الفائدة الأولى: عرض الخطاب بصيغة الاستفهام؛ لأن ذلك أمكن في النفس وأحضر للقلب، لقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)﴾ [الشعراء: ٢٢١] ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ [الكهف: ١٠٣].
الفائدة الثانية: أن هؤلاء اليهود الذين سخروا من النبي - ﷺ - وأصحابه؛ هم شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل لما اتصفوا به من الصفات المذكورة.
_________________
(١) رواه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٧٩) (٦٤١١).
[ ٢ / ٩٠ ]
لو قال قائل: هل كل صفة ثبتت بأنها صفة من صفات اليهود أو النصارى في الكتاب أو السنة ثابتة لهم إلى يوم القيامة، أو أنه لا بد أن يدل دليل على استمرارها؟
الجواب: أما أفعالهم فلا تستمر، يعني: ما ذكر من أفعالهم، قد يكون في وقت نزول القرآن أو قبله، مما يعلمه الموجودون في وقت نزول القرآن، ويتغير كما أن دين بني إسرائيل الذين هم عليه الآن ليس هو الدين الذي جاء به عيسى ولا موسى، واقرأ ما عندهم الآن من الكتب المؤلفة تجد أن فيها مخالفة لما نقل الله عنهم في أفعالهم.
الفائدة الثالثة والرابعة: أن العبرة بالمنزلة عند الله لقوله: مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ ويتفرع على هذا: أنه ينبغي لنا أن لا ننظر إلى منزلتنا عند الناس وإنما ننظر إلى منزلتنا عند الله ﷿، وإذا صححنا ذلك كفانا الله مؤونة الناس.
الفائدة الخامسة: أن اسم التفضيل قد يقع بين شيئين لا يشتركان في أصل المعنى، لقوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾ لأن المعنى: باشر من ذلك وكذلك في الخير ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] ولا خير في مستقر أهل النار.
الفائدة السادسة: أن أولئك اليهود بل أهل الكتاب عمومًا وُصِموا بهذه الصفات الأربعة: اللعنة والغضب والمسخ وعبادة الطاغوت.
الفائدة السابعة: إثبات الغضب لله ﷿، لقوله: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾، وفي سورة الفاتحة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] والغضب: صفة من صفات ذاته ﷿، لكنه من
[ ٢ / ٩١ ]
الصفات الفعلية، وقلنا: من صفات ذاته لئلا يقول قائل: إن الغضب هو الانتقام، والانتقام شيء منفصل عن ذات الله، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الغضب صفة من صفات الله ثابت لله حقيقةً بلا تحريف، وفسره أهل التحريف بأن المراد به: الانتقام، أو إرادة الانتقام، فمن أثبت الإرادة قال: المراد به إرادة الانتقام، ومن لم يثبتها قال: المراد به الانتقام، ولكن هذا التفسير مردود:
أولًا: لمخالفته ظاهر اللفظ، والأصل في الأخبار أن تؤخذ على ظاهرها إلا بدليل صحيح.
ثانيًا: أنه مخالف لما عليه السلف، فلم يأتِ عن الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة حرف واحد يفسر الغضب بالانتقام أو إرادته، وسكوتهم عن تفسيره بما يخالف الظاهر دليل على إجماعهم على أن المراد به ظاهره، فيكون تفسيره بالانتقام أو إرادته مخالفًا لإجماع السلف، وهذه قاعدة نافعة تفيد في كل صفات الله ﷿.
ثالثًا: أنه يكذبه القرآن، يعني يبطل هذا التفسير القرآن الكريم وذلك في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥] فإن معنى آسفونا أي: أغضبونا، ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ ومعلوم أن الجزاء غير الشرط، ﴿انْتَقَمْنَا﴾: جواب الشرط، و﴿آسَفُونَا﴾: فعل الشرط، وجواب الشرط يخالف الشرط بلا شك، فهذه الآية الكريمة ترد عليهم ذلك التفسير.
رابعًا: أننا إذا تنزلنا معهم وقلنا: إنه إرادة الانتقام أو
[ ٢ / ٩٢ ]
الانتقام؛ فإن لازم ذلك أن يكون هناك غضب؛ لأن إرادة إلانتقام أو الانتقام نفسه؛ لا يكون إلا عن فعل شيء لا يرضاه المنتقم، وهذا يكون نتيجة للغضب فهم مهما فروا لا بد أن يلزمهم إثبات الغضب لله ﷿.
هنا عبارة يذكرها بعض المحققين يقولون: إن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وهذه العبارة فيها حق وباطل، أما الحق: فقولهم: طريقة السلف أسلم، وأما الباطل: فقولهم: طريقة الخلف أعلم وأحكم؛ لأن هذه الجملة الأخيرة تناقض الأولى تمامًا؛ لأنه كيف تكون السلامة مع الجهل أو السفه؛ لأن ضد العلم الجهل وضد الحكمة السفه، فكيف يمكن أن تكون هناك سلامة بدون علم وحكمة، فمتى كانت طريقة السلف أسلم لزم أن تكون أعلم وأحكم، ويدل على هذا أن السلف والحمد لله كتبهم مملوءة بتفسير آيات الصفات وأحاديثها، فلم يأتِ عنهم كلمة واحدة يقولون فيها: والله لا نعرف هذا المعنى، ولا نعرف معنى الآية، ولا نعرف معنى الحديث أبدًا، بل كانوا يقولون: المعنى معلوم والكيف مجهول، ويقولون: أمروها كما جاءت بلا كيف، فطريقة السلف إذًا أسلم وأعلم وأحكم.
