الفائدة الأولى: بيان أهمية تجنب اتخاذ الأولياء من اليهود والنصارى، وجه ذلك: أن الله صدر الخطاب بالنداء.
الفائدة الثانية: أن اجتناب اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من مقتضيات الإيمان.
[ ٢ / ١٢ ]
الفائدة الثالثة: أن اتخاذهم أولياء يوجب نقص الإيمان، وربما يوجب محو الإيمان وزواله كله.
الفائدة الرابعة: أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، وهل المراد الملة الواحدة، أم كلتا الملتين؟ المراد العموم، الملة الواحدة وكلتا الملتين، يدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣].
الفائدة الخامسة: أن النصراني يرث من اليهودي، واليهودي يرث من النصراني، لقوله: ﴿أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ والإرث مبني على الولاية، ولهذا قال النبي - ﷺ -: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (^١)، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء وقالوا: إن الكفر ملة واحدة، فيرث الكفار بعضهم من بعض.
ولعل قائلًا يقول: إن أهل الكتاب يرث بعضهم بعضًا؛ لأنهم يشتركون في كونهم أهل كتاب بخلاف المجوس مع الكتابيين.
والقول الثالث في المسألة: أنَّه لا يرث اليهودي من النصراني ولا النصراني من اليهودي، وهذا القول أصح الأقوال، لقول النبي: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" (^٢)، ولا شك أن اليهود على ملة، والنصارى على ملة.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه، حديث رقم (٦٣٥١)، ومسلم، كتاب الفرائض، باب: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، حديث رقم (١٦١٥) عن ابن عبَّاس.
(٢) رواه التِّرمِذي، كتاب الفرائض، باب: "لا يتوارث أهل ملتين"، حديث رقم (٢١٠٨) عن جابر بن عبدِ الله.
[ ٢ / ١٣ ]
الفائدة السادسة والسابعة: بيان أن النصارى واليهود وسائر الكفار كلهم بعضهم أولياء بعض في مضادة المسلمين؛ لأنه إذا كان هذا بين اليهود والنصارى وبعضهم يضلل بعضًا ويقول للآخر إنه: ليس على شيء، أي: ليس على شيء من الدين، فما بالك بغيرهم.
ويتفرع على هذه الفائدة أنَّه يجب على المسلمين الحذر من أعدائهم وأن يَدَعُوا الخلافات التي بينهم، حتَّى يكونوا يدًا واحدة على أعدائهم الذين يصرحون بالإيذاء.
الفائدة الثامنة: التحذير من موالاة اليهود والنصارى، لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وهل هذا يدل على أن توليهم من كبائر الذنوب؛ نعم؛ لأن كونهم منهم كالبراءة منهم، فهو كقول الرسول - ﷺ -: "من غش فليس منا" (^١).
إذًا: اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من كبائر الذنوب، والولاية كما قلنا: المناصرة، لكن هل يدخل في ذلك أن يستعين الإنسان بهم على شيء خاص، مثل أن يكون هناك مهندس يهودي أو نصراني، ويستعين به على إحكام البناء أو إحكام الماكينة أو ما أشبه ذلك؟
الجواب: لا؛ لأني وإن استعنت به أشعر بأني أعلى منه، وأنه عندي بمنزلة الأجير، ومع ذلك فمتى أمكن أن يتخذ الإنسان عاملًا من المسلمين فهو أولى بلا شك، كقول الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ -: "من غشنا فليس منا"، حديث رقم (١٠١) عن أبي هريرة.
[ ٢ / ١٤ ]
خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]؛ ولأن عمر بن الخطاب ﵁ أنكر على أبي موسى الأشعري ﵁ أن يتخذ كاتبًا نصرانيًّا، حتَّى إنه لما قُدِّمَت إلى عمر ﵁ كتابة هذا النصراني أعجبته كثيرًا؛ لأنها كتابة جيدة وحسابات منضبطة تمامًا، فقال لأبي موسى: "هاتِ كاتبك، قال: يا أمير المؤمنين إنه لا يدخل المسجد، فغضب، قال: من هذا؟ قال: نصراني، قال: كيف تأمنه وقد خونه الله"، وأنكر عليه كثيرًا، وألح عليه أَبو موسى قال: هذا رجل جيد، فقال له: "مات النصراني، والسلام" (^١).
