الفائدة الأولى والثانية: الحث على تولي الله ورسوله والمؤمنين، ويتفرع على ذلك أو هو حقيقةً بمعنى التولي: أن يكون الإنسان دائمًا مرتبطًا بهذه الثلاث: كتاب الله والثاني سنة رسول الله - ﷺ -، والثالث سبيل المؤمنين، ولهذا قال الله ﷾ في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]، فكن دائمًا مرتبطًا بهذه الثلاث.
الفائدة الثالثة: الثناء التام على رسول الله - ﷺ - وعلى المؤمنين، وأن توليهم من أسباب الغلبة، أما تولي الله فهو شأن فوق ذلك.
الفائدة الرابعة: أن لله تعالى حزبًا، ومَنْ حزبه؟ حزبه الذي يقابل حربه؛ لأن الله له حزب، وله حرب فمن أقام على شريعته فهو حزبه، ومن خالف شريعته فهو حربه، فإعلان المخالفة حرب لله، لا سيما فيما نص على أنَّه حرب لله ﷿ كالربا وقطع الطَّرِيقِ وما أشبهها.
فإن قال قائل: أيمكن أن يستدل بهذه الآية من أقاموا الأحزاب في بلادهم؟
[ ٢ / ٥٨ ]
الجواب: لا، لا يمكن؛ لأن المفروض أن المسلمين حزب واحد لا يتفرقون، بل إذا تفرقوا فقد قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، فبرأ النبي - ﷺ - منهم وقال: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ثم توعدهم بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] فهذا كان هذا شأن من فرقوا دينهم كل واحد يقول: الدين معي؛ فكيف يقال: إن إقامة الأحزاب في الدين الإِسلامي جائزة لأن الله قال: حزب الله؟
نقول: كل المسلمين حزب لله ﷿ والدين الإِسلامي حزب واحد ومن خالف خرج عن هذه الحزبية، لكن لا يعني ذلك أن نقول: إنه لا بد أن تقام الأحزاب في الدين الإِسلامي، ولذلك انظر الآن إلى الأمة التي بنت كيانها على قيام الأحزاب ماذا يكون فيها؟ الشر والبلاء العظيم حتى إذا صار حزب في الطليعة وله الغلبة؛ حصل الشر وربما قامت الجيوش على هذا الحزب.
لو قال قائل: هل الحزبية مشروعة؟
الجواب: الحزبية بين المسلمين غير مشروعة، بل هي أداة للتفرق، أما الحزبية بين الكفار وبين المسلمين واجبة؛ لأن غير المسلمين هم حزب الشيطان، فالله تعالى جعل لنفسه حزبًا، وجعل للشيطان حزبًا، ولا بد من هذا، لكن بين المسلمين محرمة لأنها تؤدي إلى الفرقة.
وهل يمكن أن نقيم حزبًا إسلاميًّا ضد حزب شيوعي أو لا يمكن؟
يمكن؛ لأن الله جعل حزبًا لله وحزبًا للشيطان، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] هذا لا بد منه؛
[ ٢ / ٥٩ ]
لأن بني آدم كلهم حزبان: الإيمان والكفر، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] هذا لا بد منه، لكن أحزاب في الحزب الواحد هذا خلاف الإِسلام، ولا يمكن أن يقال، ولذلك يحصل التفكك العظيم إذا قامت هذه الأحزاب.
لو قال قائل: تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ التأكيد على عدم التعددية الحزبية بين المسلمين لكن يظهر الآن في كثير من المجلات مقالات لمن يسمون بأهل الفكر تنص على أولًا: أنه يجوز التعدد الحزبي لأن هناك تعددًا مذهبيًّا مقبولًا عند المسلمين؟
الجواب: أن يقال: إن تعدد المذاهب ما هي إلا تعدد أقوال فقط لكن لا يتحزبون، وإن كان وجد من المتعصبين للمذاهب ما يقتضي أن يكون تحزبًا لكنهم مستحقون للذم وإلا فقد وجد في العصور الوسطى تعصب، حتى إن بعض الحنابلة يضربون الشافعية، والشافعية يضربون الحنابلة لكن هذا منكر بلا شك، أما مسألة الخوارج فالخوارج يقاتلون على أنهم مسلمون، ومع ذلك فإن كثيرًا من علماء السلف أخرجهم من الإِسلام؛ لأن الرسول ﵊ قال: "يمرقون من الإِسلام كما يمرق السهم من الرمية" (^١)، أما مسألة الفكر وما الفكر هذه، فالفكر إن كان مخالفًا لما جاء به الإِسلام فهو فكر باطل مردود على
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، حديث رقم (٦٥٣٣)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، حديث رقم (١٠٦٤) عن أبي سعيد الخدري.
[ ٢ / ٦٠ ]
صاحبه، وهذا مثل قول الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] وإن كان فكرًا صوابًا فلا بد أن يكون في الإِسلام ولا يقتضي التحزبية.
لو قال قائل: الذين يجوزون التعدد الحزبي كيف يصوبون رأيهم والكتاب والسنة أمرا بعدم التفرق؟
الجواب: قل: اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه.
لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾، هذه الجملة فيها حصر لأن الغلبة لحزب الله ﷿، لو أُورد علينا إِيرَادُ هذا القائل فإننا نجد أن المسلمين صارت عليهم هزائم وصارت الغلبة لأعدائهم حتى في عهد الرسول - ﷺ -؟
الجواب: المراد هم الغالبون باعتبار النهاية وغلبة غير المسلمين لا بد أن يكون لها حكمة، فمثلًا: في أُحُد سببها المخالفة والمعصية، وفي حنين سببها الإعجاب، فالله تعالى قد يُدِيلُ الكفار على المسلمين لحكمة، إما لتقصير المسلمين أو لغلوهم في أنفسهم أو لأي سبب لكن في النهاية تكون الغلبة لحزب الله، الذين هم أولياء الله.
الفائدة الخامسة: البشرى لحزب الله بالغلبة؛ فهم الغالبون على أعدالهم واقرأ قول الله ﵎: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٣]، بشر المؤمنين بأن لهم النصر.
* * *
[ ٢ / ٦١ ]
° قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [المائدة: ٥٧].