الفائدة الأولى: وجوب الإخلاص لله ﷿ في الشهادة لقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، واعلم أنك إذا كنت مخلصًا لله بالشهادة فإنك لن تحابي قريبًا ولا صديقًا، ولن يحملك بغضك لشخص على أن لا تشهد له ما دمت مخلصًا لله تعالى بالشهادة.
الفائدة الثانية: أن الواجب على الإنسان أن يشهد بالقسط -أي: بالعدل- ولو كان المشهود عليه قريبك، أباك أو أخاك لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، ولا تعد شهادة الإنسان على أبيه وأمه عقوقًا بل هي بر؛
[ ١ / ١٤٧ ]
لأنك إذا شهدت عليهما منعتهما من الظلم وقد جعل النبي - ﷺ - منع الظالم من ظلمه نصرًا للظالم، فقال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم فيكف نصر الظالم؟ فقال: "تمنعه من ظلمه" (^١).
الفائدة الثالثة: وجوب الشهادة بالقسط ولو كنت كارهًا؛ لأن بعض الناس قد يحمله كراهة أن يتضرر الشخص على كتمان الشهادة فتجده مع نفسه في صراع: هل يشهد أو لا يشهد؟ فالواجب أن لا يحملك قرب قريب أو بغض بعيد على أن لا تشهد، اشهد بالعدل.
لو قال قائل: أنا لا أريد أن أشهد مخافة أن يلحقني أذي فأكون آثمًا بهذا؟
الجواب: يقول العلماء: إذا خاف ضررًا لا يحتمل فلا بأس، لكن يبين الشهادة في موطن آخر، أما إذا كان الضرر يحتمل مثل أن يعاديه من شهد عليه أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز كتم الشهادة.
الفائدة الرابعة: أن أساليب القرآن الكريم وإن شئت فقل -وهو أولى- أن تعبير القرآن الكريم بالعدل يدل على بطلان قول من يقول: إن الدين الإسلامي دين المساواة، فهذا على إطلاقه فيه نظر؛ لأنهم يريدون بهذا أن لا يفرقوا بين الرجل والمرأة، ويريدون بهذا أيضًا أن لا يفرقوا بين المسلم والكافر، ويريدون بهذا أن لا يفرقوا بين البر والفاجر، والله تعالى قد أنكر هذا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا، حديث رقم (٢٣١٢) عن أنس بن مالك.
[ ١ / ١٤٨ ]
إنكارًا عظيمًا فقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ﴾ ما هذا الحكم؟ ما الذي حملكم عليه؟ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦] هذا الحكم؟ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
وإذا تدبرت القرآن وجدت نفي المساواة فيه أكثر من إثباته، وأن الذي في القرآن هو العدل: وهو إعطاء كل ذي حق ما يستحق، ولذلك العبارة السليمة أن نقول: الدين الإسلامي دين العدل، وهو الذي أمر الله به في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]، نعم إذا اتفق الناس في الحقوق صح أن نقول: إنه دين المساواة، إذا اجتمعوا في سبب الحكم وغاياته حينئذٍ نقول: هو دين المساواة، يعني إذا سرق الشريف وسرق الوضيع، هنا نقول: لا بأس ألَّا يفرق بين الشريف والوضيع وأنه يسوي بينهما؛ لأن التسوية هنا عدل.
وعلى هذا فنقول: إذا كانت المساواة هي العدل فنعم، أما المساواة التي يرمي إليها هؤلاء فهذا ليس بصحيح، فالدين يفرق تمامًا، في كل موطن تكون الحكمة فيه هي التفريق، لهذا يجب على طالب العلم إذا رأي بعض كتب المُحْدَثِين المعاصرين يقولون: الدين الإسلامي دين المساواة، يقول: قف، من قال هذا؟ هاتِ آية في إثبات التسوية، وأنا آتي لك بآيات كثيرة في نفي التسوية، لكن بدلًا من أن تقول هذا هاتِ الكلمة الحبيبة التي ترد على القلب ورود الماء البارد على كبد العطشان وهي العدل.
الفائدة الخامسة: أن العدل أقرب للتقوى وهو صريح.
الفائدة السادسة والسابعة: أن الأعمال الصالحة منها ما يبعد عن التقوى ومنها ما يقرب، وينبني على الفائدة السابقة
[ ١ / ١٤٩ ]
تفاضل الأعمال، وتفاضل الأعمال قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل، وأن الأعمال تتفاوت والعمال يتفاوتون أيضًا قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، مع أنهم كلهم صحابة لكن لا يستوون، حتى قال النبي ﵊ لخالد بن الوليد حين حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ما حصل قال: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (^١) هذا يقوله النبي - ﷺ - بين صحابي وآخر فكيف بمن بعدهم؟ هذا اختلاف في العمال.
وكذلك أيضًا اختلاف الأعمال قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] وهلمَّ جرَّا، فالأعمال تتفاضل، ويلزم من تفاضل العمل تفاضل العامل، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الأعمال تتفاضل، والعمال يتفاضلون، وأن الإيمان يزيد وكذلك ينقص.
الفائدة الثامنة: فضيلة التقوى، وانظر كيف يكرر الله ﷿ التقوى في آيات كثيرة؛ لأنها في الحقيقة عليها مدار الإسلام، فإذا اتقى الإنسان ربه فسوف يقوم بدين الله تعالى على ما يريد الله جلَّ وعلا.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -: "لو كنت متخذًا خليلًا"، حديث رقم (٣٤٧٠)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة ﵃، حديث رقم (٢٥٤١) عن أبي سعيد الخدري.
[ ١ / ١٥٠ ]
الفائدة التاسعة: تهديد من خالف تقوى الله لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
الفائدة العاشرة: سعة علم الله، وأنه ﷾ عالم ببواطن الأمور، وقد قال الله عن نفسه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]، وفسر النبي - ﷺ - الباطن بأنه: "الذي ليس دونه شيء" (^١) فليس دون الله شيء، كل شيء يراه، كل شيء يعلمه، كل شيء يقدر عليه، كل شيء في قبضته، ليس دونه شيء، وهذا قريب من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
الفائدة الحادية عشرة: أن خبرة الله شاملة للعمل، واعلم بأنه إذا قيل: عمل فهو للقول والفعل، القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، لكن الفعل يطلق غالبًا على عمل الجوارح فقط، أما العمل فيطلق على هذا وهذا حتى إن شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة الواسطية -تلك العقيدة المباركة- قال: إن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، فجعل للقلب عملًا وله قولًا وهو كذلك.
فقول القلب: هو إقراره وتصديقه وإيمانه، وفعله: رجاؤه وخوفه وتوكله وما أشبه ذلك ففيه نوع حركة قلبية، أما القول فهو: إقرار وتصديق.
* * *
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، حديث رقم (٢٧١٣) عن أبي هريرة.
[ ١ / ١٥١ ]