الفائدة الأولى: أهمية الوضوء للصلاة وإن شئت فقل: أهمية الطهارة للصلاة بوضوء أو غسل أو تيمم، وجه الأهمية: أن الله صدَّر الخطاب بالنداء؛ لأن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، فإنك تجد الفرق بين أن تتحدث حديثًا مرسلًا هكذا وبين أن توجه الخطاب إلى المخاطب، فتقول: يا فلان افعل كذا، واترك كذا وما أشبه ذلك.
الفائدة الثانية: أن هذه الطهارة من مقتضيات الإيمان، كأنه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لإيمانكم افعلوا كذا وكذا.
الفائدة الثالثة: أن الإيمان يزيد بالطهارة، وضوءًا كانت أو غسلًا أو تيممًا؛ لأنها إذا كانت من مقتضياته لزم أن يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها.
الفائدة الرابعة: أن الإخلال بها منافٍ لكمال الإيمان، يعني: لو صليت بدون وضوء أو بدون غسل أو بدون تيمم فإن ذلك ينقص من إيمانك؛ لأنك خوطبت بصفة الإيمان على أن تقوم بهذا، لكن هل ينافي أصل الإيمان؟ جمهور العلماء: على أنه لا ينافي أصل الإيمان، وأن من صلى محدثًا لم يكفر، وقال أبو حنيفة ﵀: إن من صلى محدثًا كفر؛ لأنه مستهزئ بآيات الله ﷿، وعلى هذا فيكون عدم القيام بها منافيًا لأصل الإيمان.
الفائدة الخامسة: مشروعية الوضوء أو الغسل أو التيمم عند
[ ١ / ٩٩ ]
كل صلاة، حتى وإن كنت على طهارة، فمثلًا: لو توضأت لصلاة الظهر وجاء وقت العصر وأنت على طهارتك نقول: الأفضل أن تتوضأ، لقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ و"أل" هذه للعموم، ولم أعلم أن أحدًا من الناس قال: إنه يشرع إذا قام لكل صلاة موالية للأخرى كما لو كان يصلي الليل ركعتين ركعتين، كلما فرغ من ركعتين ذهب وتوضأ، ولكن فيما بين الأوقات نعم، فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه يشرع للإنسان إذا دخل وقت الصلاة الأخرى أن يجدد الوضوء ولو كان على طهارة.
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوضوء لكل صلاة، ولكن هذا ضعيف؛ لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه صلى الصلوات الخمس بطهور واحد (^١)، ولأنه أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة (^٢)، فدل هذا على أن هذا الحكم خاص بالمستحاضة، أعني: وجوب الوضوء لكل صلاة.
الفائدة السادسة: أن الطهارة لا تجب إلا للصلاة، وعلى هذا فلا تجب لقراءة القرآن، ولا تجب لمس المصحف، ولا تجب للطواف، ولا تجب للسعي، ولا لغير ذلك من الأعمال الصالحة، وإلى هذا ذهب قوم من أهل العلم أنه لا وضوء إلا لصلاة.
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد، حديث رقم (٢٧٧) عن بريدة ﵁.
(٢) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب عرق الاستحاضة، حديث رقم (٣٢١)، ومسلم، كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، حديث رقم (٣٣٣) عن عائشة ﵂.
[ ١ / ١٠٠ ]
ولهذا لما قيل للنبي - ﷺ -: أتتوضأ؟ -من عمل عمله-.
قال: "إني لم أرد أن أصلي" (^١) أو كما قال ﵊، مما يدل علي أنه من المعلوم أنه لا وضوء إلا للصلاة، ولا شك أن هذا هو الأصل، وأن من ادعي أن غير الصلاة يجب الوضوء له فإن عليه الدليل، وإلا فالأصل أنه لا يجب إلا للصلاة.
فلننظر: مس المصحف اختلف فيه العلماء: هل تجب له الطهارة أو لا؟
فمنهم من قال: إن الطهارة واجبة لمس المصحف، واستدلوا بقوله تعالي: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]، واستدل آخرون بقول النبي - ﷺ - في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم: "ألا يمس القرآن إلا طاهر" (^٢).
فأما استدلال الأولين بقوله تعالي: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩] فإنه لا يستقيم؛ لأن الضمير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ ضمير المفعول به يعود إلي الكتاب المكنون، واقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩] الضمير يعود إلي أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الكتاب المكنون، وأيضًا يقول: ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ ولم يقل:
_________________
(١) رواه مسلم بلفظ: (أن النبي - ﷺ - خرج إلي الخلاء، فأتي بطعام فذكروا له الوضوء، فقال: "أريد أن أصلي فأتوضأ؟ ")، كتاب الحيض، باب جواز أكل المحدث الطعام وأنه لا كراهة، حديث رقم (٣٧٤) عن ابن عباس ﵄.
(٢) رواه ابن حبان، كتاب التاريخ، باب كتب النبي - ﷺ -، حديث رقم (٦٥٥٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٢) (١٤٤٧)، والدارقطني (١/ ١٢١) (١).
[ ١ / ١٠١ ]
إلا المطَّهِّرُون، وفرق بين المطَهر والمتطهر، والمطَهَّرون هم الملائكة.
وأما حديث عمرو بن حزم: فإن من لا يستدل بالمرسل لا يراه حجة، والحديث مرسل مشهور، يقول: ما دام مرسلًا فالمرسل من قسم الضعيف فلا نئبت به حكمًا نلزم به عباد الله، فلا يستقيم الدليل، ففي هذه الآية نعبر بقولنا: لا يستقيم الاستدلال، وفي هذا الحديث نعبر بقولنا: لا يستقيم الدليل، ومن رأي أن هذا الحديث المرسل بعينه حجة لتلقي الأمة له بالقبول في الزكاة والديات وغيرها، وعملوا بهذا الحديث فإن كان خبرًا فبالتصديق، وإن كان عملًا فباعتباره حكمًا، والعلماء الذين صححوه أخذوا به في الديات وأخذوا به في الزكاة، وأسنان الإبل وقد اعتبروه دليلًا، والحديث وإن كان مرسلًا فإن العلماء تلقوه بالقبول، والمرسل إذا تلقته الأمة بالقبول وعملت به دل ذلك علي أن له أصلًا، وهذه الفائدة الحديثية تفوت علي كثير من الناس، وما أحسن البحث الذي كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مقدمة التفسير حول هذا الموضوع.
وإذا كان حجة فقال بعض العلماء: حتي لو ثبت واحتججنا به فيما جاء فيه من الأحكام فإن قوله: "إلا طاهر" يحتمل أن يراد بالطاهر المؤمن، ويحتمل أن يراد به المتوضئ، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال.
وعلي هذا: فلا تجب الطهارة لمس المصحف، فنقول في رد هذا: إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، هذا إذا تساوي الاحتمالان، فليس أحدهما بأولي من الآخر، وأما مع رجحان
[ ١ / ١٠٢ ]
أحد الاحتمالين فالواجب الأخذ بالراجح، ولو أننا جعلنا لكل نص يحتمل وجهين جعلنا دلالته ساقطة لضاعت علينا أحكام كثيرة وأدلة كثيرة.
فنقول: أيهما أرجح أن يراد بالطاهر المؤمن أو أن يراد بالطاهر المتوضئ؟
الثاني أرجح؛ لأننا لم نعهد أن الرسول ﵊ كان يعبر عن المؤمن بالطاهر، لأن وصف المؤمن أحب إلي النفوس وأقوي في الثناء من وصف الطاهر.
لكن قد يقول قائل: هذا الظاهر الذي قلتم يعارضه أن الرسول ﵊ ذكر ذلك في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم وقد بعثه إلي اليمن، فهذه قرينة علي أن المراد بالطاهر المؤمن؛ لأنه متوجه إلي قوم كفار يدعوهم إلي الإسلام، وهذا لا شك أنه مؤثر في الاستدلال، لكن كون الرسول ﵊ لم يستعمل قط كلمة طاهر تعبيرًا عن المؤمن، يضعف هذا الوجه.
فالذي يظهر أن مس المصحف لا يجوز إلا بوضوء، هذا هو الظاهر.
لو قال قائل: كيف الجواب علي حديث: "كان رسول الله - ﷺ - يذكر الله علي كل أحيانه" (^١) والقرآن داخل في عموم الذكر، فلا يشترط لقراءة القرآن الوضوء؟
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب هل يتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا وهل يلتفت في الأذان، ومسلم، كتاب الحيض، باب ذكر الله تعالي في حال الجنابة وغيرها، حديث رقم (٣٧٣) عن عائشة ﵂.
