الفائدة الأولى: الإشارة إلى أن من المؤمنين من سيرتد، لقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ﴾ هكذا قال كثير من المفسرين المتأخرين والمتقدمين: إن هذا إشارة إلى أنَّه سيكون من المؤمنين من يرتد، وعندي وفي نفسي من هذا شيء؛ لأنه قد يكون المراد بالآية: التحذير من الردة، كقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] بقطع النظر هل تقع أو لا تقع؟ أما كونها واقعة فمما لا شك فيه أن الردة وقعت، قال العلماء: إنه وقعت ردة إحدى عشرة طائفة، ثلاث في عهد الرسول ﵊، وسبع في عهد أبي بكر، وواحدة في عهد عمر من طوائف العرب، ففي عهد الرسول ﵊ ظهر مسيلمة والأسود العنسي وصاحب غسان، وفي عهد أبي بكر سبعة
[ ٢ / ٣٣ ]
طوائف كلهم ارتدوا، ولكن الله ﷿ دحرهم والحمد لله، ولم تقم لهم قائمة وعرف كذبهم وردتهم.
الفائدة الثانية: أن الله غني عن العباد، فلو ارتد قوم جاء الله بقوم آخرين، كما قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].
الفائدة الثالثة: أن المرتدين مبغوضون عند الله لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
بقي علينا شيء مهم في مسألة الردة، هنا لم يذكر الله ﷿ ما يترتب على الردة من عقوبة في الدنيا، بل قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
وهنا بحوث: أولًا: هل كل ردة يمكن التوبة منها؟
الجواب: نعم، كل ردة يمكن التوبة منها لعموم قول الله ﵎: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، ولقوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، يعني: لا يشركون ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، لا يعتدون على الأنفس ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾، لا يعتدون على الأعراض ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
إذا: القول الراجح أن كل إنسان أذنب ذنبًا مهما عظم ثم تاب إلى الله توبة نصوحا، فإن توبته مقبولة.
تنبيه: من كان ذنبه بالكفر فإن الله يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ
[ ٢ / ٣٤ ]
كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ولهذا لو تاب المرتد قبلنا توبته ورفعنا عنه القتل، ولو تاب الزاني بعد وصوله إلى القاضي لا تنفعه التوبة، مع أن المرتد تنفعه التوبة حتَّى عند القاضي.
استثنى بعض العلماء من هذا مسائل:
أولًا: صاحب البدعة قالوا: المبتدع ولو تاب لا تقبل توبته، ولكن يقال: أين الدليل على خروجه من العمومات؟
قالوا: لأن مفسدته متعدية، فنقول في الجواب عن هذا: هذه المفسدة المتعدية يمكن إصلاحها بأن يقول هذا الذي ابتدع: إنه رجع عن بدعته وأن الصواب كذا وكذا، مثل ما جرى لأبي الحسن الأشعري ﵀، فأبو الحسن الأشعري كان في أولى أمره معتزليًّا تمامًا، معتزليًّا جلدًا لا يلين، وبقي على ذلك مدة طويلة من الزمن ثم تاب، وأعلن توبته في المسجد الجامع وخلع عمامته وقال: من كان يعرفني فهو يعرفني، ومن لا يعرفني فأنا فلان، ثم أنكر إنكارًا شديدًا على المعتزلة، هذه توبة، وربما يكون أجره على إنكار البدعة أعظم من عقوبته على هذه البدعة، مع أن العقوبة انمحت بالتوبة.
كذلك أيضًا: لا بد لتحقيق توبة المبتدع من أن يكتب ما يبطل بدعته، حتَّى يكون صادقًا في توبته.
فإن قال قائل: أرأيت لو أن الذين أخذوا ببدعته أَبوا أن يرجعوا برجوعه؛ فهل يأثم بإثم بقاء هؤلاء على البدعة؟
الجواب: لا يأثم؛ لأنه أدى ما يجب عليه من التوبة وبَيَّنَ الحق، وإذا أصر هؤلاء على باطلهم فهم على باطلهم.
