الفائدة الأولى: فضل المؤمنين، الفضل الذي لا شيء فوقه، لقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثلاثة أشياء: الله والرسول والذين آمنوا.
فإن قال قائل: ولاية الله ﷿ صالحة لكل زمان ومكان، لكن كيف ولاية الرسول؟
الجواب: أما ما كان في حياته؛ فالولاية واضحة ظاهرة، وأما بعد وفاته فإن تمسكنا بسنته من توليه لنا؛ لأننا ننصر بها، ونعان بها، فكأنه ﵊ معنا يناصرنا ويعيننا، وأما الذين آمنوا فواضح أن المؤمنين لا يزالون ظاهرين على الحق حتَّى يأتي أمر الله.
الفائدة الثانية: فضيلة من تولى الله ورسوله والذين آمنوا.
الفائدة الثالثة: فضيلة الصلاة؛ لأن الصلاة دائمًا في المقدمة، ولا شك أن الصلاة أفضل العبادات بعد التوحيد والشهادة بالرسالة، ولهذا فرضت من الله ﷿ إلى الرسول - ﷺ - بدون واسطة، وفرضت على الرسول - ﷺ - في أعلى مكان يصل إليه البشر، وفرضت على الرسول في أشرف ليلة كانت له، وفرضت
[ ٢ / ٥٢ ]
على الرسول خمسين صلاة؛ لأن كونها خمسين صلاة يدل على أن الله يحبها؛ لأن خمسين صلاة تستوعب أكثر الوقت، ولكن الله بمنه وكرمه جعلها خمسًا لكن كأنها خمسون، هي خمس بالفعل وخمسون في الميزان (^١).
لو قال قائل: ما السبب في أن كثيرًا من العبادات كالصيام والحج وأكثر العبادات لا تكثر فيها الهواجس والأفكار، وأما الصلاة فيكثر فيها ذلك؟
الجواب: تكثر الأفكار في الصلاة لأنها خير موضوع، والشيطان يريد أن يفسد علينا هذه الصلاة، الصلاة لو أتينا بها على الوجه المطلوب، لكان الأمر كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فتنهى الإنسان عن الفحشاء والمنكر وتعينه أيضًا على البر، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]، هذا هو السبب، ولذلك إذا قوي إيمان العبد أتاه الشيطان من كل وجه يوسوس له في أصل الإيمان لأنه عرف أنَّه إذا قوي إيمانه نجا من هذا العدو الخبيث، وإذا ضعف إيمانه تسلط عليه.
الفائدة الرابعة: أن مرتبة الزكاة في دين الإسلام بعد مرتبة الصلاة، وهكذا في الآيات الكريمة وفي الأحاديث النبوية؛ تاتي الزكاة بعد الصلاة.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء، حديث رقم (٣٤٢)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ -، حديث رقم (١٦٣) عن أبي ذر.
[ ٢ / ٥٣ ]
فإن قال قائل: الزكاة والصيام، الصيام أشق على الإنسان من الزكاة فلماذا لم يقدم؟
قلنا: أولًا: لا نسلم بهذا؛ لأن حب الإنسان للمال حبُّ شديد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ يعني: حب المال ﴿لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، وقال: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٩، ٢٠]، وربما يسهل على الإنسان أن يصوم عشرة أيام ولا يؤدي عشرة دراهم.
ثانيًا: الزكاة فيها نفع متعدي، نفع للإسلام ونفع للمسلمين، فإن من أصناف الزكاة سبيل الله وهذا نفع للإسلام، ومن أصناف الزكاة الفقراء والمساكين والغارمون، وهذه مصلحة للمسلمين، فمصلحة الزكاة متعدية، والصيام غير متعدٍ، فلذلك - والله أعلم بحكمته ﷾ - صارت الزكاة تلي الصلاة.
الفائدة الخامسة: أنَّه لا بد أن يقترن بهذه الأعمال الصالحة الذل والخضوع لله ﷿، بحيث يشعر الإنسان أنَّه متعبد لله خاضع له، وهذا يفوت كثيرًا من الناس، أكثر الناس يؤدي الصلاة على أنَّها مفروضة عليه فقط لكن لا يشعر بأنه متعبد لله بذلك، وكذلك يقال في الزكاة، من أين أخذنا أنَّه ينبغي التنبه لذلك؟ من قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.
والعجب أن الرافضة قالوا: إنه لم يعمل بهذا الآية إلَّا علي بن أبي طالب ﵁، وقالوا: إنه أدى الصدقة وهو راكع، وجعلوا هذا من مناقبه، وحاشاه ﵁ أن يكون ذلك من فعله؛ لأن الحركة في الصلاة غير محمودة، ليست محل حمد، فكونه إذا ركع جاءه الفقراء قال: خذ، خذ، خذ، هذه
[ ٢ / ٥٤ ]
ليست منقبة هذه مثلبة، لما يترتب على صدقته في ركوعه من انشغاله بأمر خارج عن الصلاة فلا يحمد عليه، والصدقة ليست كالجهاد؛ لأن الإنسان يمكن أن يصلي وينهي صلاته ثم يتصدق، لكن الرافضة لا يفهمون، عندهم سفه، كما قالوا في مدحه: إنه يصلي ما بين المغرب والعشاء ألف ركعة! من يصلي ألف ركعة بين المغرب والعشاء؟ ! لو أن إنسانًا يريد أن يفعل هذا ولو كان يرقص رقصًا ما تمكن من أن يصلي ألف ركعة! لكن جعلوا هذا من مناقبه، وهو في الحقيقة من المثالب، ونحن نشهد أنَّه لن يفعل هذا ولم يفعله، لا هذا ولا هذا، ولا نشك أن عليًّا ﵁ له من المناقب والفضائل ما اختص به من بين الخلفاء، وله من الفضائل والمناقب ما شاركه فيه الخلفاء، وللخلفاء من المناقب والفضائل ما لم يحصل لعلي بن أبي طالب، ليس في ذلك شك، فعلي له مناقب، والخلفاء لهم مناقب، يشتركون في بعضها، وينفرد بعضهم عن الآخر في بعضها، لكن الفضل المطلق على هذا الترتيب: أَبو بكر، عمر، عثمان، علي ﵃.
فمثلًا قرابة علي من الرسول ﵊ لا يشاركه فيها أحد لا أَبو بكر ولا عمر ولا عثمان، كون الرسول - ﷺ - يزوج علي بن أبي طالب ابنته فاطمة، يشاركه عثمان بل هو أولى؛ لأن عثمان ﵁ لما ماتت بنت الرسول - ﷺ - الأولى زوجه الثانية، فقد تزوج ابنتين للرسول ﵊، ثم إن الرسول ﵊ أعلن في آخر حياته إعلانًا لا يمكن أن يحصل لغير أبي بكر قال وهو على المنبر، ويبلغ قوله كل
[ ٢ / ٥٥ ]