الفائدة الأولى: أن من المشروع أن يذكر الإنسان نعمة الله، وهل ذلك واجب أو مستحب؟ في ذلك تفصيل: فإن أدى عدم ذكرها إلي نسيان الواجب، كان ذكرها واجبًا، مثل أن يرى نفسه قد شطحت وأبعدت عن فعل المأمور وترك المحذور فليذكرها نعمة الله، فليقل مثلًا: اذكري أيتها النفس نعمة الله عليك بالعافية وبالصحة وبإرسال الرسل وبإنزال الكتب وببيان الحق وما أشبه ذلك.
[ ١ / ١٤٠ ]
الفائدة الثانية: إثبات أن لله تعالى علينا نعمة وهو أمر لا يحتاج إلي برهان، ولكن هل النعمة تكون للمؤمن والكافر أو للمؤمن وحده؟
نقول: أما النعمة العامة التي يشترك فيها البهائم والإنسان فهي للمؤمن والكافر، فالكافر يتمتع بنعمة الله كما تتمتع البهيمة، وأما النعمة الخاصة: التي هي نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان والعلم فهذه خاصة بالمؤمن، فإذا سألك سائل: هل لله على الكافر نعمة؟ فقل: في ذلك تفصيل. أما النعمة العامة فنعم، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وأما الخاصة: فإنه لا يدخل فيها الكافر؛ لأنها خاصة بالمؤمنين.
الفائدة الثالثة: أنه يجب على الإنسان أن يذكر الميثاق الذي واثق الله عليه وهو العهد بالسمع والطاعة.
فإن قال قائل: نحن لا نذكر هذا الميثاق؟ قلنا: إن عقد الميثاق يكون بالقول وبالفعل، أما القول فإننا لا نستحضره، حتى لو صح حديث: "إن الله استخرج ذرية آدم من ظهره وأخذ عليهم العهد والميثاق" (^١). وأما الفعل فنعم، هو ثابت وذلك بما فطر الله عليه الإنسان من التوحيد والاعتراف بالله ﷿، وكذلك أيضًا بما أعطاه من العقل الذي يميز به بين الحق والباطل والصدق والكذب، وهذا ميثاق بالفعل، يعني أنت لا تستحضر أنك
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب السنة، باب في القدر، حديث رقم (٤٧٠٣)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأعراف، حديث رقم (٣٠٧٥)، وأحمد (١/ ٤٤) (٣١١) عن عمر بن الخطاب ﵁.
[ ١ / ١٤١ ]
عاهدت الله ﷿ بالقول، لكن بما أعطاك من العقل والفطرة صار ذلك عهدًا.
لو قال قائل: ما صحة قول: من قال: إن الميثاق هو الميثاق الذي أخذه النبي - ﷺ - في بيعة الرضوان أو بيعة العقبة؟
الجواب: لا؛ لأن الصحابة ﵃ لما نزل قول الله تبارك وتعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] قالوا: ما نطيق هذا، فأمروا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، ثم خفف عنهم.
الفائدة الرابعة: أن السمع المجرد لا يغني شيئًا، فلا بد أن يكون سمعًا واستجابة، فاما مجرد السمع فلا، وذلك لقوله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالي: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾ [الأنفال: ٢١]، فنفي الله عنهم السمع؛ لأنهم لم يأتوا بفائدة السمع وهي الطاعة، فعلي هذا لا يكفي مجرد السماع بل السماع حجة على العبد، فعليه عند السماع أن يمتثل.
الفائدة الخامسة: فضيلة التقوى وأنها مبنية على تذكر العهد والميثاق، لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وقد قلنا: إن أجمع كلمة في معنى التقوى هي: اتخاذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل
أوامره واجتناب نواهيه على علم وبصيرة.
الفائدة السادسة: تهديد من خرج عن التقوى، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
الفائدة السابعة: أن التقوى محلها القلب، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ يعني فاجعلوا مدار التقوى على القلوب. ولهذا
[ ١ / ١٤٢ ]