى ﵊ أُنزل عليه الكتاب وهو الإنجيل، وهو صريح قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤].
_________________
(١) تقدم الحديث السابق.
(٢) تقدم ص ٤٦٠.
(٣) تقدم ص ٤٦٠.
[ ١ / ٤٦١ ]
فإن قال قائل: هل الإنجيل الموجود الآن في أيدي النصارى هو الإنجيل الذي نزل على عيسى؟
الجواب: لا، فيه وفيه؛ لأن النصارى وكذا اليهود وهم أخبث من النصارى في الجرأة على الله حرفوا التوراة والإنجيل، وكما قال ﷿: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]، وعلى هذا فيجب التحري في نسبة التوراة الموجودة في أيدي اليهود اليوم والإنجيل الموجود في أيدي النصارى اليوم، يجب التحرز وأن يقال: ليس كل ما فيهما حق، بل فيهما ما هو محرف وما هو منقوص وربما يكون فيهما ما هو مزيد.
الفائدة السادسة: أن في الإنجيل هدى ونور، لقوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾، وهو كذلك، ومن الهدى والنور الذي فيه: أن فيه وصف النبي -صلي الله عليه وسلم-، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وأن النبي عيسى ﵊ بشر بمحمد -ﷺ- وهذا من الهدى والنور.
الفائدة السابعة: أن الكتب الإلهية يصدق بعضها بعضًا، لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾.
الفائدة الثامنة: التنويه بعظمة التوراة وفضلها وشرفها؛ لأنه ذُكر في هذه الآية: أن عيسى مصدقًا لما بين يديه من التوراة وأن الإنجيل أيضًا مصدق لما بين يديه من التوراة.
الفائدة التاسعة: أن في الإنجيل من العلم والموعظة ما ينتفع به المتقون، لقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
[ ١ / ٤٦٢ ]