[ ٢ / ٣٥ ]
ثانيًا: من سب الله، هل تقبل توبته أو لا تقبل؟
في هذا خلاف بين العلماء، منهم قال: من يسب الله لا تقبل توبته، وذلك لأن ردته عظيمة جدًّا، حيث سب رب العالمين جلَّ وعلا، فلا تقبل توبته؛ لعظم جرمه بهذه الردة، ولكن هذا التعليل في مقابلة النصوص، والتعليل في مقابلة النصوص مرفوض، كالقياس في مقابلة النص، إذا: هذا مرفوض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فدلت الآية على أن من الكفار من يسب الله ﷿ إذا سبت آلهتهم.
ثم يقال: إن الله ﷾ قال في المنافقين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] يعني نتحدث حديثًا لا نقصد معناه، نتحدث حديث الركب لنقطع به عناء الطَّرِيقِ، فقال الله تعالى للرسول ﵊: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، وهذا نص صريح بأن المستهزئ بالله أو آياته أو رسوله كافر؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦] وهذا يدل على أنَّه قد يكون منهم طائفة يعفى عنها ولا يمكن أن يعفى عنها إلَّا بتوبة.
وعلى هذا فالقول الراجح: أن من سب الله ورسوله ثم تاب فإن توبته مقبولة.
ثالثًا: لكن من سب الرسول ﵊ ثم تاب تقبل توبته، لكنه يقتل، يقتل مسلمًا؛ لأن هذا حق آدمي وهو
[ ٢ / ٣٦ ]
الرسول ﵊، فلا بد أن نثأر له، لا بد أن نقتل من سبه، أما من سب الله فالله ﷿ قد أخبرنا عن نفسه أنَّه يتوب عليه، لكن الرسول ﵊ هل يتوب على من سبه؛ لا ندري، ولهذا وجد أناس سبوا الرسول ﵊ في حياته وعفا عنهم؛ لأن الحق حقه، لما تابوا عفا عنهم، أما بعد موته فإن الحق علينا نحن أتباعه؛ لأنه ليس بحاضر فلا بد أن نثأر لرسولنا - ﷺ - ونقتل من سبه، ثم الحمد لله ماذا يكون له إذا قتل؟ ينتقل من الدنيا إلى الآخرة، ينتقل بصفته مسلمًا، والذي لا يموت اليوم يموت غدًا، لكننا إذا أخذنا بالثأر للرسول ﵊ كان هذا من أدنى الواجبات علينا، وإن كُنْتَ قاضيًا وعرض عليك فقل: اضربوه بالسيف ولا تبالي.
رابعًا: الساحر، السحر نوعان: نوع يكفر به الساحر، ونوع لا يكفر به.
أما الذي لا يكفر به الساحر فإنه يقتل حدًا، كما جاء ذلك عن الصحابة، كفًّا لفساده؛ لأنه من الساعين في الأرض فسادًا، وقد قال الله ﵎: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، ولا أحد يشك في إفساد السحرة في الأرض، فيقتلون كفًّا لشرهم وردعًا لغيرهم، والساحر الكافر: هو الذي يستعين بالشياطين ومردة الجن على إيذاء عباد الله، بأن يضع سحرًا يستهوي به الشيطان أو مردة الجن حتَّى يسكنوا في جسم إنسان، ويأبوا أن يخرجوا منه إلَّا بحل السحر؛ هذا يكفر لقوله
[ ٢ / ٣٧ ]
تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، انظر ملائكة من ملائكة الله أنزل الله عليهم علم السحر وهم ملائكة، لا من أجل أن يجعلوه مهنة، لكن من أجل الاختبار، ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهذا يقتل كفرًا وردة كما تقدم.