[ ١ / ١٠٣ ]
الجواب: إن سلمنا أن القرآن يدخل في مطلق الذكر فإن هذا العموم خصص بقوله - ﷺ -: "لا يمس القرآن إلا طاهر" والمسألة ليست قراءة القرآن فهي داخلة في العموم بلا شك، لكن المسألة هي مس المصحف، أما القراءة فالرسول - ﷺ - يقرأ القرآن بلا وضوء، فهذا الحديث لا يعارض القول بوجوب الوضوء لمس المصحف، فهما مسألتان كل واحدة مستقلة، ولهذا نقول لمن ليس علي وضوء وأراد أن يقرأ من المصحف: اجعل بينك وبينه حائلًا واقرأ.
لو قال قائل: بعض الناس منع الكتابة علي المصحف هل قوله معتبر؟
الجواب: في الزمن السابق الكتابة غير معربة لا في الأصل ولا فيما يكتب علي الحواشي، فَكَرِهَ بعض السلف أن يكتب علي المصحف شيئًا؛ لئلا يختلط القرآن بالمكتوب أو بغيره، أما الآن فلا يختلط، فاذا كانت الكتابة لا تؤثر علي الحروف فلا بأس، بمعني أن الكتابة لا تكون بين الأسطر فتختلط بالقرآن.
بقي علينا الطواف، إذا قال قائل: أين الدليل علي أن الطواف تشترط له الطهارة؟
نقول: الدليل قول عبد الله بن عباس ﵄: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام" (^١) وهذا
_________________
(١) الحديث رواه مرفوعًا: الترمذي، كتاب الصوم، باب الكلام في الطواف، حديث رقم (٩٦٠)، وابن حبان، كتاب الحج، باب دخول مكة، حديث رقم (٣٨٣٦)، والدارمي، كتاب المناسك، باب الكلام في الطواف، حديث رقم (١٨٤٧)، وانظر: إرواء الغليل (١٢١).
[ ١ / ١٠٤ ]
الحديث روي مرفوعًا إلي الرسول ﵊، وروي موقوفًا علي ابن عباس، فرواية المرفوع ضعيفة، يعني: لا نقول: إنه تعارض رفع ووقف فيجب الأخذ بالرفع؛ لأن الرافع معه زيادة علم، ولأن الراوي كثيرًا ما يعبر عما رواه مرفوعًا بقولٍ من عنده، فيظن سامعه أنه موقوف عليه؛ لأننا نقول: كلام الرسول ﵊ لا يتناقض ولا يخالف الواقع، وهذا متناقض، لا يصح طردًا ولا عكسًا.
فلننظر: إذا قلنا: إنه صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام، نقول: يجب التكبير عند الدخول فيه، والتسليم عند الانتهاء منه، وقول: سبحان ربي الأعلي فيه وسبحان ربي العظيم، والاتجاه إلي القبلة، وألا يأكل فيه، ولا يشرب وهلمَّ جرًا، فنجد أنه يخالف الصلاة أكثر مما يوافقها، وهل يمكن أن يرد عن المعصوم كلام تكون المخالفة فيه أكثر من الموافقة؟ لا يمكن أن يرد، ولهذا ليس في هذا الحديث دليل علي أن الطواف تشترط له الطهارة، وهنا النظر في الاستدلال وفي الدليل أي النظر فيهما جميعًا؛ لأننا لا نقبل مثل هذا الحكم العام، الذي تتوافر الدواعي علي نقله، ويحتاج الناس إليه في كل وقت وحين، لا يمكن أن نقبله وهو بهذا الثبوت الهش لا بد أن يكون قد تواتر أو اشتهر علي الأقل، وثانيًا: أنه لا يمكن أن يكون مرفوعًا لكونه متناقضًا.
إذًا: لا تشترط الطهارة للطواف.
فلو قال قائل: دعونا من هذا الحديث، أليس الطائف إذا طاف لا بد أن يصلي؟ فهل تقولون: إن الطائف يصلي بلا وضوء؟
[ ١ / ١٠٥ ]
الجواب: لا، لا نقول ذلك، بل نقول: يطوف ولا يصلي، وليست الصلاة بعد الطواف شرطًا في صحته، فنقول: إن كان الماء قريبًا ذهب وتوضأ وصلي، وإن كان لا يجد ماءً إلا بعيدًا فإن الصلاة تسقط عنه.
فإذا قال قائل: إن النبي - ﷺ - بلا شك طاف متطهرًا وصلي ركعتين خلف المقام، وقال: "خذوا عني مناسككم" (^١)؟
قلنا: هذا الحديث: "خذوا عني مناسككم" (^٢) ليس علي عمومه بالإجماع، وما أكثر المسائل التي يفعلها الرسول - ﷺ - وكانت علي سبيل الاستحباب، فنحن نقول: المستحب بلا شك أن يطوف علي طهارة ولا إشكال في ذلك، أما أن نقول: إن الطهارة شرط للطواف وأن من طاف محدثًا فطوافه غير صحيح حتي ولو لزم من ذلك مشقة عظيمة كما لو كان الطوافُ بغير طهارة طوافَ الإفاضة، ثم قدم إلي بلده وقلنا: إن حجك لم يتم، قد يكون فيه مشقة شديدة، ويقع ذلك كثيرًا أعني عدم الطهارة في هذه الأعصار؛ لأن الزحام يكون شديدًا، ومدة الطواف تكون طويلة، وربما يُحْدث الإنسان في أثناء ذلك، فهل نقول: اخرج وتوضأ، وإذا قلنا: اخرج وتوضأ خرج وتوضأ ثم رجع ثم أحدث مرة ثانية هذا فيه مشقة شديدة.
والذي نري في هذه المسألة أنه لا يشترط للطواف وضوء،
_________________
(١) رواه البيهقي في السنن الكبري (٥/ ١٢٥) (٩٣٠٧)، وهو عند مسلم بلفظ: "لتأخذوا مناسككم"، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر، حديث رقم (١٢٩٧) عن جابر بن عبد الله.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ١ / ١٠٦ ]
وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ويكفينا أن نستدل بهذه الآية، ونقول: أي عمل تشترط له الطهارة يحتاج إلي دليل.
لو قال قائل: ما الجواب على منع النبي ﵊ عائشة ﵂ من الطواف، وكذلك صفية؟
الجواب: الرسول - ﷺ - منع عائشة ﵂ من الطواف لأنها حائض (^١) وكذلك صفية (^٢)، فالحائض لا يرخص لها في البقاء في المسجد، ولهذا لو اضطرت الحائض إلي أن تطوف قلنا لها: طوفي وتلجمي حتي لا يتلوث المسجد بالدم، فتطوف للضرورة، فعائشة وصفية كانا عليهما الحيض، وكلامنا في الوضوء فلا إشكال علي هذا.
الفائدة السابعة والثامنة: وجوب غسل الوجه، لقوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ ويتفرع علي ذلك: أنه لو مسح وجهه مسحًا لم يصح وضوؤه لقوله: "اغْسِلُوا".
الفائدة التاسعة: وجوب استيعاب الوجه بالغسل، فلا بد أن يغسل كل الوجه، لقوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾.
الفائدة العاشرة: أنه لا يجب غسل شيء من الرأس، خلافًا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، حديث رقم (٢٩٩)، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج ، حديث رقم (١٢١١) عن عائشة ﵂.
(٢) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب المرأة تحيض بعد الإفاضة، حديث رقم (٣٢٢)، ومسلم، كتاب الحيض، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، حديث رقم (١٢١١) عن عائشة ﵂.
[ ١ / ١٠٧ ]
لما ذهب إليه بعض الأصوليين وقال: يجب أن يغسل جزءًا من الرأس؛ لأنه لا يتحقق أنه غسل جميع الوجه إلا بغسل جزء من الرأس، ويجب أن يمسح بعض الوجه؛ لأنه لا يتحقق أنه مسح الرأس كله إلا بمسح بعض الوجه، فيكون عندنا جزء من البدن تجب فيه طهارتان، مسح وغسل، وهذا خلاف ظاهر القرآن، وهو في الحقيقة نوع من التنطع، فيقال: حد الوجه معروف، وما زاد عن الوجه فليس بواجب أن يُغسل.
الفائدة الحادية عشرة: وجوب غسل الأيدي من أطراف الأصابع إلي المرافق، لقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.
لو قال قائل: الآية لم تذكر أن غسل اليدين قبل الوجه مما يدل علي عدم الوجوب، لكن لو قيل إن الوجوب يؤخذ من مداومة النبي - ﷺ - علي غسلها؟
الجواب: هذا يرده قوله ﵊: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتي يغسلها ثلاثًا" (^١) فأوجب الغسل فيما إذا كان قد قام من نوم الليل والفعل لا يدل علي الوجوب، خاصة إذا كان عندنا نص من القرآن وظاهر السنة، وأما كونهم يستدلون بالمداومة علي الوجوب في بعض الأحكام هذا إذا لم يوجد معارض، وهنا يوجد معارض وهو ظاهر الآية.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب الاستجمار وترًا، حديث رقم (١٦٠)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها، حديث رقم (٢٧٨) عن أبي هريرة، واللفظ لمسلم.
