الفائدة الأولى: إثبات أن القرآن كلام الله، لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾ وجه ذلك: أن الضمير يعود على الله جلَّ وعلا، والمنزل كلام يفيد أن القرآن كلام الله.
[ ١ / ٤٧٣ ]
الفائدة الثانية: إثبات علو الله، لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾ والإنزال لا يكون إلا من أعلى.
الفائدة الثالثة: الثناء على القرآن، لقوله: ﴿الْحَقِّ﴾ لأن القرآن حق ونازل بالحق، وأيضًا القرآن كله علم قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] أي: قبل أن ينزل عليه الوحي، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] فالقرآن علم وحق.
الفائدة الرابعة: المنقبة العظيمة للرسول ﵊، لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [البقرة ٩٩] وهذا يفسره قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤].
الفائدة الخامسة: أن القرآن مصدق لجميع الكتب، لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ والتصديق به على وجهين: الأول: كونه شاهدًا بصدق الكتب المنزلة السابقة، ومصدقًا لما أخبرت به من نزول القرآن.
لو قال قائل: بعض البلاد تدرس في جامعاتها علم يسمى بعلم الأديان، والمتخصص فيه يكون على علم بالشريعة الإسلامية وعلى علم بغيرها من الشرائع كاليهودية والنصرانية، فإذا سئل المتخصص -في تلك البلاد التي يوجد قيها نصارى أو يهود- عن حكم من أحكام شريعة هؤلاء السائلين ونفرض أنهم يهود أو نصارى، فهل يجيبهم ويكون بذلك أفتاهم في دينهم، أم يجب أن يقول لهم: هذه الفتوى غير صحيحة؟
الجواب: سيأتينا إن شاء الله أنه إذا رفع إلينا فإننا نحكم
[ ١ / ٤٧٤ ]
بما أنزل الله؛ لأن الحكم الذي هم عليه منسوخ غير مرضي عند الله ﷿ حتى بالإخبار؛ لأنك إذا أخبرتهم حكمت لهم.
الفائدة السادسة: أن جميع ما في القرآن حق، إن كان خبرًا فهو صدق، وإن كان قصصًا فهو نافع، وإن كان أحكامًا فهو عدل.
الفائدة السابعة: أن القرآن ناسخ لما قبله من الكتب، لقوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
الفائدة الثامنة: وجوب الحكم بما أنزل الله في القرآن إذا تحاكم إلينا أهل الكتاب، لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وهذا الخطاب للنبي -ﷺ- لكن يشمل الأمة.
الفائدة التاسعة: النهي عن اتباع أهواء أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، لقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
الفائدة العاشرة: أن مخالفة أهل الكتاب لما جاء به محمد -ﷺ- لم تُبْنَ على دليل صحيح ولا على عقل رجيح، وإنما بنيت على هوىً باطل، لقوله. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
الفائدة الحادية عشرة: أنه ينبغي لمن نهى عن شيء قبيح أن يبيِّن قبحه وأن ينقل الناس إلى ما هو خير منه، لقوله: ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ فكأنه قال: لا تتبع أهواءهم واتبع ما جاءك من الحق.
الفائدة الثانية عشرة: أنه يجب على المسلمين أن تكون لهم شخصية قائمة لا يتابعون الناس فيكونون أذنابًا لأعداء الله، بل يجب أن تكون لهم شخصية قائمة بعزة الإسلام، لقوله: ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.
الفائدة الثالثة عشرة: أن ما جاء به الرسول -ﷺ- فهو حق.
[ ١ / ٤٧٥ ]
الفائدة الرابعة عشرة: أن الله ﷾ نَوَّع الشرائع بحسب الأمم، لقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾.
وسبق في التفسير أن المصالح تختلف باختلاف أحوال الناس واختلاف أزمانهم واختلاف أمكنتهم، وهل هذا يكون بالنسبة للشريعة الإسلامية، بأن يكون الله قد جعل لكل حال حكمًا، أشرنا في التفسير إلى ذلك وقلنا: حتى الشريعة الإسلامية تختلف أحكامها بحسب الأزمان والأمكنة والأحوال، وذكرنا لذلك أمثلة: منها قوله -ﷺ-: "صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب" (^١)، أدِّ الزكاة إن كان عندك مال زكوي وإلا فلا شيء عليك، حجَّ البيت إن استطعت وإلا فلا شيء عليك، صم إن استطعت وإن عجزت عجزًا مستمرًا فاطعم، وهلمَّ جرّا، الحاصل أن الشريعة الإسلامية نفسها تختلف باختلاف الأحوال.
الفائدة الخامسة عشرة: أن الناس يختلفون في المنهج في استقبال هذه الشرائع، لقوله: ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ فمنهم كافر ومنهم مؤمن.
الفائدة السادسة عشرة: عموم قدرة الله جلَّ وعلا وأن بيده الأمور الشرعية والكونية، لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني: على ملة واحدة، ولكنه ﷾ له الحكمة البالغة فيما قدر وشرع.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب، حديث رقم (١٠٦٦) عن عمران بن الحصين ﵁.
[ ١ / ٤٧٦ ]
الفائدة السابعة عشرة: الرد على القدرية وذلك بأن جعلهم أمة واحدة يعني: على دين واحد، وهذا يقتضي أن يكون تدينهم لله بمشيئته.
الفائدة الثامنة عشرة: أن الشراع ابتلاء من الله ﷾، أي: اختبار، وليست ابتلاء من البلاء بل من الاختبار، لقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ فالشرائع للابتلاء، قال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] فتبين بهذا أن شرائع الله وأحكام الله القدرية كلها ابتلاء.
الفائدة التاسعة عشرة: الحث على السبق للخير، لقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ يعني: خذوا بها أيكم أسبق.
فإن قال قائل: المنافسة في الخيرات ألا تستوجب الحسد، بمعنى: أن يكره الإنسان أن يسبقه أحد؟
الجواب: لا؛ لأن كراهة أن يسبقك أحد لا تستلزم أن تكره إذا مَنَّ الله على أحد فسبقك، والحسد: أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على الغير.
الفائدة العشرون: أن المرجع إلى الله ﵎ شرعًا وقدرًا لقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فالمرجع إلى الله شرعًا هو الذي يحكم بيننا، وقدرًا فإن الأمر كما قال الله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [لغاشية: ٢٥ - ٢٦].
الفائدة الحادية والعشرون: عموم علم الله ﵎ لأفعال العباد، لقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
فإن قال قائل: وهل الحكم للكافرين على المؤمنين أو للمؤمنين على الكافرين؟
[ ١ / ٤٧٧ ]