ولكن إذا تاب فهل تقبل توبته؟ في هذا خلاف بين العلماء، منهم من قال: لا تقبل، ومنهم من قال: تقبل، والأسعد بالدليل؟ من قال: تقبل، فنقبل توبته، ونرفع عنه القتل، ونجعله من إخواننا، لكن لا بد أن يكون هناك دليل على استقامته وصلاح حاله، ولا يكفي مجرد أن يقول: تبت.
لكن ما ترتب على فعله هذا محل نظر؛ لأن الكفار إذا آذوا المسلمين وقتلوا منهم وأخذوا أموالهم ثم أسلموا سقط عنهم الضمان.
خامسًا: المنافق نفاق كفر، هو كافر لا شك قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]، والنفاق من شر خصال بني آدم، المنافق إذا علمنا نفاقه يقينًا لا مجرد وَهم وقرائن؛ لأنه بمجرد الوهم والقرائن لا يجوز أن نتهم أحدًا بالنفاق، فإننا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس وبطونهم، لكن إذا علمنا يقينًا ورأينا هذا الرجل يذهب إلى مجمعات اليهود والنصارى والملحدين ويقول: إنه معهم، ويأتي إلى المسلمين يتملق ويقول: إنه مسلم، هذا ظهر نفاقه، فنحكم
[ ٢ / ٣٨ ]
عليه بالنفاق، وهل يقتل أو لا يقتل؟ يقتل؛ لأن هذا معلوم نفاقه، لكن المنافقون في عهد الرسول ﵊ رفع عنهم القتل لسبب، وهو: أن لا ينفر الناس عن الإسلام والإيمان بالرسول ﵊، ولهذا قال - ﷺ -: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (^١) وهو يعلمهم ﵊، لكن خوفًا من تنفير الناس عن الإسلام امتنع لهذه المصلحة العظيمة أن يقتلهم وأخذ بظواهرهم.
ولكن إذا تاب المنافق فهل تقبل توبته؟ المذهب لا تقبل توبته؛ لأن الرجل في الأصل يقول: إنه لم يكفر، يقول: إنه مسلم، فإذا قلنا: أنت منافق قال: أبدًا، أشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، وستجدونني في الصف الأول في كل الصلوات، فيقولون: إنه لا يقتل، قال السفاريني ﵀:
لأنه لم يبدُ من إيمانه إلَّا الذي أذاع من لسانه
فلا نقبله؛ لأنه في الأصل يقول: إنه مسلم.
ولكن الصحيح أن توبته مقبولة إذا دلت القرائن على صدقه، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٥، ١٤٦]، انظر إلى الشروط؛ لأن المسألة ليست هينة، هذا الرجل يبدي إيمانه، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب سورة (المنافقون)، حديث رقم (٤٦٢٢)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، حديث رقم (٢٥٨٤) عن جابر بن عبدِ الله.
[ ٢ / ٣٩ ]
[النساء: ١٤٦] شروط ثقيلة في توبتهم؛ لأنهم لا يظهرون إلَّا الإسلام، فإذا تيقنا ذلك، فالله يقول:، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٦]، ومنهم هؤلاء المنافقون الذين تابوا؛ لأن الله يقول: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
مسألة: هل يستتاب المرتد أو لا، بمعنى إذا ثبت كفره فهل يستتاب؟
الجواب: الذين يقولون: إنها لا تقبل توبة هؤلاء لا يقولون بالاستتابة؛ لأنهم لو تابوا لم تقبل توبتهم، ومنهم الأصناف التي ذكرنا على القول الراجح، فإن هذا يرجع إلى رأي الإمام؛ لأن النصوص في هذا، بعضها فيه قتل المرتد بدون استتابة، وبعضها فيه قتل المرتد باستتابة، فيرجع في ذلك إلى رأي الإمام أو نائبه في الحكم كالقضاة، فإذا رأوا أن يستتاب استتيب، وإذا رأوا أن لا يستتاب لم يستتب.
