الفائدة الأولى: بيان لشدة وقع الصلاة في أعدائنا الكفار اليهود والنصارى، وجه ذلك: أنه لما ذكر في الآية التي قبلها
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث رقم (٣٩٥) عن أبي هريرة.
[ ٢ / ٧١ ]
أنهم يتخذون ديننا هزوًا ولعبًا؛ الصلاة بعد هذا، وتخصيص الشيء من العموم يدل على العناية به وعلى شرفه على العموم.
الفائدة الثانية: مشروعية النداء للصلاة، لقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ وكما قلنا: إن النداء يعني الأذان.
الفائدة الثالثة: أن النداء للصلاة أمر معلوم بالضرورة من الدين، لقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ فكان هذا أمر معلوم مفروض منه.
الفائدة الرابعة: أنه إذا كان النداء للصلاة مشروعًا كان عبادة يتقرب به المنادي إلى الله، وهو كذلك، فالأذان من أفضل الأعمال، حتى إن الله خص المؤذنين بخصيصة يوم القيامة ليست لغيرهم؛ وهي كونهم أطول الناس أعناقًا، رفع الله رؤوسهم بطول أعناقهم؛ لرفعهم ذكره بين العباد، فهم يختصون بهذه الخصيصة التي لا يشاركهم فيها غيرهم.
والظاهر أن قوله - ﷺ -: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا" (^١) هذا فيمن يسمى مؤذنًا، أي: يداوم على الأذان ولا يحصل ذلك لمن أذن مرة أو مرتين، وإلا لقال الرسول ﵊: من أذن كان أطول الناس.
فإن قال قائل: ما تقولون: أهو أفضل أم الإمامة؟
الجواب: أنه أفضل من الإمامة؛ لأن النصوص الواردة فيه أكثر من النصوص الواردة في الإمامة من حيث الفضل، فالمؤذن أفضل من الإِمام من حيث الأجر ومن حيث المرتبة، صحيح أنه
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب فضل الأذان وهروب الشيطان عند سماعه، حديث رقم (٣٨٧) عن معاوية بن أبي سفيان.
[ ٢ / ٧٢ ]
متبوع، لكن المؤذن تلحقه مشقات عظيمة، وفي الزمن السابق كان يصعد المنارة الطويلة خمس مرات، ثم إذا تأخر المؤذن فضح نفسه كُلٌّ عرف أنه لم يحضر والإمام ليس كذلك.
فإن قال قائل: يرد عليكم إذا كان أفضل من الإمامة، فلماذا لم يؤذن الرسول ﵊ ولم يؤذن أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي؟
قلنا: لانشغالهم بما هو أهم، ونحن الآن لا نريد المفاضلة بين الأذان وغيره من سائر العبادات، بل بين الأذان والإمامة، ولا شك أن الرسول ﵊ والخلفاء الراشدين، لو ألزموا أنفسهم بالأذان لكانوا يبقون مراقبين للأوقات مدة طويلة، وفي ذلك الوقت ليست الساعة في جيب الإنسان ليخرجها ويعرف أنَّ الوقت حضر، مَنْ يرقب الشمس ليعرف أنها الآن ستزول أو لا تزول أو زالت أو لم تزل؟ فهم مشتغلون بما هو أهم من التفرغ للأذان.
فإن قال قائل: أفلا يمكنهم أن يوكلوا من يرقب الأوقات، فإذا دخلت جاؤوا؟
قلنا: هذا يسقط عنهم عناء كثير من الأذان الذي ربما يكون الفضل من أجل هذا المعنى فيفوت المقصود.
فالحاصل أن القول الراجح من أقوال العلماء: أن الأذان أفضل من الإمامة.
