الفائدة الأولى: أن القرآن الكريم مثاني، إذا ذكر أهل العمل الصالح ذكر أهل العمل السيئ، وفائدة ذلك: أن لا يغلب جانب الرجاء أو جانب الخوف؛ وذلك أن الإنسان إذا لم يكن أمامه إلا أوصاف المؤمنين وجزاء المؤمنين فإن ذلك قد يحمله على الرجاء
[ ١ / ١٦٠ ]
وينسى الخوف، وإذا لم يكن أمامه إلا أوصاف الكافرين وعقوبة الكافرين، فقد يستولي عليه الخوف والقنوط من رحمة الله، فلهذا كان الله تعالى يذكر هذا إلى جنب هذا، حتى لا يستولي القنوط من رحمة الله عند ذكر ما يخوف، أو الأمن من مكر الله عند ذكر ما يُرَجِّي.
فإن قال قائل: أيهما أفضل للعامل أن يغلب جانب الخوف أو أن يغلب جانب الرجاء؟
الجواب: أن أحسن الأقوال في هذا: أنه عند عمل العمل الصالح يغلب جانب الرجاء، وعند الهم بالسيئة يغلب جانب الخوف؛ لأنه إذا عمل العمل الصالح وغلب جانب الرجاء أحسن الظن بالله، وأن الله تعالى سيقبل عمله، ويثيبه عليه فينشط على العمل، ويحتسب الأجر على الله.
وعند الهم بالمعصية لو غلب جانب الرجاء لقالت له نفسه: إن الله غفور رحيم، وهذه معصية سهلة وأنت إذا فعلتها فتب، باب التوبة مفتوح وما أشبه ذلك، لكن إذا غلب جانب الخوف، وخاف أن لا يوفق للتوبة وأن يزيغ قلبه، حينئذٍ يكف عن المعصية، فأحسن الأقوال في ذلك: أن ينظر الإنسان إلى حاله، فعندما يفعل الطاعات يغلب جانب الرجاء، وعندما يهم بالمعصية يغلب جانب الخوف.
لو قال قائل: إن الخوف والرجاء من العبادات القلبية فكيف يستطيع الإنسان أن يحقق الخوف والرجاء ويعرف أنه يمشي بين هذين؟
الجواب: هذا ليس انفعالًا في الواقع، وإذا قدر انفعالًا فإننا نقول للإنسان إذا مُنِّيَ بشيء يحبه: أيرجوه أو لا؟ يرجوه،
[ ١ / ١٦١ ]
وإذا خوف يخاف، لو أن رجلًا كريمًا قال: من عمل هذا فله كذا وكذا، فعمله الإنسان، يرجو أو يخاف؟ يرجو، كذلك بالعكس، لو أن رجلًا ظالمًا قال: من فعل كذلك عاقبته بكذا، فالإنسان يخاف، وإن كان انفعالًا، لكن لا بد أن يتأثر الإنسان بما يكون أمامه من طمع أو خوف.
فإن قال قائل: ألم يقل الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]، فبيَّن الله تعالى أن من أوصاف هؤلاء السادة: أنهم إذا آتوا ما يؤتون فقلوبهم وجلة، يخافون أن لا يقبل منهم، كما جاء ذلك في تفسيره؟
قلنا: نعم هو كذلك، وهذا إذا خاف الإنسان أن يعجب بعمله فيجب أن يخاف، وأما إذا كان بريئًا من ذلك وهو يعلم أن ذلك العمل الصالح بمعونة الله، فليحسن الظن بالله ﷿، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي" (^١).
الفائدة الثانية: أن الكفر قد يصحبه التكذيب وقد لا يصحبه، ولهذا أحيانًا يذكر الله الكفر فقط، مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١]، وأحيانًا يذكر التكذيب فقط، قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢]، وأحيانًا يقرن بينهما،
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، حديث رقم (٦٩٧٠)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله، حديث رقم (٢٦٧٥) عن أبي هريرة.
[ ١ / ١٦٢ ]
وذلك لأن كلًّا منهما قد يكون وحده موجبًا للخلود في النار، فإذا اجتمعا جميعًا، صار ذلك أشد وأعظم والعياذ بالله.
الفائدة الثالثة: أن على الإنسان أن يكون مستسلمًا استسلامًا تامًا لآيات الله مصدقًا بأخبارها منفذًا لأحكامها؛ لأن الله توعد المكذبين بالآيات والكافرين بها بأنهم أصحاب الجحيم، وقد ذكر الله ﷿ في سورة النساء قسمًا مؤكدًا، أنهم لا يؤمنون إلا بشروط فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ هذه الأولى، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ هذه الثانية، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] هذه الثالثة، فمن حكَّم غير الله ورسوله فليس بمؤمن، ومن حكم الله ورسوله ولكنه صار في قلبه ضيق، ولم ينشرح صدره بما حكم الله به ورسوله فليس بمؤمن، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾، ومن لم يجد حرجًا لكن صار يتكاسل ويتهاون في التسليم فإنه لم يؤمن، ثم قد يكون الانتفاء لما نهي عنه انتفاءً كاملًا، وقد يكون انتفاءً جزئيًا حسب ما قام في قلبه وعمله.
الفائدة الرابعة: أن الكافرين المكذبين مخلدون في النار لقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وكلما جاءت ﴿أَصْحَابُ﴾: فالمراد بها الملازمة الدائمة، كقول النبي - ﷺ -: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جئت به -أو قال: لا يتبع ما جئت به- إلا كان من أصحاب النار" (^١).
* * *
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس، حديث رقم (١٥٣) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ١٦٣ ]