فإن قال قائل: الاستتابة حق له، فلماذا تمنعونه منها؟
قلنا: ليست حقًّا مطلقًا، بل هي حق إذا دعت المصلحة إليه، وإذا كانت مصلحته في عدم الاستتابة، فالحق العام للمسلمين، ومنعهم من التلاعب في الدين أهم من حق هذا الرجل الخاص.
إذا قال قائل: إذا ارتدت طائفة من الناس أو قبيلة من القبائل فهل يجوز قتالهم؟
الجواب: يجب قتالهم؛ لأن هذا هو الذي أجمع عليه الصحابة بقيادة أبي بكر الصديق ﵁، فيجب أن نقاتلهم، ولكن بشرط أن يكون لدينا قوة نستطيع بها المقاتلة، فإن
[ ٢ / ٤٠ ]
لم يكن لدينا قوة فإن الله لم يوجب القتال على المسلمين في مكة لعدم القوة، ومن المعلوم أنَّه من التهور الذي لا يأمر به الشرع ولا يقتضيه عقل، أن يقاتل الإنسان الجحافل المسلحة بالأسلحة المتطورة وليس معه إلَّا سكاكين المطبخ، هذا ليس من الحكمة، ولا يمكن أن تقتضيه الشريعة وأن تأمر به، ولا يقتضيه العقل؛ انتظر حتَّى يكون لديك قوة ثم حينئذٍ قاتل.
فإن قال قائل: أليس أَبو بكر ﵁ أرسل جيش أسامة مع حاجته إليهم في قتال أهل الردة؟
الجواب: بلى، لكن يجاب عن هذا بأمرين:
الأمر الأول: أن جيش أسامة عقد رايته محمد رسول الله - ﷺ -، ولهذا قال أَبو بكر ﵁: والله لا أحل راية عقدها الرسول ﵊.
والثاني: أن في ذلك إظهارًا لعزة المسلمين وقوتهم، ولهذا لما رأى العرب المرتدون أن أهل المدينة صاروا يبعثون الجيوش إلى الشام؛ قالوا: هؤلاء عندهم قوة وقدرة فتراجع بعضهم، فصار في التأسي برسول الله - ﷺ - بركة عظيمة تغني عن القتال أشهرًا، وهذا مما يدلنا على أن التمسك بالإسلام له بركات عظيمة، قد لا يشعر بها الإنسان إلَّا بعد مدة.
الفائدة الرابعة: بيان قدرة الله تعالى وأنه ﷾ إذا أذهب أقوامًا أتى بآخرين خيرٍ منهم.
الفائدة الخامسة: إثبات أفعال الله الاختيارية، يعني: التي يفعلها باختياره، لقوله: ﴿فَسُوْفَ يَأْتِى﴾ وسوف: للمستقبل، وإنَّما ذكرت ذلك؛ لأن كثيرًا من المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم
[ ٢ / ٤١ ]
ينكرون أن تقوم الأفعال الاختيارية بالله، يقولون: لا يوجد شيء من صفات الله إلَّا هو أزلي، أما شيء حادث فلا يمكن، وتعليلهم، يقولون: إن الحوادث لا تقوم إلَّا بحادث، وهذا لا شك أنَّه خطأ، بل كون أفعال الله حادثة تدل على كماله ﷾ وأنه فعَّال لما يريد، فإذا قلنا: إنه ليس يفعل، فلا شك أن هذا تعطيل محض وتنقص لله ﷿.