يعني: نفرض الآن أنَّه مات ماذا تكون حالك وهو سيموت إن عاجلًا أو آجلًا، فانظر كيف كان الخليفة الراشد، يحذر من أن يولى غير المسلمين أحوال المسلمين، يعني: لا يجوز أن تجعله مثلًا أمينًا على بيت المال، أو أمينًا على أشياء تتعلق بعموم المسلمين، هذه خيانة بلا شك؛ لأنه كيف يجعل هذا الذي خونه الله ﷿ أمينًا على أحوال المؤمنين، أما شيء خاص فهذا لا بأس به؛ لأن الصحابة اتخذوا خدمًا من غير المسلمين لكن شيء عام هذا لا يجوز بأي حال من الأحوال؛ لأنه مهما تظاهر الكافر بالنصح لك فاعلم أنَّه عدو.
وهل من الموالاة أن نستعين بهم على أعدائنا؟
الجواب: لا، لكن إذا احتجنا إليهم نستعين بهم، بشرط أن نأمن خيانتهم؛ لأن النبي - ﷺ - كان له حلفاء حين عقد الصلح مع المشركين، وحلفاؤه خزاعة، كانوا مع الرسول عليه الصلاة
_________________
(١) انظر: تفسير الرازي (٦/ ٧٧)، نظم الدرر للبقاعي (٢/ ٤١١)، تفسير اللباب لابن عادل (٦/ ١١٣).
[ ٢ / ١٥ ]
والسلام (^١)، حتَّى إن قريشًا لما اعتدت على خزاعة، وهم كفار اعتبر النبي ذلك نقضًا للعهد، وغزا قريشًا، فالمهم أن الاستعانة بهم إذا دعت الحاجة إليها جائزة بشرط أن نأمن خيانتهم، فإن لم نأمن فإنه لا يجوز.
وهل من موالاتهم موادتهم؟
الجواب: نعم، من موالاتهم موادتهم، أعني طلب مودتهم حتَّى تكون المودة متبادلة، ولهذا قال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، قال: يوادون، ولم يقل: يودون، فتكون الموادة بين الطرفين؛ لأن المُوَادَّ لا بد أن يبذل ما تكون به المودة، وإذا بذل ما تكون به المودة، فهذا المبذول لا يريد أن يذهب هباءً لا بد أن يكون على حساب شيء ما، لذلك نقول: موادتهم حرام لا تحل، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وهل من الولاية أن نحبهم إذا صنعوا شيئًا نافعًا للعباد؟
على كل حال: نحب فعلهم بلا شك، إذا فعلوا ما فيه مصلحة للبشرية فلا بد أن نحب فعلهم؛ لأنه خير ومصلحة، أما أن نحبهم هم فهذا فيه نظر؛ يعني نحبهم لأجل فعل هذا الخير، ليس على سبيل العموم، لكن ما فعلوه من الخير، لا يمكن أن ننكره وأن نقول: ما فعلوا شيئًا، بل نحب ما فعلوا من الخير، هم الآن مع الأسف الشديد يصنعون لنا الطائرات، هل نحبهم على صنع الطائرات؟
_________________
(١) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٩٠٢)، السيرة النبوية لابن هشام (٥/ ٤٣)، زاد المعاد (٣/ ٣٩٥).
[ ٢ / ١٦ ]
الجواب: لا نحبهم هم، لكن نحب فعلهم، يعني: صُنْعَ الطائرات نحبه ونود أن يزيدونا من الطائرات الجيدة، أما أن نحبهم هم فلا، مع أننا نعلم أنهم إذا صنعوا ذلك فإنما يريدون مصلحتهم، لكن ما دام فيه خير نحب فعلهم إذا كان خيرًا.
هل من موادتهم أن نبيع ونشتري معهم، فيستفيدون لأنهم يشترون الشيء بعشرة ويبيعونه لنا بعشرين، هل يعتبر هذا من موالاتهم؟
الجواب: لا؛ لأن الرسول ﵊ وهو أعبد الناس لله اشترى منهم، مع أنهم سيكسبون، لكن هذا شيء لا يتعلق بالمودة ولا بالمحبة، وإنَّما يفعله الإنسان لمصلحته، وعلى هذا فمعاملة شركات الكفر لا تعتبر من الموالاة، وإن كسبوا؛ لأننا نحن أيضًا لن نعاملهم ولن نشتري منهم إلَّا لمصلحتنا ولا شك.