[ ١ / ١٠٨ ]
الفائدة الثانية عشرة: أنه إذا أراد غسل اليد بدأ من أطراف الأصابع؛ لأن ﴿إِلَي﴾ تفيد الغاية، فإذا كان المرفق هو الغاية لزم أن يكون أطراف الأصابع هو البداية، لكن هذا فيه شيء من النظر؛ لأن الذي تعتبر فيه البداية والنهاية إذا جاءت ﴿مِن﴾ و﴿إِلَي﴾ وأما إذا حددت النهاية فقط وسكت عن البداية، فإنه لا يدل علي أن الأفضل البداية من الجانب الآخر، بل نقول: هذا تحديد للنهاية فقط؛ لأنه لا بد أن يحدد النهاية، مهما كان، بدأنا من الأول أو من الأطراف أو من الوسط. وعليه: فلا يظهر أنه من المشروع أن تبدأ بغسل أطراف الأصابع ثم تأتي إلي المرفق، بل يقال: الغسل ينتهي بهذا، والبدء من حيث شئت.
الفائدة الثالثة عشرة: أن اليد عند الإطلاق هي الكف فقط، وجه الدلالة، أن الله قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ولو كانت اليد عند الإطلاق ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لكان هذا القيد لا فائدة منه، والأمر كذلك: أعني أن اليد عند الإطلاق إنما هي الكف، ولنا دليل على ذلك: يد السارق تقطع من مفصل الكف، لقوله تعالي: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ولا يجوز أن يتجاوز مفصل الكف، في التيمم إنما يطهر الكف فقط ولا يتجاوز إلي المرفق، وهذا أمره واضح.
إذًا نستفيد من هذا: أن اليد إذا أطلقت فهي الكف فقط، وإن قيدت فهي بما قيدت به.
الفائدة الرابعة عشرة: وجوب مسح الرأس، لقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ووجوب استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن "الباء" للاستيعاب، ولم تأتِ في اللغة العربية للتبعيض إطلاقًا،
[ ١ / ١٠٩ ]
قال ابن برهان: من ادعي أن الباء للتبعيض فقد قال عن أهل اللغة بما لا يعرفون.
الفائدة الخامسة عشرة: أنه لو غسل الرأس بدلًا عن المسح فإنه لا يجزئ؛ لأن الله أمر بالمسح، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (^١) وعلي هذا فلو أدلى برأسه حتي صب الماء من الماسورة وعم جميع الرأس فإنه لا يجزئه.
وقال بعض العلماء: إنه يجزئ مع الكراهة، مستدلًا بنظر لا بأثر، فيقول: إنما وجب مسح الرأس تخفيفًا علي العباد، فإذا أراد الإنسان أن يأخذ بما هو أكمل فلا حرج عليه، كما شرع للصائم أن يفطر عند غروب الشمس، ولو أراد الوصال فله أن يواصل إلي السحر، وبعض العلماء قال: له أن يواصل اليومين والثلاثة، لكن هذا القول فيه نظر، أعني القول بإجزاء الغسل بدل المسح؛ لأن حديث عائشة ﵂: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (^٢) يقتضي رده، أي: رد الغسل بدل المسح؛ ولأن هذا من باب التنطع في الدين، وقد قال النبي - ﷺ -: "هلك المتنطعون" (^٣).
الفائدة السادسة عشرة: وجوب غسل الرِّجل، لقوله:
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم (١٧١٨) عن عائشة.
(٢) تقدم تخريجه الحديث السابق.
(٣) رواه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، حديث رقم (٢٦٧٠) عن ابن مسعود.
[ ١ / ١١٠ ]
﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وهي معطوفة على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ أي: واغسلوا أرجلكم، هذا على قراءة النصب.
أما على قراءة الجر فقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز الاقتصار على مسح الرجل؛ أخذًا بالقراءة الثانية ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وقال: إن الإنسان يغسل رجله مرة ويمسحها مرة أخري، يغسلها بناءً على قراءة النصب، ويمسحها على قراءة الجر، وهذا لولا السنة لكان له نوع من الوجاهة، يعني: لكان وجهة نظر جيدة لكن السنة تأبي ذلك، فإن النبي - ﷺ - كان يغسل قدميه ولم يرد حرف عنه - ﷺ - أنه كان يمسحها، بل إنه لما رأي بعض أصحابه قد غسل رجليه بما ليس بغسل نادي بأعلي صوته: "ويل للأعقاب من النار" (^١) فدل ذلك على وجوب غسل القدم.
إذًا: كيف ننزل الآية؟
أما من جهة الإعراب ننزلها على ما سبق أن بعض أهل العربية قال إنها مجرورة بالمجاورة، وأن محلها حقيقة النصب، أو ننزلها على أن الرِّجل لها حالان: حال تكون مستورة، وحال تكون مكشوفة، فإذا كانت مكشوفة فالفرض الغسل، وإذا كانت مستورة فالفرض المسح، ولهذا لم يأتِ مثله في اليدين؛ لأن اليدين ليس فيهما مسح، حتي إن الرسول ﵊ لما كان عليه الجبة الشامية وصعب عليه أن يخرج يده من الكم أخرج الكم من اليد، وأخرج يده من أسفل الجبة وغسلها عليه
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب العلم، باب من رفع صوته بالعلم، حديث رقم (٦٠)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، حديث رقم (٢٤١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ١ / ١١١ ]
الصلاة والسلام كما هو ثابت في الصحيح (^١)، إذًا: نأخذ من القراءتين وجوب غسل الرِّجل إذا كانت مكشوفة، ومسحها إذا كانت مستورة، فيكون فيها إشارة إلي المسح على الخفين.
وبناءً على ذلك: هل الأفضل للابس الخفين أن يخلعهما ويغسل القدمين أو أن يمسحهما؟ الثاني هو الأفضل، ويدل له أن المغيرة بن شعبة لما أراد أن يخلع خفي النبي - ﷺ - قال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما" (^٢).
الفائدة السابعة عشرة: وجوب غسل الرِّجل إلي الكعبين، والكعبان داخلان في الغسل، لقوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فهل نقول: إن الرِّجل أو القدم إذا أطلق يكون لما دون الكعبين كما قلنا في اليدين؟
الجواب: نعم، وذلك أن الرجل عند الإطلاق حدها مفصل العقب، وكما نعلم أن قطاع الطريق الذين تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف يقطعون من مفصل العقب، ويبقي العقب غير مقطوع، وهنا إذا قلنا: الرجل إلي الكعبين دخل العقب؛ لأن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، وذهبت الرافضة إلي أن الكعبين هما العظمان الناتئان على ظهر القدم، قال ابن كثير ﵀: وقد خالفوا أهل السنة في تطهير الرجل من وجوه ثلاثة:
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الجبة الشامية، حديث رقم (٣٥٦)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، حديث رقم (٢٧٤) عن المغيرة بن شعبة ﵁.
(٢) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان، حديث رقم (٢٠٣)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، حديث رقم (٢٧٤) عن المغيرة بن شعبة.
[ ١ / ١١٢ ]
الوجه الأول: أنهم جعلوا حد التطهير إلي العظم الناتئ على ظهر القدم.
الوجه الثاني: أنهم قالوا: إن الواجب في الرِّجل هو المسح دون الغسل.
الوجه الثالث: أنهم أنكروا المسح على الخفين، وقالوا: لا يجوز المسح على الخفين، والعجب أنهم أنكروا ذلك مع أن من جملة رواة المسح الإمام على بن أبي طالب ﵁، إمام الأئمة عندهم، ومع ذلك خالفوه.
على كل حال: لسنا الآن في موضع نقاش مع هذا الرأي، ولكن نقول: إن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق.
الفائدة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة: وجوب الترتيب بين الأعضاء في الوضوء، ولذلك وجهان:
الوجه الأول: أن قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ جواب للشرط، وجواب الشرط يكون مرتبًا في ذاته كما هو مرتب على فعل الشرط، ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ .. فَاَغسِلُواْ فقوله: "اغسلوا" إلي آخره مرتب على قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، فإذا كان كذلك لزم أن يكون هذا الفعل المرتب على شيء هو بنفسه مرتبًا.
الوجه الثاني: أن الله أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا الترتيب، وهو أن يكون تطهير الرأس في محله أي: بين غسل اليدين وغسل الرِّجلين، هذا مأخوذ من الآية نفسها، أما من السنة: فقد قال النبي - ﷺ - أقبل على الصفا بعد الطواف وأراد السعي قال: "أبدأ بما بدأ الله به" (^١) وفي لفظ
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، حديث رقم (١٢١٨).