الفائدة السادسة: إثبات المحبة من الله ولله، من الله في قوله ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ ولله في قوله: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ وهذه الآية جمعت بين محبة الله لعباده الصالحين ومحبة العباد الصالحين لله، وفي آيات كثيرة إثبات المحبة من الله لعباد الله الصالحين المستحقين لها، وهي عندنا معشر أهل السنة الذين نأخذ بما أخذ به السلف الصالح محبة حقيقية تليق بالله ﷿، وعند آخرين ليست محبة حقيقية، بل يحرفونها إما بالثواب وإما بإرادة الثواب، إما بالثواب عند من لا يثبت الصفات السبع، يثبتون الثواب؛ لأن الثواب منفصل مخلوق، لكن لا يجعلون المحبة صفة قائمة بالله، أو إرادة الثواب عند من يثبت الصفات السبع كالأشاعرة، ولهذا الأشاعرة نجدهم يفسرونها إما بإرادة الثواب، وإما بالثواب، لكنهم متناقضون في الواقع؛ لأن الثواب لا يقع إلَّا بإرادة، وإرادة الثواب لغير المحبوب أمر منكر لا يمكن، فإن الله لا يثيبه إلَّا وقد أحب عمله فأثابه عليه لكنهم متناقضون، وهكذا جميع الأقوال الباطلة ولنجعل ذلك منا على بال، كل الأقوال الباطلة تجدها متناقضة، والدليل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ولهذا من أكبر الأدلة على ضعف القول
[ ٢ / ٤٢ ]
أو بطلانه أن يكون متناقضًا، فإذا رأيت القول متناقضًا فاعلم أنَّه ضعيف، لا يمكن أن يكون حقًّا.
إذًا: نحن نؤمن بأن الله ﷿ يُحِب ويُحَب، وأن المحبة التي يجدها الإنسان في قلبه لله ﷿ لا تساويها أي محبة، فالإنسان يحب ولده ويحب أباه ويحب أمه، ويحب أهله، ويحب أصدقاءه، لكن المحبة لله غير هذه المحبة، من نوع آخر يجد الإنسان فيها لذة وراحة، لا يعرفها إلَّا من فقدها والعياذ بالله، فهي محبة عظيمة لا تشبه تعلق الإنسان بغير الله ﷿.
إذًا: الآية هي رد على الأشاعرة، والمعتزلة والجهمية، وكل من لا يثبت الأفعال الاختيارية، أو لا يثبت المحبة.
الفائدة السابعة والثامنة: الثناء على من كان ذليلًا على المؤمنين، وهو الذي يخفض جناحه لهم ويتطامن ويتواضع، فإن هذه من الصفات التي يحبها الله ﷿، عكس ذلك يؤخذ منه فائدة ثانية، وهي أن ترفع الإنسان على إخوانه المسلمين، ليس محمودًا عند الله بل ولا عند الخلق، ولذلك اعلم أنَّه كلما ازداد إيمانك ازددت تواضعًا، وكلما ازداد علمك ازددت تواضعًا، بعض الناس، نسأل الله أن لا يجعلنا منهم، إذا ازداد علمه انتفخ وتكبر وصار لا يكلم الناس إلَّا بأنفه، وصار إذا كلمه الناس يتجاهل، يقول: ماذا تقول، وهو يدري، قد ملأ سمعه كلامه، لكن من باب الاستكبار، وهذا لا شك أنَّه نقص عظيم، لأنه كلما كثر علمك ينبغي أن يكثر تواضعك.
الفائدة التاسعة: الثناء على عزة النفس وقوة الشخصية أمام الكفار وأن نكون أعزة عليهم، نرى في أنفسنا العلو عليهم
[ ٢ / ٤٣ ]
والظهور عليهم لا بذواتنا، ولكن بما معنا من الدين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾، لماذا؟ ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ [التوبة: ٣٣] أي: الدين أو الرسول صاحب الدين، فيجب علينا نحن المسلمين أن نعرف قيمتنا في المجتمع الأممي، وأننا أحق الناس بالبقاء على الأرض وأحق الناس برزق الله وأحق الناس أن نعلو عليهم، هذا إذا كان لنا شخصية إسلامية، لكن لضعف الإيمان وضعف التوكل على الله ﷿ صرنا أذنابًا لغيرنا، أعزاء على قومنا أذلاء أمام الكافرين، نسأل الله السلامة والعافية، نسأل الله أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية.