فإن قال قائل: غير المؤذنين أفلا يكون لهم حظ؟
قلنا: بلى، لهم حظ والحمد لله وهو مشروعية متابعة المؤذن، يعني: أنه شرع لنا أن نقول مثل ما يقول المؤذن، حتى
[ ٢ / ٧٣ ]
لا يمتاز عنا بعمل ليس لنا منه حظ، وهذا من نعمة الله ورحمته وحكمته، أنه لم يُضِعْ غير المؤذنين من الأجر الذي يخص الأذان، فنحن مأمورون بمتابعة المؤذن، وأن نقول مثل ما يقول إلا في حيَّ على الصلاة حي على الفلاح لا نقول هذا؛ لأننا لو قلنا مثله لكنا ندعوه، فالمؤذن يدعونا بقوله: حي على الصلاة، فإذا قلنا: "حي على الصلاة" تعارض النداءان، لكننا نقول إذا قال: "حي على الصلاة" نقول ما يدل على أننا نقول: سمعًا وطاعة، وهو: لا حول ولا قوة إلا بالله، فكأننا قلنا: سمعًا وطاعة، ولكننا نسأل الله أن يعيننا؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
الحاصل أنه شُرع لنا متابعة المؤذن حتى لا يمتاز عنا بعمل، وليس معنى ذلك أن تحصل على الأجر الذي يحصل عليه المؤذن، لكن نشارك المؤذن في بعض الثواب، ونظير ذلك من بعض الوجوه أنه شرع لمن لم يحج أن يضحي حتى يشارك الحجاج في شيء من أفعالهم كذبح القربان، وأن يتجنب الأخذ من الشعور والأظافر والجلد، كل هذا لأجل أن يعرف الناس حكمة الله ﷿.
فإن قال قائل: إذا ثبت أن الأذان عبادة، فما تقولون في بعض الناس الذين ثبطهم الكسل والوهن، وصاروا يجعلون مسجلًا عند مكبر الصوت، فإذا جاء وقت الأذان فتحوا المكبر؟
نقول: هذا خطأ وغلط عظيم وتفويت الخير على الأمة وهذا ليس مؤذنًا؛ لكنه حاكيًا لصوت مؤذن سابق، ولذلك يجعل المسجل بصوت إنسان قد مات، فليس هذا عبادة، وفي رأيي
[ ٢ / ٧٤ ]
أنه، لا يحصل به أداء الفريضة، إذا لم يكن مؤذنًا آخر يسمع في هذا المكان؛ لأن هذا مجرد صوت، ليس رجلًا متعبدًا لله ﷿ بهذا الأذان كما لو جعلنا للجرس ساعة إذا لسُمع، معناه: دخل الوقت، وهذه نقطة ينبغي لنا أن نعرفها؛ أن الدين الإِسلامي عبادة ذات جسد وروح، ليست مجرد طقوس تسمع أو حركات تفعل، بل هو عبادة، فالأذان عبادة، إذَا يجب أن يكون عبادة، ولو أراد أن يقيس قائس على هذا، وقال: ننقل بالشريط صلاة إمام حسن القراءة حسن الصوت ونجعل الشريط أمام المصلين ونجعله يصلي بهم، يصح أو لا يصح؟ بالاتفاق لا يصح ولا إشكال، مع أنه سيقول: الله أكبر لتكبيرة الإحرام على أحسن ما يكون، والقراءة على أحسن ما يكون، ويقول الله أكبر للركوع، ويرفع صوته قليلًا عندما يقول: سبحان ربي العظيم لأجل ألا يشتبه لأنه لا يرى، لكنه بدلًا من أنهم لا يرونه يرفع صوته بالتعظيم، سبحان ربي العظيم وهكذا، لا أحد يقول: هذا يجزئ، فالأذان مثله حذو القذة بالقذة؛ لأننا لا نريد مجرد صوت نعلم به دخول الوقت.
لو قال قائل: انتشر بين الناس اليوم قول لا إله إلا الله بعد الإقامة وصاروا يجعلون هذا سنة، يعني: شاع في كثير من المساجد يضجون بها ضجًا حتى يستغرب الإنسان؟
الجواب: هذا مبني على صحة الحديث وهو متابعة المقيم والصحيح أن الحديث ضعيف وأن متابعة المقيم ليست بسنة، ومنها أيضًا أن يقال: أقامها الله وأدامها، فلا يقال: أقامها الله وأدامها، ولا يقال: لا إله إلا الله في آخرها، ولا يقال بعد ذلك: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة.
[ ٢ / ٧٥ ]