[ ١ / ١١٣ ]
في غير الصحيح قال: "ابدءوا" (^١) بلفظ الأمر، وهذا يدل على أن ما بدأ الله به فهو أحق بالتقديم، وعلي هذا يكون دليل الترتيب من وجهين في الآية ومن دليل منفصل من السنة ويتفرع على هذا أنه لو توضأ مُنكسًا فبدأ بالرِّجلين ثم الرأس ثم اليدين ثم الوجه، هل يصح الوضوء أم لا؟
الجواب: إن كان عبثًا فغير صحيح، أي لا يصح الوضوء في أي عضو من الأعضاء، بل قد يكون خطرًا على دين المرء أن يعبث بشريعة الله، وإن كان نسيانًا أو جهلًا صح غسل الوجه فقط، ثم يطهر ما بعده، هذا في الترتيب؛ لأنه إذا كان عابثًا فقد عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودًا كله، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا فإنه معفو عنه وحينئذٍ نقول: كأنك ابتدأت من الآن، وقد غسلت الوجه فأكمل الباقي.
الفائدة العشرون: وجوب الموالاة، وجهه: أن غسل هذه الأعضاء جاء مرتبًا على الشرط، فلا بد أن يكون أجزاء هذا الفعل المرتب على الشرط لا بد أن تكون متوالية؛ لأن الشرط يعقبه المشروط، هذا وجه الدلالة من الآية، أما من حيث النظر، فيقال: إن الوضوء عبادة واحدة فإذا جزأه المتوضئ لم يظهر كونه عبادة واحدة، يعني: لو غسل وجهه الساعة الواحدة، وغسل يديه في الساعة الثانية، ومسح رأسه في الساعة الثالثة، وغسل رجليه في الساعة الرابعة فإنه لا يتبين أن هذه عبادة واحدة، إذًا: لا بد من الموالاة، ولكن كيف نحد الموالاة؟
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٣/ ٣٩٤) (١٥٢٨٠)، والدارقطني (٢/ ٢٥٤) (٧٩).
[ ١ / ١١٤ ]
من العلماء من قال: إننا لا نحدها بحد، ونقول: ما جري فيه العرف أنه منفصل فقد فاتت فيه الموالاة، وما لم يجرِ العرف أنه منفصل فهو متصل، وحدَّه بعض العلماء بحدٍّ آخر قد يكون أكثر انضباطًا وقال: حد الموالاة أن لا ينشف العضو قبل غسل الذي بعده بزمن معتدل، وهذا هو المشهور من المذهب.
وبناءً على ذلك: لو أن العضو يبس قبل أن يغسل الثاني في زمن معتدل لانقطعت الموالاة، وإذا انقطعت الموالاة وجب إعادة الوضوء.
الفائدة الحادية والعشرون: وجوب غسل البدن كاملًا من الجنابة، لقوله تعالي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
لو قال قائل: المريض إذا كان عليه جنابة ولا يستطيع أن يغتسل فهل يلزمه الوضوء، وإذا كان أيضًا عادم الماء وهو عليه الجنابة يعني لم يجد إلا ماءً يكفي لوضوئه فهل يتوضأ؟
الجواب: الظاهر أنه يتوضأ؟ لأن الوضوء يخفف الجنابة، ولهذا قال النبي - ﷺ -: "في الرجل ينام وهو جنب، قال: نعم إذا توضأ" (^١) وكذلك أيضًا الجنب إذا أراد الجلوس في المسجد يتوضأ، فإذا كان الوضوء له تأثير في تخفيف الجنابة فليتوضأ.
الفائدة الثانية والعشرون: أنه لا يشترط في الغسل ترتيب، وأن المغتسل لو بدأ من أسفل بدنه أو من وسط بدنه أو من أعلي
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب الجنب يتوضأ ثم ينام، حديث رقم (٢٨٥)، ومسلم، كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، حديث رقم (٣٠٦) عن ابن عمر أن عمر سأل رسول الله، ثم ذكره.
[ ١ / ١١٥ ]
بدنه وعمَّه بالماء كان ذلك مجزئًا؛ لأن الله تعالي قال: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ ولم يُفَصِّل.
وقال بعض الناس: بل يجب الغسل كما اغتسل النبي - ﷺ - فإن هذه الآية مجملة، وبيَّنتها السنة النبوية، وعلي هذا فلا بد أن يكون الاغتسال كاغتسال النبي - ﷺ -، وهذا كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فبيَّن الرسول ﵊ كيفية إقامتها وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (^١). ولكن هذا ضعيف، والصواب أنه لا يشترط فيه الترتيب، ويدل لذلك: أنه ثبت في صحيح البخاري في قصة الرجل الذي لم يره النبي - ﷺ - يصلي بعد أن انتهي من صلاته، فسأله: لماذا لم تصلِّ؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، يعني: ليس عندي ماء أغتسل به، فقال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" وبعد ذلك جيء بالماء وانتهي الناس من الشرب وسَقْي إبلهم فقال النبي - ﷺ - حين بقي بقية قال لهذا الرجل: "خذ هذا فأفرغه على نفسك" (^٢) فأخذه الرجل واغتسل، ووجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - لم يذكر له كيف يغتسل، قال: أفرغه على نفسك، وعلي هذا فيكون هذا الحديث موافقًا لظاهر القرآن، وهو أن الواجب في الغسل أن يعم البدن على أي كيفية كانت، لكن لا شك أن اتباع السنة أولي.
فإن قال قائل: إذا انغمس الرجل في بركة أو في بحر ناويًا رفع الحدث من الجنابة ثم خرج فهل يكفيه؟
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر، حديث رقم (٦٠٥) عن مالك بن الحويرث.
(٢) رواه البخاري، كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم، حديث رقم (٣٣٧) عن عمران.
[ ١ / ١١٦ ]
الجواب: نعم يكفيه لكن لا بد من المضمضة والاستنشاق، والدليل على هذا أنه يجب أن يطهر الفم والأنف في الحدث الأصغر ففي الأكبر من باب أولي.
الفائدة الثالثة والعشرون: أنه لا تشترط الموالاة في الغسل، فيجوز أن يغسل بعض بدنه في أول النهار وبعض بدنه في آخر النهار؛ لأنه يصدق عليه أنه تطهر، وليس كالوضوء الذي رتب على شرط فصار لا بد فيه من الموالاة، وهذا هو المشهور من المذهب، ولكن الراجح أنه لا بد من الموالاة، وأنه لو غسل بعض جسده ثم ترك الباقي حتي نشف فإنه لا بد أن يعيد ما غسله أولًا، والتعليل: أن هذه عبادة واحدة فلا بد من أن تتوالي أجزاؤها.
الفائدة الرابعة والعشرون: أن غسل الجنابة تُستباح به الصلاة، وأنه لا يجب الوضوء معه، وجه الدلالة: أن الله قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ولم يذكر وضوءًا حتي لو لم ينوِ إلا رفع الحدث الأكبر فإنه يجزئه لعموم الآية، ولا شك أن المغتسل إما أن ينوي رفع الحدثين أو ينوي رفع الحدث أو ينوي استباحة الصلاة، فإن نوي رفع الحدثين أجزأه ولا إشكال، لقوله: - ﷺ - "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوي" (^١) وإن نوي
_________________
(١) رواه البخاري في أول الكتاب، باب كيف كان بدء الوحي إلي رسول الله - ﷺ -، حديث رقم (١)، وفي، كتاب الإيمان، باب النية في الإيمان، حديث رقم (٦٣١١)، ومسلم في، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: "إنما الأعمال بالنيات"، حديث رقم (١٩٠٧) عن عمر بن الخطاب.
[ ١ / ١١٧ ]
استباحة الصلاة فلا شك أنه يرتفع الحدث الأصغر والأكبر، وجهه أن الصلاة لا تستباح إلا بذلك، وإن نوي رفع الحدث الأكبر فقط، فمن العلماء من قال: إنه لا يجزئ عن الحدث الأصغر، ومنهم من قال: إنه يجزئ وهو الراجح؛ لأن الله لم يذكر سوي ذلك.
الفائدة الخامسة والعشرون: أن المرض من أسباب جواز التيمم، لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾، يعني: فتيمموا، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، فظاهر الآية: أن المريض يتيمم إلا إذا عدم الماء، فإما أن نأخذ بظاهر الآية ونقول: المريض لا يتيمم إلا إذا عدم الماء وحينئذٍ يبقي التقييد بالمرض لا فائدة منه؛ لأن من لم يجد الماء يباح له التيمم سواءً كان مريضًا أو غير مريض، فيقال في الجواب -والله أعلم-: إن قوله تعالي: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ يدل على أن المراد المريض الذي يلحقه الحرج من استعمال الماء.
وأما التقييد بعدم وجود الماء فهو للمسافر؛ لأن المسافر لا يشق عليه استعمال الماء إذا وجده ولا يلحقه حرج به، فيكون تيمم المسافر مشروطًا بعدم وجود الماء، ويكون تيمم المريض مشروطًا بوجود الحرج، لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾.