لو قال قائل: قلتم: إن المؤمن يكون عزيزًا على الكفار، فهل يشمل ذلك فساق المسلمين؟
الجواب: الذي لم يخرج من الإيمان لا ترى نفسك عزيزًا عليه ولا ذليلًا عليه؛ لأن معه إيمانًا يقتضي أن تكون ذليلًا عليه، ومعه معصية تقتضي أن تكون عزيزًا، لكن لا كعزتك على الكافر، بل أحبه لما معه من الإيمان واكرهه لما معه من المعاصي، وحاول أن تصلحه، فإن كثيرًا من الفساق الآن يبتعدون عن الاستقامة؛ لأنهم يجدون من بعض الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر شدة وصعوبة وتنفيرًا، لكن لو أنهم سلكوا سبيل الرفق لحصل خير كثير، فأحيانًا يقع الإنسان مع أحد العصاة ويدعوه بأسلوب طيب، لكن يكون رده شديدًا فيقول للداعي: لماذا تتدخل، الأمر لا يهمك، أنت فضولي، فاذا قال: الأمر لا يهمك، لماذا تتدخل، قل: يا أخي، أنت أخي والرسول - ﷺ -
[ ٢ / ٤٤ ]
يقول: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (^١)، واصبر على ما أصابك، أما أن تقول: بل الأمر يهمني، أنت فاسق يجب أن نربيك، يجب أن نؤدبك، هذا لا يستقيم.
لو قال قائل: هل يستقيم القول: على قدر ما يكون في الإنسان من صفات النفاق، على قدر ما يحبط مقابله من العمل، أو يقال: لا بد من وصفه بالنفاق ويحبط عمله بالكلية؟
الجواب: لا، حبوط العمل كاملًا لا يكون إلَّا في النفاق الكامل، في المقابل تأتي الموازنة، يعني: هناك موازنة بين الحسنات والسيئات سواء كانت السيئات من أعمال المنافقين أو لا، والموازين يوم القيامة تدور على الموازنة، وإذا كان الإنسان فيه من صفات المنافقين كإخلاف الوعد والكذب وغير ذلك لا يمكن أن نقول: يحبط من عمله الصالح مقابل ذلك؛ لأنه يأتينا إنسان آخر يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فيقال: الموازنة، لكن لا شك أن الذي فيه خصال المنافقين الظاهرة يخشى أن تتحول إلى صفات المنافقين الباطنة؛ لأن الشيء يجر بعضه بعضًا، والشبه الظاهر قد يؤدي إلى الشبه الباطن.
الفائدة العاشرة: فضيلة الجهاد في سبيل الله، لقوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
الفائدة الحادية عشرة: الإشارة إلى الإخلاص، لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لأن الجهاد، وهو القتال يحمل عليه عدة أسباب، والجهاد المحمود هو الجهاد في سبيل الله.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا، حديث رقم (٥٦٨٠)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، حديث رقم (٢٥٨٥) عن أبي موسى.
[ ٢ / ٤٥ ]
فإن قال قائل: مما هو الجهاد في سبيل الله؟
قلنا: فسره النبي - ﷺ -؛ بأنه من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله (^١)، وقد تقدم.
لو قال قائل: ذكرتم أن البراء بن مالك ﵁ ألقى بنفسه في أرض العدو (^٢)، استدل البعض بهذه القصة على جواز العمليات الانتحارية، فما الجواب على هذا الإيراد؟
لو قال قائل: الإنسان إذا لم يستطع الجهاد في سبيل الله، وكان فرضًا عينيًّا عليه، فكيف يكون حاله، ثم ما صحة ما يروى عن حسان بن ثابت في هذا، هل هذا صحيح أي: أنَّه لم يكن مجاهدًا؟
الجواب: بعض المتأخرين في الحقيقة ليس عندهم أدب مع الصحابة، ولا شك أن حسان بن ثابت ﵁ ليس كخالد بن الوليد في الإقدام والشجاعة، ولكن كوننا نقول: إنه جبان وأن المرأة أشجع منه، فهذا غلط عظيم، مع أنَّه يدافع عن النبي ﵊ دفاعًا بلسانه أشد من وقع النبل على الكفار (^٣)، والذين يتكلمون في الصحابة ﵃ ينصحون
_________________
(١) تقدم في (١/ ٣٣٦).