هل من موالاتهم أن نضيفهم إذا استضافونا، يعني: لو نزل بك كافر وأكرمته إكرام ضيف، هل يكون هذا من موالاتهم؟
الجواب: لا، لا يكون؛ لأن الله قال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ وهذا إحسان، ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ هذا عدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨، ٩] وهذا ظاهر وحكمة، فإذا كانوا يقاتلونا في ديننا، ويخرجونا من ديارنا، ويظاهرون علينا فليس من الحكمة أن نتولاهم بأي حال من الأحوال.
هل من موالاتهم أن نشاركهم في أفراحهم؟
[ ٢ / ١٧ ]
إن قلنا: نعم، خطأ وإن قلنا: لا، خطأ، أما ما يتعلق بالعبادة والشعائر الدينية، فلا شك أن مشاركتهم في هذه الأفراح نوع من الموالاة والمناصرة؛ لأنك إذا شاركتهم في هذه المناسبات الدينية كأنك تقول: إنكم على حق وهذا لا يجوز، أما المشاركة في أفراح أخرى، ككافر ولد له فجعل له وليمة ودعاك هذا لا بأس أن تذهب إذا لم يكن في ذلك فتنة له، كان يقول: أنا أدعو المسلمين وأدعو كبراء المسلمين فيأتون إليَّ، إن حصلت فتنة فلا، وأما إذا لم تحصل وكانت المسألة عادية فليس هذا من الموالاة ولا من المناصرة.
جار لك أكرمته، وهو كافر، هل يكون هذا من الموالاة؟ الجواب: لا، هذا ليس من الموالاة؛ لأن النبي قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره" (^١)، ثم إن إكرامك إياه ربما يكون سببًا لدخوله في الإسلام.
على كل حال: من هنا نعرف أن كلمة الموالاة التي نهى الله عنها هي موالاتهم في المناصرة والمعاونة، بما يعود عليهم بالنفع فهذا حرام، لكن - كما تقدم - إذا عاوناهم وناصرناهم على من هو أشد إيذاءً للمسلمين منهم فهذا لا بأس به.
الفائدة التاسعة والعاشرة: أن من تولاهم فهو منهم، ويتفرع على هذا، التحذير الشديد من توليهم.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فلا يؤذي جاره، حديث رقم (٥٦٧٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلَّا عن الخير ..، حديث رقم (٤٨) عن أبي شريح العدوي.
[ ٢ / ١٨ ]
هل من توليهم التشبه بهم؟
الجواب: نعم، الدليل: "من تشبه بقوم فهو منهم" (^١)، ولأن التشبه بهم يعطيهم فرحًا وسرورًا، ويرون أنهم مستعلون على غيرهم؛ لأن غيرهم صار مقلدًا لهم، آخذًا بما يتحلون به من أخلاق أو غيرها.
الفائدة الحادية عشرة: التحذير من الظلم لكون الله تعالى لا يهدي الظالم، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين من هداهم الله تعالى من أهل الشرك، والشرك ظلم عظيم، ومع ذلك في عهد النبي ﵊، وجد من كان يسجد للأصنام ويعبد الأصنام، وهداه الله، ما الجواب؟
الجواب عن ذلك أن يقال: هذه الآية مقيدة بآية أخرى، والمراد بهم الذين حقت عليهم كلمة الله، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]، فتكون هذه الآية المطلقة أو العامة مقيدة بمن حقت عليه كلمة الله، فهذا لا يمكن أن يهديه أحد، قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ [الأعراف: ١٨٦].
الفائدة الثانية عشرة: الرد على القدرية، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، فإن في ذلك دلالة واضحة على أن أمر العباد بيد الله ﷿، نسأل الله الهداية، فليس الإنسان مستقلًا
_________________
(١) رواه أَبو داود، كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة، حديث رقم (٤٥٣١)، وأحمد (٢/ ٥٠) (٥١١٤) عن ابن عمر.
[ ٢ / ١٩ ]