الفائدة السادسة والعشرون: أن الدين يسر سواء كان من أصل المشروعات أو إذا وجد سبب للرخصة؛ لأن المشقة تجلب التيسير لكنها لا تسقط الواجب إلا في حدود الشرع.
[ ١ / ١١٨ ]
الفائدة السابعة والعشرون: أنه لا يجب التطهر بغير الماء، يعني: لو كان مع الإنسان نبيذ أو شاي أو لبن فإنه لا يتطهر به؛ لأن الله جعل آلة الطهارة هي الماء، قال تعالي: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
الفائدة الثامنة والعشرون: أن الماء ما دام يطلق عليه اسم الماء فإنه مطهر ولو تغير بشيء طاهر، لعموم الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ و﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق النفي، فما دام اسم الماء باقيًا فإنه يجب التطهر به ولو مع التغير.
الفائدة التاسعة والعشرون: وجوب طلب الماء، لقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ قال العلماء: ولا يقال: غير واجد إلا لمن طلب، فيقول: طلبت فلم أجد، أما إنسان باقٍ قاعد ويقول: لم أجد، هذا غير صحيح.
ولكن كيف يكون هذا الطلب، هل يجب عليه أن يطلب الماء من مسافات بعيدة أو بقدر ما لا يكون فيه مشقة؟
الثاني، يعني يجب عليه أن يطلب الماء في الأماكن القريبة منه التي لا يلحقه حرج بطلب الماء فيها، وإذا تيقن عدم وجود الماء حوله فلا يجب عليه البحث عند كل صلاة؛ لأن هذا عبث ومنافٍ للحكمة ومنافٍ للشرع.
فإن قال قائل: لو كان في أرض ولا يعلم أن حوله ماء ثم وجد الماء بعد الصلاة قريبًا منه هل يعيد أم لا؟
الجواب: نقول: إذا كان يعلم أنه لا ماء فيها وأن الماء حدث من بعد، كأرضٍ حفر فيها بئر بعد طلبه فهذا لا يعيد؛ لأنه جاهل، أما إذا كان لم يطلب ثم وجد الماء بعد صلاته فهذا عليه
[ ١ / ١١٩ ]
الإعادة؛ وذلك لأنه مفرط حيث لم يطلب، والله ﷿ يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، ولا يجب على راجي الماء أن يؤخر الصلاة إلي آخر وقتها لأنه توجه الأمر إليه من أول الوقت، لكن التأخير أفضل.
الفائدة الثلاثون: جواز التيمم من الصعيد الذي على ظهر الأرض أيًا كان لقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ سواء كان هذا الصعيد رمنيًا أو حجريًا أو سبخة أو يابسًا أو رطبًا يعني: نديًا، المهم أنه يسمي صعيدًا.
لو قال قائل: ورد في الحديث أن النبي - ﷺ - أقبل على جدار فمسح وجهه ويديه (^١) كيف يوجه هذا الحديث؟
الجواب: الجدار إذا كان عليه غبار فلا بأس بالتيمم ولو كان مطليًا بالدهان، وكذلك لو كان الصعيد غير متصل بالأرض كأن يأخذ حجرًا أو رملًا وينقله إلي مكان، وكذا الغبار الذي يكون تحت السجادة أو الموكيت كل هذا جائز ولا بأس بالتيمم منه.
الفائدة الحادية والثلاثون: أنه لا ينقض الوضوء إلا الغائط سواء ببول أو بعذرة، لقوله تعالي: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ولم يذكر سوي ذلك، ولهذا لم يُجْمِع العلماء من نواقض الوضوء إلا على ما خرج من السبيلين القبل أو الدبر، فكل النواقض ما عدا هذا فيها خلاف.
وعليه فنقول: إنَّ القرآن دل على ناقضٍ واحد من نواقض
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحيض، باب التيمم، حديث رقم (٣٦٩) عن أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري.
[ ١ / ١٢٠ ]
الوضوء وهو الخارج من السبيلين من بول أو غائط، والبقية تحتاج إلي دليل، فإن وجد دليل من السنة أخذنا به وإن لم يوجد فالأصل بقاء الوضوء؛ لأن الإنسان توضأ بمقتضي دليل شرعي وارتفع حدثه بمقتضي دليل شرعي، فلا يمكن أن ننقض هذا إلا بدليل شرعي، فلننظر، من العلماء من قال: في الآية دليل على أن مس المرأة ينقض الوضوء لقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وفي قراءة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ ولكن سبق في التفسير إن القول الراجح المتعين أن المراد بالملامسة الجماع، وبيَّنا وجه ذلك فيما سبق أثرًا ونظرًا، وننظر بقية النواقض.
الثاني: الخارج من بقية البدن لا ينقض الوضوء: كالدم وما تفرع منه، والقيء، والعرق، والريق وما أشبه ذلك، كل هذا لا ينقض الوضوء، فإن ادعي أحد شيئًا من ذلك ينقض الوضوء قلنا: هاتِ الدليل، فالصحابة ﵃ كانوا يصابون بالجراح وكانوا يقيئون ومع ذلك ولشدة دعاء الحاجة إلي بيانه لم يرد عن النبي - ﷺ - على وجهٍ يثبت أن ذلك ناقض للوضوء وعلي هذا فلا نقض.
الثالث: لمس النساء من تقبيل أو مباشرة أو غير ذلك سوي الجماع، ليس في السنة. ما يدل على أنه ناقض للوضوء، إلا إذا خرج شيء فيكون النقض بالخارج، وعلي هذا فلو أن إنسانًا قَبَّلَ زوجته وهو على وضوء ولم يخرج منه شيء فوضوؤه باقٍ على حاله.
لو قال قائل: مس الذكر إذا كان بشهوة يجب فيه الوضوء، ومس المرأة مظنة للشهوة أكثر من مس الذكر ولا يجب فيه الوضوء، فما الجواب عن هذا؟
[ ١ / ١٢١ ]
الجواب: صحيح هذا الإيراد الذي قد يورده مورد، فنقول: مس المرأة لم يرد عن الرسول ﵊ أنه أمر بالوضوء، بل كان يُقبِّل بعض نسائه ويخرج إلي الصلاة ولا يتوضأ (^١).
الرابع: النوم، والنوم أيضًا فيه خلاف يبلغ إلي ثمانية أقوال، هل ينقض أو لا ينقض؟ والصحيح أنه ناقض لكن بشرط: أن يكون مظنة الحدث وهو النوم المستغرق الذي لو أحدث الإنسان فيه لم يحس بنفسه، وأما النوم اليسير الذي يتراءي للإنسان الأحلام ولكنه مستيقظ ولو أحدث لأحس فهذا لا ينقض الوضوء، وقد كان الصحابة ﵃ ينتظرون العشاء الآخرة حتي تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون، وأمر النبي - ﷺ - من نعس في صلاته أن ينصرف، قال: "لأنه لا يدري أيدعو لنفسه أم يدعو عليها" (^٢) أو كما قال - ﷺ -.
فدل ذلك: على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء، ولكن ما هو النوم اليسير؟ هو الذي لو أحدث الإنسان حال نومه لأحس
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء من القبلة، حديث رقم (٧٨)، والنسائي، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من القبلة، حديث رقم (١٧٠)، والترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة، حديث رقم (٨٦) عن عائشة ﵂.
(٢) رواه النسائي، كتاب الطهارة، باب النعاس، حديث رقم (١٦٢) عن عائشة ﵂، وله أصل عند البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء من النوم من لم ير من النعسة والنعستين، حديث رقم (٢٠٩)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن، حديث رقم (٧٨٦) عن عائشة ﵂.
[ ١ / ١٢٢ ]
بنفسه، ولا فرق بين أن يكون مضطجعًا أو متكئًا أو جالسًا أو قائمًا أو راكعًا.
الخامس: أكل لحم الإبل، وفيه خلاف، والنقض به من مفردات الإمام أحمد ﵀، والأئمة الثلاثة كلهم على خلافه، لكن الرجوع للدليل هو الحاكم، فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: "توضؤوا من لحوم الإبل" (^١) وأنه سئل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم"، وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم، قال: إن "شئت" (^٢)، وهذا يدل على وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، والدليل: أنه خَيَّرَ بين الوضوء وتركه في أكل لحم الغنم وقال في لحم الإبل: "نعم توضأ" فإذا خَيَّرَ في لحم الغنم دل على أن لحم الإبل لا خيار فيه، وأنه لا بد أن يتوضأ منه، ولا فرق بين أن يكون نيِّئًا أو مطبوخًا.
فإذا قال قائل: إنه قد ورد عن النبي ﵊ فيما رواه أهل السنن من حديث جابر ﵁: "أن آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار" (^٣) و﴿مَا﴾: اسم موصول يشمل لحم الإبل وغيره.