(٢) تقدم في (١/ ٢٧٦).
(٣) انظر: صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب الشعر في المسجد، حديث رقم (٤٥٣)، كتاب المناقب، باب من أحب أن لا يسب نسبه، حديث رقم (٣٥٣١)، كتاب الأدب، باب هجاء المشركين، حديث رقم (٦١٥٢)، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت ﵁، حديث رقم (٢٤٨٥)، جامع التِّرمِذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في إِنشاد الشعر، حديث رقم (٢٨٤٦) عن عائشة.
[ ٢ / ٤٦ ]
ويقال لهم: لا تكونوا من آخر هذه الأمة الذين يلعنون أولها (^١) فاتقوا الله، وأما حكم الجهاد لمن يعرفون بالجبن إذا كان الجهاد فرض عين فإنه يجب عليهم فإن تخلفوا فهم آثمون.
الجواب: تقول الأعمال الانتحارية هل هي موت محقق؟
الجواب: نعم هي موت محقق، وقصة البراء بن مالك موت غير محقق فليس فيها دليل، لكن هناك واحد من الألف أنَّه ينجو، والمنتحر ألفان أنَّه يموت، فرق عظيم.
الفائدة الثانية عشرة: أنَّه ينبغي للإنسان أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فما دام على حق، فلا يهمنه أحدًا؛ لأنه لا بد لكل عابد من عدو، قال الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]، وأتباع الأنبياء كذلك، لا بد أن يكون لهم أعداء من المجرمين، ولكن: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١]، انظر لماذا ختم الآية بقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لأن هؤلاء الأعداء؛ إما أن يضلوا الناس بالفكر والتشكيك وما أشبه ذلك؛ فقطع طمعهم بقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ وإما أن يحاولوا صد الناس بالقوة فقابل ذلك بقوله: ﴿وَنَصِيرًا﴾.
إذًا: كل إنسان يتمسك بالشريعة، فلا بد من ملامة، يلومه أكثر الناس؛ لأن بني آدم من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في
_________________
(١) بمعناه رواه التِّرمِذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف، حديث رقم (٢٢١٥) عن علي بن أبي طالب، وابن ماجة المقدمة، باب من سئل عن علم فكتمه، حديث رقم (٢٦٣) عن جابر بن عبدِ الله، ولفظهما: ولعن آخر هذه الأمة أولها.
[ ٢ / ٤٧ ]
النار وواحد في الجنَّةَ (^١)، جعلنا الله منهم.
لكن هل يدخل في قوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ أن الإنسان يتهور ولا يستعمل الحكمة، أو لا بد من استعمال الحكمة؟
الجواب: الثاني، لا بد من استعمال الحكمة؛ لأن التهور يحصل منه انعكاس المقصود، ولهذا كان النبي ﵊ يدع ما يمكن أن يقال خوفًا من المفاسد أو ما يمكن أن يفعل خوفًا من المفاسد، حتَّى، إنه لا يسب الرجل لسوء خلقه أو دينه، فإذا استأذن عليه لاقاه بوجه منشرح، كل ذلك من أجل التآليف؛ لأن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف (^٢).