الفائدة الثامنة: قدرة الله ﷿ على مسخ الإنسان قردًا وخنزيرًا، لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ وهل هذا الجعل جعل كوني أو جعل شرعي؟
الجواب: قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [الأعراف: ١٦٦] هذا أمر كوني وليس أمرًا شرعيًّا.
[ ٢ / ٩٣ ]
لو قال قائل: هل يقال: من استهزأ بشيء من شعائر الإِسلام يناله ما نال اليهود من هذه العقوبات المسخ والغضب إلخ؟
الجواب: أما إذا قلنا: إن القردة والخنازير أمر معنوي فقد يصيبه هذا وقد ينتكس والعياذ بالله ولا ينتفع بحق، وإذا قلنا: إنه حسي فكذلك أيضًا، أليس النبي - ﷺ - قال: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام، أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار" (^١).
لو قال قائل: هل يجوز للإنسان أن يقول: اليهود والنصارى إخوان القردة والخنازير؟
الجواب: لا بأس أن يقول هذا، لكن أنا عندي أنه غير مناسب، خصوصًا في مقام الدعوة تأتي مثلًا ليهودي تقول: تعال يا أخا القردة والخنازير آمن بمحمد - ﷺ -، هذا لا يصح، لكن على سبيل الخبر قد يقال بالجواز، فعبد الله بن رواحة ﵁ لما جمعهم ليخرص عليهم النخل قال: إني جئتكم من أحب الناس إليّ وإنكم لأبغض إليّ من عدتكم من القردة والخنازير (^٢).
الفائدة التاسعة: أن لا يستعصي على الإنسان طلب الشيء من الله ﷿ ما دام ليس في طلبه عدوان، ولنضرب لهذا مثلًا: برجل مريض بمرض السرطان، بعض الناس يقولون: مرض
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب إثم من رفع رأسه قبل الإِمام، حديث رقم (٦٥٩)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإِمام بركوع أو سجود ونحوهما، حديث رقم (٤٢٧) عن أبي هريرة.
(٢) تقدم في (١/ ٤١٤).
[ ٢ / ٩٤ ]
السرطان لا يرجى برؤه، وهذا هو الغالب بلا شك، لكن بعض الناس ييأس ويقول: كيف أدعو الله أن يبرئني من هذا المرض، والعادة أنه لا يبرأ منه، وهذا غلط عظيم؛ لأن الذي أوجد المرض قادر على رفعه، والذي خلقك ولم تكن شيئًا قادر على أن يعيدك كما كنت، ولهذا لما قال زكريا ﵊: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ [مريم: ٨] قال الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم: ٩] فلا تيأس فالله على كل شيء قدير.
الفائدة العاشرة: حكمة الله تعالى في العقوبة، حيث يجعل الجزاء من جنس العمل، وسيأتينا في قول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] أنهم عوقبوا بغل اليد، فالجزاء دائمًا يكون من جنس العمل، الجزء بالجزء والكل بالكل، سواء في الثواب أو في العقاب، ففي الحديث عن النبي - ﷺ -: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضوٍ منه عضوًا من النار" (^١) هذا في الثواب.
وفي العقاب: قال النبي - ﷺ -: "ويل للأعقاب من النار" (^٢)؛ لأن التفريط حصل في الأعقاب، توضأ الصحابة ﵃
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب العتق، باب ما جاء في العتق وفضله، حديث رقم (٢٣٨١)، ومسلم، كتاب العتق، باب فضل العتق، حديث رقم (١٥٠٩) عن أبي هريرة.
(٢) رواه البخاري، كتاب العلم، باب من رفع صوته بالعلم، حديث رقم (٦٠)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، حديث رقم (٢٤١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ٢ / ٩٥ ]
على عجل فكانوا يمسحون أقدامهم ولا يسبغون، فنادى ﵊: "ويل للأعقاب من النار"، وكذلك قال النبي ﵊: "ما أسفل من الكعبين ففي النار" (^١)، فهنا الجزاء كان جزئيًّا على قدر المخالفة، وسبق أن قلنا: الحكمة في جعلهم قردة وخنازير، أن القرد أقرب ما يكون للإنسان، والحيلة التي فعلوها أقرب ما تكون للحل والإباحة ولكنها محرمة.
الفائدة الحادية عشرة: أن كل من عبد غير الله فقد عبد الطاغوت، يعني: عبد عبادة الطاغوت.
فإن قال قائل: هل يشمل هذا ما جاء في الحديث: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة" (^٢)؟ قلنا: نعم، إذا جعل المال هو أكبر همه فإن هذا نوع من العبادة.
ومعني عبد الطاغوت أي: عبد عبادة الطاغوت، يعني: الطغيان، فالطغيان يعود على العابد، ولما أنزل الله تبارك تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ [الأنبياء: ٩٨، ٩٩] قال المشركون للرسول ﵊: إذًا عيسى ابن مريم في النار؛ لأنه ممن عُبدَ من دون الله، فأنزل الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب اللباس، باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار، حديث رقم (٥٤٥٠) عن أبي هريرة.
(٢) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقي من فتنة المال، حديث رقم (٦٠٧١) عن أبي هريرة.
[ ٢ / ٩٦ ]