_________________
(١) هذا اللفظ عند ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، حديث رقم (٤٩٧) عن عبد الله بن عمرو.
(٢) رواه مسلم، كتاب الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل، حديث رقم (٣٦٠) عن جابر بن سمرة.
(٣) رواه النسائي، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما غيرت النار، حديث رقم (١٨٥)، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب في ترك الوضوء مما مست النار، حديث رقم (١٩٢)، وابن خزيمة (١/ ٢٨) (٤٣)، وابن حبان (٣/ ٤١٦) (١١٣٤) عن جابر بن عبد الله.
[ ١ / ١٢٣ ]
فالجواب: أن هذا عام ولحم الإبل خاص، ومعلومٌ أن الخاص يقضي على العام، وإنما قال جابر ذلك؛ لأن النبي - ﷺ - أمر أولًا أن يتوضأ الإنسان إذا أكل مما مسته النار، حتي الخبزة إذا أكلها يتوضأ منها، ثم بعد ذلك نسخ هذا الأمر وصار الوضوء مما مست النار ليس بواجب.
السادس: مس الذكر أيضًا فيه خلاف بين العلماء واختلفت فيه الأحاديث، ففي بعضها الأمر بالوضوء وفي بعضها أن لا وضوء منه، وعلل النبي ﵊ عدم الوضوء منه بقوله إنه بضعةً منك: لما سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة، أعليه وضوء؟ قال: "لا، إنما هو بَضْعَةٌ منك" (^١)، و"البضعة": يعني الجزء، ومعلوم أن الإنسان إذا مس جزءًا منه لا ينتقض وضوؤه، فلو مس رأسه أو مس يده الأخري أو مس رجله أو بطنه أو ظهره لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا مس ذكره، كلها أعضاء، وهذا التعليل تعليل بعلة ثابتة لا يمكن أن تتغير؛ لأنه لا يمكن أن يكون ذكر الإنسان غير بضعة منه، فهو لا يتغير، وإذا كانت العلة لا يمكن أن تتغير كان الحكم كذلك لا يمكن أن يتغير، ثم إن العلة هنا خبر من الرسول ﵊ أي: أنها علة منصوصة بلفظ الخبر، والخبر لا يمكن أن يتخلف، وعلي هذا فلا وضوء من مس الذكر.
لكن قد ورد حديث آخر يقابله أن الرسول عليه الصلاة
_________________
(١) رواه النسائي، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من ذلك، حديث رقم (١٠١)، وابن حبان (١١٢٠)، والدارقطني (١/ ١٤٩) (١٥) عن طلق بن علي.
[ ١ / ١٢٤ ]
والسلام قال: "من مس ذكره فليتوضأ" (^١) وهذا عام، فيقال: هذا الحديث عام، وإن شئت فقل: مطلق، وإذا كان كذلك وجب أن يحمل على معنىً لا ينافي الحديث الأول، فما هو المعني الذي لا ينافيه؟
نقول: إذا مس الإنسان ذكره كما يمس بقية أعضائه فإنه لا وضوء عليه؛ لأنه بضعة منه، أما إذا مسه للمعني الذي يختص بالذكر وهو الشهوة فعليه الوضوء؛ لأنه في هذه الحال ليس مسه كمس بضعة من الإنسان، بل مسه المس الذي يختص بالذكر وهو الشهوة ولأن الشهوة مظنة الحدث؛ لأن الإنسان قد يمذي بدون أن يشعر بذلك، فألحقت المظنة باليقين، وعليه فيكون الراجح في هذه المسألة: أن من مس ذكره لشهوة انتقض وضوؤه ووجب عليه الوضوء، ومن مسه لغير شهوة فلا وضوء عليه، وهذا أعدل الأقوال وفيه الجمع بين الأقوال أيضًا؛ لأنك إذا قلت: لا وضوء، وافقت قول من يقول: لا وضوء فيه مطلقًا، وإذا قلت: فيه الوضوء؛ وافقت قول من يقول: إن فيه الوضوء مطلقًا، ويكون هذا التفصيل هو التحصيل.
تنبيه:
مس فرج الصغير لا ينقض الوضوء إلا إذا كان له سبع سنوات، وبعضهم يري الإطلاق، والراجح كما تقدم لا بد من شهوة.
السابع: تغسيل الميت: لا دليل عليه، فحديثه ضعيف، ولا
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب أبواب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، حديث رقم (٨٢)، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، حديث رقم (١٨١)، والنسائي، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر حديث رقم (١٦٣) عن بسرة.
[ ١ / ١٢٥ ]
دليل على أنه ناقض للوضوء، وعلي هذا فلا يكون ناقضًا للوضوء حتى إذا قلنا: إن الميت كله عورة فإنه لا ينتقض وضوء غاسله، وأما حمل الجنازة: فلا ينقض الوضوء ولا أظن أحدًا قال به.
الثامن: الردة، في الواقع أنها تحبط الأعمال كلها، ولكن الله اشترط لحبوط العمل بها أن يموت الإنسان على الكفر، لكن إذا قلنا: بأنه يجب على من أسلم أن يغتسل صار الوضوء واجبًا من هذه الناحية، ووجوب الاغتسال لمن أسلم فيه خلاف أيضًا وربما يذكر إن شاء الله تعالي في مكان آخر.
الفائدة الثانية والثلاثون: أن التيمم جائز في الحدث الأصغر وفي الحدث الأكبر؛ لأن الآية واضحة، قال تعالي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ذكر الله تعالي التيمم بعد الوضوء وبعد الغسل من الجنابة، فيكون في ذلك دليل على أن من عليه غسل الجنابة إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي، وهذه المسألة فيها خلاف قديم، حتى إن عمر ﵁ أنكر على عمار بن ياسر الإفتاء بجواز التيمم للجنب، وكان يرى -أي: عمر-: أن من عليه جنابة ينتظر حتى يصل إلي الماء ثم يغتسل، ولكن عمار بن ياسر ﵁ ذكر أن النبي بعثه هو وعمر في حاجة، وأن عمار بن ياسر أجنب فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ظنًّا منه ﵁ أن طهارة التيمم كطهارة الماء، ومعلوم أن الجنب يجب عليه في طهارة الماء أن يعم بدنه فظن أن طهارة التراب كذلك، فتمرغ في التراب، ثم لما قدم إلى النبي - ﷺ -
[ ١ / ١٢٦ ]
أخبره، "فأخبره النبي - ﷺ - أنه يكفيه أن يمسح وجهه ويديه" (^١).
ثم قال عمار: يا أمير المؤمنين إن شئت أن لا أحدث به لِمَا أوجب الله عليّ من طاعتك فعلت؟ قال: لا، نوليك ما توليت؛ يعني: فحدث به، فجعل يحدث به، ثم إن الأمة أجمعت بعد ذلك على أن التيمم يكون في الجنابة ويكون في الحدث الأصغر.
لو قال قائل: هل الأولى لعادم الماء ألا يقرب زوجته لئلا يقع في الجنابة والحرج؟
الجواب: لعادم الماء أن يأتي أهله متى شاء ثم إذا لم يجد ماءً فليتيمم.
الفائدة الثالثة والثلاثون: الإشارة إلى أنه ينبغي لقاضي الحاجة أن يستتر حتى يتواري عن الناس، وجهه قوله تعالي: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ فإن هذا هو سنة الصحابة ﵃ في حياة نبيهم - ﷺ -، فيكون هذا دليلًا على أن من هديهم الاستتار عن الأعين ولا شك أنه من كمال الأدب، أما البول، فليس من الأمور المذمومة أن يبول الإنسان أمام الناس إذا كان قد ستر عورته؛ لأنه فَعَلَهُ من هو أشد الناس حياءً محمد رسول الله - ﷺ - حين أتى سُباطة قوم فبال فيها ﵊، قائمًا وكان حذيفة ﵁ حوله (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التيمم، باب التيمم ضربة، حديث رقم (٣٤٠)، ومسلم، كتاب الحيض، باب التيمم، حديث رقم (٣٦٨) عن أبي موسي الأشعري ﵁.
(٢) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب البول عند صاحبه والتستر بالحائط، حديث رقم (٢٢٣)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، حديث رقم (٢٧٣) عن حذيفة بن اليمان ﵁.
[ ١ / ١٢٧ ]
الفائدة الرابعة والثلاثون: حكمة الشرع في التطهير حيث كان الاقتصار على أربعة أعضاء في الحدث الأصغر؛ لأن هذه الأعضاء هي غالبًا أدوات العمل وآلات العمل، فالبطش باليد، والمشي بالرجل، والبصر والشم والكلام في الوجه، والسمع والتخيل والتفكير في الرأس، فشرع تطهير هذه الأعضاء الأربعة.
