الفائدة الأولى: الإنكار الشديد على من بغى حكم غير الله، لقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾.
الفائدة الثانية: أن هؤلاء القوم على عجب عظيم أن يبتغوا حكم الجاهلية ويَدَعوا حكم الله الصادر عن علم وحكمة ورحمة.
الفائدة الثالثة: أن كل حكم مخالفٍ لحكم الله فهو حكم جاهلي، وبناءً على ذلك يصح أن نصف الأحكام المخالفة لحكم الله -في وقتنا الحاضر- بجاهلية القرن الخامس عشر.
وقلنا: الخامس عشر لأننا نعتمد التاريخ الهجري دون غيره. ولا شك أن تلك الأحكام والقوانين المخالفة للشريعة توصف بجاهلية هذا القرن شاء أصحابها أم أبوا.
الفائدة الرابعة: أن حكم الله أحسن الأحكام، لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ ويترتب على هذا، أن الإنسان إذا آمن بأن
[ ١ / ٤٨٨ ]
حكم الله أحسن الأحكام استسلم لحكم الله ورضي به تمامًا، سواء علم الحكمة أم لم يعلم، وهذا حق فأي إنسان يرى أن حكم أحد هو أحسن الأحكام فسوف ينقاد له ولا يعارض ولا يمانع.
الفائدة الخامسة: أن حكم الله وإن تراءى لبعض الناس أنه ليس بصالح أو أنه يعيق التقدم الاقتصادي أو الاجتماعي أو غير ذلك فإنه يكون خاطئًا؛ لأن العبرة بالنهاية، قد يتراءى للإنسان أن هذا الحكم لا يصلح الآن، لكن في النهاية لا شك أنه هو الصالح، وأن علينا أن نصبر وستكون العاقبة حميدة، مثلًا: الآن كثير من الناس يرون أنه لا بأس بالتعامل بالربا؛ لأنه على زعمهم ينمي الاقتصاد من الآخذ والمعطي، فنقول: هذا وإن تراءى لكم لكن فيه مفاسد كثيرة، وانظروا إلى الدول التي تستعمل هذا ماذا كان حالها؟ تجد أن فيهم طبقات متباينة غاية التباين، هذا من أفقر الناس ربما يأكل التراب من الجوع والثرى من العطش، والآخر مثرٍ ثراءً زائدًا، فهذا الاختلاف العظيم في الطبقات كل ذلك بسبب التعامل المحرم، لكن لو أن الناس مشوا على ما سنه النبي -صلي الله عليه وسلم- لأمته لكان الاقتصاد متوازنًا، تجد الغني لا يثري ثراءً فاحشًا، ويعطي الفقير من الزكاة، وتكون الحال بين الغني والفقير متقاربة، لا يطغى أحد على أحد، لكن إذا سلطنا الشح على المعاملات واستبحنا كل شيء، لا بد أن تكون هناك طبقات متميزة، وإذا وجدت طبقات متميزة فسد المجتمع أمنيًا ووديًا، تجد الغني يمقت الفقير ويزدريه ويحتقره، والفقير يكره الغني؛ لأنه يرى أنه قد ابتز ماله وأنه تعاظم عليه، لا سيما إذا كان لا يؤدي الزكاة.
[ ١ / ٤٨٩ ]
إذًا: القاعدة: لا أحد أحسن حكمًا من الله أبدًا.