الفائدة الثالثة عشرة: أن هذه الصفات العظيمة من فضل الله تعالى لقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
الفائدة الرابعة عشرة: أن كل من سعى في فعل الخير فإن الله تعالى يجود عليه؛ لأن قوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ليس لمشيئة مطلقة، بل لمشيئة مقيدة بالحكمة، ولهذا قال الله ﷿: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فمن كان أهلًا للرسالة أرسله، كذلك الله أعلم حيث يجعل آثار هذه الرسالة وأتباع هذه الرسالة، فمن كان أهلًا لذلك أعطاه، ومن لم يكن أهلًا حرمه،
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب وترى الناس سكارى، حديث رقم (٤٤٦٤)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب قوله: يقول الله لآدم: أخرج بعث النار من كل ألف ، حديث رقم (٢٢٢) عن أبي سعيد.
(٢) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، حديث رقم (٢٥٩٣) عن عائشة.
[ ٢ / ٤٨ ]
اقرأ قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، واقرأ ما مر قبل عدة آيات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩].
الفائدة الخامسة عشرة: إثبات المشيئة لله ﷿ فيما يتعلق بفعل العبد لقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٣] وهذا هو الذي عليه السلف الصالح، وعليه أهل السنة والجماعة، وأئمة المسلمين، أن لله مشيئة في أفعال الخلق، كما أن له مشيئة في أفعاله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، ولهذا دائمًا الإنسان يريد أن يفعل شيئًا؛ وإذا به يعدل عنه دون أي سبب ظاهر، ولكنها مشيئة الله ﷿.
قيل لأعرابي: بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الهمم، وهذا معناه: أن الإنسان قد يعزم على الشيء ثم إذا به ينتقض عزمه، وكذلك صرف الهمم، تجد الإنسان يتجه إلى شيء معين وإذا به ينصرف بدون أي سبب ظاهر، لكنها مشيئة الله ﵎.
ومشيئة الله ﷿ لأفعال العباد من تمام ربوبيته، حتَّى لا يكون في ملكه ما لا يريده؛ لأن الذين يقولون: إن الإنسان منفرد بمشيئته وليس لله مشيئة في فعله يلزمهم أن يقولوا: إن في ملك الله ما لا يريد.
الفائدة السادسة عشرة: بيان سعة الله ﷿ في كل شيء، في الإحاطة بالخلق علمًا، وقدرة، وسلطانًا، ورحمة، وغير ذلك، الله واسع وكفى في كل شيء ﷾.
[ ٢ / ٤٩ ]
الفائدة السابعة عشرة: إثبات العلم لله ﷿ لقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ والعلم: هو إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك الشيء فهو جاهل، ونوع جهله بسيط، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فهو جاهل ونوع جهله مركب؛ لأنه لا يدري ولا يدري أنَّه لا يدري.
الفائدة الثامنة عشرة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله ﷿ واسع وعليم، وعلى هذا لك أن تدعو الله بذلك، فتقول: اللهم يا واسع أوسع عليَّ في الرزق، اللهم يا عليم اختر لي ما فيه صلاحي، وما أشبه ذلك؛ لأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
واعلم أن جميع أسماء الله مشتقة؛ يعني: دالة على معنى، فليس في أسماء الله اسم جامد لا يدل على معنى أبدًا، حتَّى اسم الله مشتق خلافًا لمن قال إنه جامد؛ لأنه مشتق من الألوهية، والإلوهية مصدر يدل على معنى، فكل أسماء الله دالة على معنى، ولو لم نقل: إنها دالة على معنى لم تكن حسنى؛ لأن الجامد ليس فيه مدح ولا ثناء.
إذًا: كل أسماء الله حسنى وهل كل أسماء الله مشتقة؟
الجواب: نعم مشتقة؛ ولذلك نقول: كل اسم لا بد أن يكون متضمنًا لصفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم، بعض الصفات لا يمكن أن تشتق لله منها اسمًا مثل قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، لا يمكن أن تثبت لله اسم الماكر؛ لأن هذا وصف، والوصف يتقيد بما قيد به.
* * *
[ ٢ / ٥٠ ]