أما في الجنابة فشرع للإنسان أن يطهر جميع بدنه؛ وذلك لأن الجنابة تخلخل البدن كله، ولهذا يضعف الإنسان إذا حصلت منه الجنابة، ويؤمر إذا أراد أن يعود أن يغتسل فإن لم يمكنه فليتوضأ، ويدل لهذا -أعني: أن الجنابة تؤثر على جميع البدن- أن الرجل إذا زنى وهو محصن فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت من أجل أن يذوق جميع بدنه ألم العقوبة كما ذاق لذة الشهوة المحرمة.
الفائدة الخامسة والثلاثون: التكنية عما يُستقبح ذكره لقوله: ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾ وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
الفائدة السادسة والثلاثون: أن التيمم جائزٌ بجميع ما على الأرض سواء كان رملًا أم ترابًا أم حجرًا أم غير ذلك.
فإن قال قائل ننازع في هذه الفائدة لقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ و﴿مِّن﴾: تقتضي التبعيض، ولا يمكن أن يَعْلَقَ شيءٌ باليد من الأرض إلا إذا كانت ترابيةً؟
قلنا: هذا الإيراد وارد بلا شك وهو دليل من يقول: إنه لا بد أن يكون التيمم بأرض فيها تراب، وأما التيمم على ما لا تراب فيه ولا غبار فيه فإنه لا يصح.
لكن الجواب على هذا الإيراد: هو أنه قد علم بالضرورة أن
[ ١ / ١٢٨ ]
الرسول ﵊ كان يسافر الأسفار الطويلة في أيام الشتاء وأيام الصيف، وفي أسفاره يمر بالرمال ويمر بالأرض الممطورة، ولم ينقل أنه كان يحمل التراب معه ولا أنه كان لا يتيمم على مثل هذه الأراضي، وبهذا اندفع هذا الاعتراض، وسبق أن قلنا في التفسير: إن ﴿مِن﴾ يحتمل أن تكون للتبعيض ويحتمل أن تكون للابتداء.
الفائدة السابعة والثلاثون: أنه لا بد أن يكون الصعيد الذي يتيمم منه طيبًا وهو الطاهر، وضده النجس، ولكن ليس هناك سعيد يكون نجسًا، بل لا بد أن يكون متنجسًا والمتنجس كالنجس، وعلي هذا فلا يصح التيمم على أرض متنجسة لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
الفائدة الثامنة والثلاثون: وجوب استيعاب الوجه بالمسح في التيمم، لقوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ ومن ثَمَّ يجب أن ننبه بعض العامة الذين إذا تيمموا مسحوا الأنف وما حوله وتركوا الباقي، فيقال: هذا لا شك أنه لا يجزئ؛ لأن الآية صريحة قال تعالى: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ أي: كلها.
الفائدة التاسعة والثلاثون: أن اليد عند الإطلاق لا يدخل فيها الذراع لقوله: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ وجه الدلالة: أن الله لما أراد تجاوز الكف قيده، وذلك في نفس الآية التي معنا في طهارة الوضوء بالماء حيث قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.
الفائدة الأربعون: وجوب الترتيب في التيمم بين الوجه واليدين، فيبدأ أولًا بالوجه ثم باليدين، وهل هذا الترتيب مطابق لترتيب الوضوء؟
[ ١ / ١٢٩ ]
الجواب: بلى فغسل اليدين بعد غسل الوجه، إذًا مطابق.
فإن قال قائل: "الواو" لا تقتضي الترتيب بل هي لمطلق الجمع؟
قلنا: لكن تقتضيه بالقرينة، القرينة هنا أن الله تعالى بدأ بالوجه وقد قال النبي - ﷺ -: "أبدأ بما بدأ الله به" (^١) فظاهر السنة الترتيب لكنه ليس قطعيًّا.
لكن لو قال قائل: ما الحكم إذا خالف التيمم الترتيب؟
الجواب: الفقهاء يقولون: إذا كان التيمم عن جنابة فلا بأس أن يخالف الترتيب في التيمم؛ لأن الغسل لا يشترط له الترتيب، والتيمم بدلًا عن الغسل، أما في الحدث الأصغر فلا بد من الترتيب، ولكن يقال: إن طهارة التيمم لا يمكن قياسها على طهارة الماء لوجود الفوارق الكثيرة بينهما، وإلحاق الفرع بالأصل لا بد أن يكون بينهما اتفاق يجمعهما.
الفائدة الحادية والأربعون: انتفاء الحرج في هذا الدين الإسلامي، لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من مشقة، فالدين الإسلامي والحمد لله كله مبني على اليسر، وليس اليسر منوطًا بهوى كل إنسان؛ لأنه لو كان منوطًا بهوى كل إنسان لكان بعض الناس يشق عليه أن يقوم يصلي الفجر في الشتاء، ولكن المعنى أن كل ما شرعه الله فهو ميسر ليس فيه مشقة.
الفائدة الثانية والأربعون: إثبات الإرادة لله لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، حديث رقم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله ﵁.
[ ١ / ١٣٠ ]
وَلَكِنْ يُرِيدُ﴾، فأثبت الله تعالى لنفسه الإرادة بنفي إرادة الحرج وإثبات إرادة التطهير.
الفائدة الثالثة والأربعون: إثبات الإرادة الشرعية لقوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ﴾.
الفائدة الرابعة والأربعون: رفع الحرج عن هذه الأمة تارةً يكون برفع المشروع بالكلية، وتارةً بتخفيفه، وتارةً بفعل بدله، فهذه ثلاثة أقسام: إما أن يرتفع التكليف بهذا الشيء الذي فيه الحرج بالكلية، وإما أن يخفف، وإما أن يجعل له بدل.
مثال الأول: كفارة القتل، إذا عجز الإنسان عن صيام شهرين متتابعين تسقط عنه، أي: ترفع عنه بالكلية.
مثال الثاني: القيام في الصلاة إذا عجز الإنسان عنها، يخفف فيصلي قاعدًا إذا لم يستطع أن يصلي قائمًا.
مثال الثالث: أن يكون إلي بدل، فالإنسان العاجز عن الصيام عجزًا مستمرًا لا يلزمه أنه يصوم لكن عليه البدل وهو: إطعام مسكين عن كل يوم، فصار الأمر والحمد لله واسعًا، وبناءً على هذه القاعدة التي أخذناها من كلام ربنا ﷿ نقول: إن من عجز عن الكفارات أيًا كانت الكفارة وقت الوجوب فإنها تسقط عنه، وأما قول بعض العلماء: إنه لا يسقط من الكفارات عند العجز إلا كفارة الجماع في الحيض، وكفارة الجماع في نهار رمضان فهذا الحصر لا دليل عليه.
والصواب: أن جميع الكفارات إذا كان حين وجوبها عاجزًا عنها فإنها تسقط، كما قلنا في الزكاة إذا كان فقيرًا فإنه لا زكاة عليه، ولو اغتنى هل نقول: اقضِ عن السنوات التي مضت بعد التكليف؟ لا نقول بهذا.
[ ١ / ١٣١ ]
الفائدة الخامسة والأربعون: سعة رحمة الله ﷿ حيث نفي الحرج عن عباده، ولكن لو سألنا سائل: أليس يوجد في بني إسرائيل شيء من الحرج في عباداتهم؟ قلنا: بلى، لكن ذلك بسببهم، هم الذين تسببوا في ذلك، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠]، إلى آخره.
الفائدة السادسة والأربعون: أن التيمم مطهر وليس بمبيح؛ لأن بعض أهل العلم ﵏ يري أن التيمم يبيح ما كان محظورًا بدون الماء، يعني يبيح الصلاة بدون ماء؛ لأن الأصل أن الصلاة بدون ماء حرام، لكن إذا عدم الماء أو خيف الضرر باستعماله وتيمم أبيحت الصلاة.
فيرى بعض العلماء: أن طهارة التيمم استباحة لما كان محظورًا، وبناءً على هذا لو تيمم لقراءة القرآن، لم يصلِّ نافلة؛ لأن النافلة أعلي من قراءة القرآن، وإن شئت فقل: لأن وجوب الطهارة للنافلة أقوي من وجوب الطهارة لقراءة القرآن، بل الوضوء لقراءة القرآن سنة وليس بواجب، ومس المصحف هو الذي تجب له الطهارة، ولو نوي صلاة نافلة لم يصلِّ بذلك فرضًا؛ لأن الفرض أعلي من النفل، ولو خرج الوقت وهو على طهارته بطل تيممه؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها، وهذا الرجل لم يتيمم إلا للصلاة الحاضرة، والصلاة الحاضرة تنتهي بخروج وقتها، ولكن هذا القول ضعيف، والصواب أن التيمم مطهر، ودلالة ذلك في كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، دلالته من كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ فبعد أن ذكر الوضوء والغسل والتيمم، قال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾.