لو قال قائل: الموافق لأحكام الشريعة من القوانين، هل نصفه بأنه أحسن الأحكام؟
الجواب: لا نقول: هذا حكم الله، ولا نقول: هذا حكم القانون؛ لأن حكم الله متقدم على القانون، فنصف الأحكام المطابقة للشريعة في القوانين بأنها حكم الله وأنه لا أحد أحسن منه، ولا نجعل المدح منصبًا على القانون؛ لأننا لو جعلنا المدح منصبًا على القانون لاغتر الناس بذلك، وقبلوا أحكام القوانين على كل حال، لكن نقول: هذا هو حكم الشرع، فالكذب في القانون عند الدول ممقوت، وفي الشرع ممقوت والشرع سبقهم، حتى إن الرسول ﵊ جعل الكذب من صفات المنافقين، وقال: "إنه يهدي إلى الفجور، وإن الرجل لا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا" (^١)، النصح في المعاملة: يحث عليه الشرع، والقوانين أيضًا تحث عليه، الصدق: يحث عليه الشرع والقوانين أيضًا تحث عليه، هنا يجب أن يكون المدح لا للقانون ولكن للشرع.
الفائدة السادسة: أنه لا يجوز للإنسان أن يعارض أحكام الشرع بعقله، هذا في العمليات الفقهيات، وفي العقديات العلميات من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا يجوز للإنسان أن
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، حديث رقم (٥٧٤٣)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، حديث رقم (٢٦٠٧) عن ابن مسعود.
[ ١ / ٤٩٠ ]
يعارض الشرع في الأمور العملية التي يدخلها القياس فالأمور العلمية الخبرية من باب أولى؛ لأن الخبر ليس للعقل فيه مجال أبدًا، إلا على سبيل العموم يمكن.
وبناءً على ذلك يتبين خطأ أولئك القوم الذين عطلوا صفات الله ﷿، من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، فقد أخطأوا خطأً عظيمًا؛ لأن الله إذا أخبر عن نفسه بشيء فمعنى ذلك أنه حكم بنفسه أنه مستحق كذا، وأخبر عباده به، فيجب علينا أن نقبله على ظاهره بدون أن نتعرض إلى تحريفه، أولئك القوم الذين حكموا على الله تعالى بعقولهم وقالوا: هذا لا يقبله العقل فلا نقبله ولو جاء به الشرع، ماذا يقولون في الآيات؟ يؤولونها، أي: يحرفونها، وهم لو ردوها صراحة لكانوا كفارًا، يعني: لو قالوا: إن الله لم يستوِ على العرش مثلًا، كفروا، لكن إذا قالوا: إنه استوى على العرش، لكن معنى الاستواء كذا، فهذا تأويل وينظر فيه.
الفائدة السابعة: أنه لا يعرف حسن أحكام الله إلا من عنده يقين، وكلما كان الإنسان أشد يقينًا، كان بيان حسن أحكام الله عنده أكثر وأشد، وإذا شئت أن تعرف هذا فانظر إلى العلماء المحققين كيف يستنبطون من الأحكام الشرعية ما تقتنع به العقول؛ لأنهم موقنون بأن حكم الله أحسن الأحكام فيفتح الله عليهم.
الفائدة الثامنة: الرد على من قال: إن في الأحكام الشرعية في المعاملات خاصة ما خرج عن القياس، مثل: باب السَّلَم، وباب الإجارة، وما أشبه ذلك، فنقول: ليس في الأحكام الشرعية
[ ١ / ٤٩١ ]
ما يخرج عن القياس، ومرادهم بالقياس العقل والنظر، بل كل الأحكام الشرعية موافقة للقياس، ولكن الله يفتح على من يشاء من عباده، فبعض الناس قد يفهم الموافقة وبعضهم لا يفهم، والله ولي التوفيق.
تمَّ بعون الله تعالى وتوفيقه المجلد الأول من تفسير سورة المائدة ويليه المجلد الثاني ويبدأ من تفسير قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١]، إلى آخر السورة.
* * *
[ ١ / ٤٩٢ ]
سلسلة مؤلفات فضيلة الشيخ (١٠٥)
تفسير القرآن الكريم
«سورة المائدة»
تأليف
فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
[المجلد الثاني]
[ ٢ / ٤٨٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٢ / ٢ ]
تفسير القرآن الكريم
«سورة المائدة» (٢)
[ ٢ / ٣ ]