الفائدة الأولى: وجوب الحكم بما أنزل الله عند تحاكم أهل الكتاب إلينا، لقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ حتى وإن كان عندهم قوانين تخالف الحكم الشرعي فإننا لا نرجع إليها، حتى وإن أقاموا الدنيا ضدنا فإننا لا نهتم بهم، ما دمنا على صراط مستقيم، فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
الفائدة الثانية: النهي عن اتباع أهواء الكافرين أيًّا كانت.
لكن إذا قال قائل: إذا كان ما ذكروه مطابقًا للشريعة، فهل نتركه لأنهم يفعلونه أو نأخذ به لأنه شريعة؟
الجواب الثاني: لا شك في ذلك، من ذلك وهو مثل عجيب، بعض الناس لما سمع قول الرسول ﵊: "خالفوا المجوس والمشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب" (^١) قالوا: إن أحبار ورهبان النصارى واليهود الآن مطلقون لحاهم، فكان مقتضى الحديث في قوله: "خالفوا": أن نحلق اللحية لأنهم يعفون لحاهم؟
فيقال في الجواب: إنهم الآن يطلقون لحاهم وفقًا للفطرة لا تقليدًا لنا، وإذا كانوا يطلقونها وفقًا للفطرة فإننا نحن نطلقها وفقًا للفطرة واتباعًا للسنة والشريعة.
الفائدة الثالثة: وجوب الحذر من اليهود والنصارى وغيرهم، لقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب اللباس، باب تقليم الأظفار، حديث رقم (٥٥٥٣)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، حديث رقم (٢٥٩) عن ابن عمر.
[ ١ / ٤٨١ ]
الفائدة الرابعة: الإشارة إلى أن من أكبر غايات اليهود والنصارى أن يفتنوا المسلمين عما أنزل الله إليهم، وإذا كان الله تعالى قد تكلم في هذا في عهد الرسول -ﷺ- فالأمر في وقتنا أشد؛ لأنهم الآن يرون أنهم أقوى منا في المادة الحسية، فيكون حرصهم على صدنا عن سبيل الله أشد.
الفائدة الخامسة: أنه إذا كان هذا الخطاب موجهًا إلى رسول الله -ﷺ- المؤيد بالوحي الذي أعطاه الله ﷿ من القوة والعزيمة في دين الله ما لا يعطى غيره، فما بالك بغيره، وما بالك بمن كان في زمننا الآن، فيجب الحذر، واسمع إلى قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾ [الإسراء: ٧٣]، لو فعلت صرت أنت خليلهم وصديقهم، وقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ [الإسراء: ٧٤]، لولا أن الله ثبته، ونسال الله الثبات، لكان يركن إليهم شيئًا قليلًا، ولو ركن إليهم شيئًا قليلًا: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ٧٥﴾ [الإسراء: ٧٥]، والمخاطب رسول الله ﵊، فما بالك بمن دونه يكون الحذر منهم أشد وأشد.
الفائدة السادسة: أن الذنوب لها آثار سيئة، من أعظمها التولي عن دين الله وعما أنزل الله، فالإنسان كلما عصى الله ابتعد عن قبول الوحي والشريعة، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ ولهذا قال بعض السلف: من حُرِمَ قيام الليل فإنما ذلك لذنب أصابه، فإذا رأيت من نفسك إعراضًا عن شيء من دين الله أو رأيت إعراضًا عن كتاب الله ﷿، إما عن تلاوته اللفظية أو تلاوته المعنوية أو تلاوته العملية فإنه يجب
[ ١ / ٤٨٢ ]
عليك أن تعالج نفسك، واعلم أن سبب هذا الإعراض هو المعاصي، وأن هناك ذنبًا انبنى عليه هذا الإعراض، والآية صريحة في ذلك: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ فاستغفر الله للنتيجة والسبب.
وعلى هذا فمن وجد في نفسه إعراضًا عن طاعات كان يفعلها فليكثر من الاستغفار، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وله أن يكثر من الصلاة إن رأى أن الصلاة توجب رجوعه إلى الحق وانتهائه، فالصلاة لا شك مكفرة وتنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن أهم شيء الاستغفار.
الفائدة السابعة: أن كثيرًا من الناس خارجون عن دين الله بالفسوق، لقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾، وهل المراد بالناس هنا أهل الكتاب أو العموم؟
إن قلنا: إنهم أهل الكتاب خف الإشكال، وإن قلنا بالعموم؛ صار هناك إشكال؛ لأن أكثر الناس فاسقون فسقًا موجبًا لدخول النار، ودليل ذلك ما ثبت عن النبي -صلي الله عليه وسلم-: "أن الله يقول يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج من ذريتك بعث النار، فيقول: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة" (^١) جعلنا الله منهم، وإلى هذا يشير ابن القيم في النونية بقوله:
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، حديث رقم (٣١٧٠)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب قول الله تعالى لآدم: "أخرج بعث النار"، حديث رقم (٢٢٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١ / ٤٨٣ ]
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد لا اثنان
ما ينالها من بني آدم من الألف إلا واحد فقط لا اثنان، فهذا الحديث يدل على أن أكثر الناس فاسقون، وأنه لا نسبة بين الصالح والفاسق، وهذا مما يرجح أن يكون المراد بالناس أهل الكتاب، فإذا نظرنا إلى اللفظ قلنا: هو عام، وإن نظرنا إلى هذا الحديث، قلنا: لا بد أن نحمله على الخصوص، لكن ماذا كان شعور الصحابة لما قال: "إن أهل النار تسعمائة وتسعة وتسعون؟ " قالوا: يا رسول الله أين ذلك الواحد؟ فقال لهم: "أبشروا فإنكم في أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، يأجوج ومأجوج، منكم واحد ومنهم ألف، ثم قال لهم: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة، شطر أهل الجنة فكبروا بذلك فرحًا" (^١)، اللهم لك الحمد، ولهذا أكثر أهل الجنة صالحو هذه الأمة، حتى إنه جاء في السنن أو في المسند أن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا منهم ثمانون من هذه الأمة (^٢)، فتكون النسبة الثلثين.
الفائدة الثامنة: الحذر الشديد من موافقة الكفار، وليت أمة الإسلام اليوم تنتبه لهذا الأمر، حتى لا تلهث وراء المادة ووراء أهل المادة، فلو اجتمعت الأمة الإسلامية على هذا المنهاج لسادت العالم، لكن عندها ضعف في الشخصية وضعف في الإيمان فانحدرت إلى ما ترون، فنسأل الله تعالى أن يعلي كلمته وأن يعز دينه إنه على كل شيء قدير.
_________________
(١) الحديث السابق.
(٢) رواه الطبراني في الكبير (١٤/ ٣٥٣) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده (١/ ٣٧٧).
[ ١ / ٤٨٤ ]