[ ١ / ١٣٢ ]
وقال النبي - ﷺ -: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (^١) والطهور بالفتح: ما تحصل به الطهارة، وعلي هذا فيكون التيمم مطهرًا رافعًا للحدث، فإذا تيمم لقراءة القرآن يصلي به النافلة؛ لأنه تطهر، وإذا تيمم للنافلة يصلي به الفريضة، وإذا تيمم للصلاة وخرج وقتها يصلي به الصلاة الأخري، ما دام لم ينتقض وضوؤه وهلمَّ جرَّا.
وإذا تيمم عن الجنابة أول مرة كفاه فلا يتيمم بعد ذلك إلا عن الحدث الأصغر فقط؛ لأنه حين تيمم للجنابة تطهر منها وارتفعت الجنابة فلا حاجة إلي أن نقول: أعد التيمم للجنابة كلما دخل وقت الصلاة؛ لأن الله تعالى سمي ذلك تطهيرًا، والنبي - ﷺ - سمي الأرض طهورًا.
بقي أن يقال: هل إذا قلنا: إنه مطهر هل هو مطهر طهارة مقيدة بوجود الماء أو طهارة مطلقة بمعني أنه لو وجد الماء فهو على طهارته فلا يجب عليه استعمال الماء؟
الجواب: الأول، وعلي هذا فإذا تيمم لجنابة ثم وجد الماء وجب عليه الغسل.
لو قيل: أليس قد طهر من الجنابة؟
الجواب: بلى، إذًا لماذا توجبون عليه الغسل وقد طهر من جنابته؟
نقول: لنا أدلة في هذا:
الدليل الأول: قصة الرجل الذي رآه النبي - ﷺ - بعد صلاة
_________________
(١) رواه البخاري أول كتاب التيمم، حديث رقم (٣٢٨)، ومسلم أول كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم (٥٢١) عن جابر بن عبد الله.
[ ١ / ١٣٣ ]
الفجر أو إحدي الصلوات، فقال: "ما منعك أن تصلي؟ " قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك". ثم جاء الماء بعد ذلك فأمره أن يغتسل (^١) مع أن الرجل تيمم وصلي فأمره أن يغتسل.
الدليل الثاني: قوله - ﷺ -: "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإن وجد الماء فليتقِ الله وليمسه بشرته" (^٢).
إذًا: عندنا دليلان من السنة، وقال شيخ الإسلام ﵀: إن الإجماع منعقد على ذلك، يعني أن العلماء أجمعوا بأن من تيمم لعدم الماء ثم وجد الماء فلا بد أن يتطهر به، وكذلك إذا وجد الماء في أثناء الصلاة فالصحيح أنه يقطع الصلاة لأن وجود الماء يبطل التيمم فيكون كالذي أحدث في أثناء الصلاة فيجب عليه أن يعيد الصلاة.
حينئذٍ تكون القاعدة بانه مطهر فيها شيءٌ من الاستثناء، ولكن هذا الاستثناء دل عليه النص والإجماع، ومعلوم أننا لا نقدم على النص شيئًا؛ لأننا قلنا: إنه مطهر بالنص فإذا وجد الماء وقلنا: يلزمك استعماله فإنما قلنا ذلك بالنص، ونحن لا محيد لنا عما دل عليه الكتاب والسنة.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١١٦.
(٢) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الجنب يتيمم، حديث رقم (٣٣٢)، والنسائي، كتاب الطهارة، باب الصلوات بتيمم واحد، حديث رقم (٣٢٢)، والترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، حديث رقم (١٢٤) عن أبي ذر ﵁.
[ ١ / ١٣٤ ]
مثال ذلك: رجل تيمم لعدم الماء لصلاة الفجر وبقي إلي العشاء، أيعيد التيمم عند وقت كل صلاة؟ إن قلنا: لا، أخطأنا، وإن قلنا: نعم، أخطأنا، فالجواب ينبني على الخلاف، فإذا قلنا: إنه مطهر فلا يعيده ويصلي بتيمم الفجر صلاة العشاء، وإذا قلنا: إنه غير مطهر يعيد التيمم؛ أي: كلما خرج وقت الصلاة بطل التيمم، وعليه فإذا أراد أن يصلي الضحي بتيمم صلاة الفجر على القول بأنه مبيح لا رافع، لا بد أن يتيمم ثانية.
الفائدة السابعة والأربعون: أن الإنسان لو تيمم ولبس الخفين ثم وجد الماء فهل يمسح عليهما؟
الجواب: نقول: التيمم لا يتعلق به طهارة؛ لأن القدم ليس لها دخل في التيمم، وقد قال النبي - ﷺ - للمغيرة ﵁: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" (^١) فدل هذا على أنه لا يمسح الخف إلا في طهارة تشمل القدمين، وعلي هذا إذا كان الإنسان في البر وليس عنده ماء ولبس الخفين على غير طهارة، وجاء وقت الصلاة وتيمم، لا نقول: اخلع الخفين؛ لأن القدم لا تتعلق بها طهارة التيمم، إذًا يبقي لابسًا للخفين ولو يبقي عشر سنوات وطهارته تيمم فإنه لا حرج عليه.
الفائدة الثامنة والأربعون: إثبات الحكمة في شرع الله، وجه ذلك التعليل في قوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة من وجوه لا تحصي، أن الله سبحانه وتعالي حكيم في كل ما يخلق وفي كل ما يشرع.
الفائدة التاسعة والأربعون: وهي متفرعة عن الفائدة السابقة
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١١٢.
[ ١ / ١٣٥ ]
الاستسلام لقضاء الله الشرعي والكوني، فما دمت تعتقد أن هذا الحكم مبني على حكمة فسوف تستسلم، وتقول: ما دام لحكمة فإننا راضون، وكذلك لحكم الله الكوني، إذا أراد الله الجدب، أو أراد الله الفقر والمرض وكثرة الموت، فإننا نعلم أن هذا لحكمة ليس عبثًا ولا لمجرد المشيئة، بل هو لحكمة، وحينئذٍ نستسلم للقضاء الكوني والقضاء الشرعي.
لكن من أهل البدع من نفي الحكمة، وقال: إن الله تعالى لا يفعل لحكمة ولا يشرع لحكمة إنما هي مجرد مشيئة، ويأتي بشبهات منها حديث عائشة ﵂: "كان يصيبنا ذلك (يعني: الحيض) فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (^١)، ولكن يقال: إن الأمر الشرعي عند المؤمنين هو حكمة، يعني مجرد أن أعرف أن الله شرعه أنا أؤمن بأنه لحكمة، فعائشة ﵂ فوضت الحكمة إلي الله ﷿؛ لأن هذا هو ما يؤمرون به وكفي بذلك حكمة.
الفائدة الخمسون: أن الطهارة بأقسامها الثلاثة: الغسل والوضوء والتيمم نعمة من الله ﷿ على العباد، لقوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾، ولا شك أنها نعمة ومن رأي فضائل الوضوء وما يكفر من الذنوب، عرف نعمة الله ﷿ بهذا وكذلك الغسل من الجنابة ولاسيما في أيام الشتاء وأيام المشقة.
_________________
(١) اللفظ لمسلم، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، حديث رقم (٣٣٥)، ومعناه عند البخاري، كتاب الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة، حديث رقم (٣١٥) عن عائشة ﵂.
[ ١ / ١٣٦ ]
لو قال قائل: جماعة مشتركون في ماء، والماء لا يكفي أن يتطهر به الجميع فماذا يصنعون؟
الجواب: إن آثر أحدهما الآخر قلنا: الإيثار بالواجب لا يجوز، فلم يبقَ علينا إلا القرعة.
لو قال قائل: رجل عنده ماء قليل، كنصف قارورة صغيرة، وهذا الماء لا يكفي إلا لغسل وجهه ويديه فماذا يصنع؟
الجواب: إذا كان لا يكفي إلا غسل وجهه ويديه يستعمله ويتيمم عن الباقي.
فلو قيل: ذكرتم فيما سبق أنه لا يُجمع بين الطهارتين؟
فالجواب: نقول: لا يجمع بين طهارتين كاملتين، يعني أن الإنسان يتوضأ وضوءًا كاملًا ويتيمم، أما إذا لم يجد إلا بعض الماء، فقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال النبي - ﷺ -: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" (^١) وقد أمرنا بالوضوء ولم نستطع إلا بعضه، وإذا قلنا: لا بد من الغبار فلا بد أن ينشف يديه قبل أن يتيمم، وإذا قلنا: ليس بشرط فلا بأس.
الفائدة الحادية والخمسون: أن الشكر هو العمل الصالح، لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
فلو قال قائل: ما هو الشكر؟ نقول: إن النبي - ﷺ - بَيَّنَهُ في
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -، حديث رقم (٦٨٥٨)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره - ﷺ - وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، حديث رقم (١٣٣٧) عن أبي هريرة.
[ ١ / ١٣٧ ]