الفائدة الأولى: خطاب اليهود والنصارى بأهل الكتاب، وقد يقول قائل: في هذا إكرام لهم وإعزاز لهم أن سماهم أهل الكتاب؟
[ ١ / ٢١٠ ]
والجواب عن ذلك أن نقول: سماهم أهل الكتاب لا إكرامًا لهم، ولكن إقامة للحجة عليهم؛ لأن أهل الكتاب هم الذين يجب عليهم أن يكونوا أول عامل به، كما قال تعالى في أول سورة البقرة: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١].
إذًا: فالذين يطنطنون الآن ويريدون أن يقربوا بين الأديان ويقولون: إن الله سماهم أهل كتاب، زعمًا منهم أو إيهامًا منهم أن ذلك من باب التكريم لهم والرضا بما هم عليه، نقول: إن الله لم يخاطبهم بذلك تكريمًا لهم، وكيف يكون ذلك إكرامًا لهم؟ والله يقول: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة: ٦٠]، لكنه ناداهم بهذا الوصف، إقامة للحجة عليهم، وأن تصرفهم أبعد ما يكون عن العقل، لأن أهل الكتاب يجب أن يكونوا أول عامل به.
الفائدة الثانية: رفع شأن النبي - ﷺ - وذلك لقوله: ﴿رَسُولُنَا﴾، فإن إضافة رسالته إلى الله لا شك أنها شرف، وكل ما يضاف إلى الله فهو شرف، حتى الجماد إذا أضيف إلى الله كان ذلك شرفًا له، قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج: ٢٦].
الفائدة الثالثة: أن محمدًا رسول الله مرسل إلى أهل الكتاب لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾، وهو كذلك، حتى أقسم النبي - ﷺ - "أنه لا يسمع به يهوديٌّ ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جاء به إلا كان من أصحاب النار" (^١)، فهو مرسل إليهم بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين.
_________________
(١) تقدم ص ١٦٣.
[ ١ / ٢١١ ]
الفائدة الرابعة: أن محمدًا رسول الله مبيِّن لقوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ ﵊ سراجٌ منير، مبين للخلق كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، والتبيين الذي ذكره الله هنا يشمل تبيين اللفظ وتبيين المعنى، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
الفائدة الخامسة: أن أهل الكتاب أهل كتمان للعلم، لقوله: ﴿كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾.
الفائدة السادسة: أن من كتم العلم من هذه الأمة ففيه شبه باليهود والنصارى؛ لأن هذا هو دأبهم، فمن كتم فقد شابههم في أقبح خصلة -والعياذ بالله- وهي كتمان ما جاءهم من العلم.
الفائدة السابعة: أن رسول الله - ﷺ - سكت عن أشياء من معايب أهل الكتاب لم يبيِّنْها لهم.
فإذا قال قائل: لماذا لم يبيِّن ويفضحهم؟
قلنا: فضيحتهم فيما بُيِّن كافية، وأما السكوت عما لم يبين؛ لأن المصلحة تقتضي ذلك، وقد يكون في هذا نوع من التأليف، أي: من تأليف قلوبهم.
الفائدة الثامنة: أن ما جاء به محمدٌ رسول الله - ﷺ - كله نور، ثور يشع، إن تأملت أخباره استنرت بها، وأحكامه كذلك، فهو نور يستنير به الإنسان في طريقه إلى الله ﷿، وفي طريقه إلى معاملة عباد الله.
هو أيضًا نور في القلب، فكل من تمسك بشريعة محمدٍ - ﷺ - ازداد نورًا في قلبه وفراسة واستنباطًا للأحكام الشرعية وغير ذلك.
[ ١ / ٢١٢ ]
هو أيضًا نورٌ في الوجه؛ لأن المتمسك بشريعة النبي ﵊ لا بد أن يؤثر ذلك عليه في مقاله وفعاله وحاله، فيستنير الوجه، ولهذا تجد للعلماء الربانيين، نورًا في وجوههم يكاد يكون محسوسًا، أما المعنوي فمعلوم حتى لو كان العالم الرباني جلده ليس بأبيض فإنه يستنير وجهه، والنور شيء واللون شيء آخر.
ونورٌ أيضًا في القبر، فإن الإنسان إذا كان مؤمنًا -جعلنا الله منهم- يفسح له في قبره مد بصره ويأتيه من روح الجنة ونعيمها (^١)، هو أيضًا نورٌ يوم القيامة قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢].
إذًا: فكلمة نور شاملة عامة في كل ما يمكن أن يكون فيه ظلمة فالدين الإسلامي ينيره.
الفائدة التاسعة: أن القرآن مكتوب، وتقدم أنه مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا وفي اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة.
الفائدة العاشرة والحادية عشرة: أن القرآن الكريم مبيِّن للأشياء، وأوضح من ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وكلمة "مبين" ذكرنا في التفسير أنها يصح أن تكون متعدية أو لازمة، فإن كانت لازمة فالمعنى: أنه بيِّن بنفسه، وإن كانت متعدية فالمعنى: أنه مبين لغيره، والقرآن لا شك أن بيانه بنفسه وإبانته لغيره هو وصفه، فإذا كان مبينًا وتبيانًا لكل شيء، ألا يتفرع على هذا أنه لا يليق بنا أن نعرض
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧) عن البراء بن عازب.
[ ١ / ٢١٣ ]
عن تدبره بل علينا أن نتدبره، وأول ما يرد علينا من المسائل نطلبها في كتاب الله، فإن عجزنا عن استبيانها في كتاب الله ففي سنة رسول الله - ﷺ -، وسنة رسول الله مبينةٌ للقرآن بأمر الله، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فإذا لم يكن في القرآن ولا في السنة وعجزنا عن إدراك الحكم الشرعي في الكتاب والسنة، حينئذٍ إما أن نسأل أهل الذكر، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وإما أن نتوقف، وإن كان الإنسان أهلًا للاجتهاد فلا حرج عليه أن يجتهد كالإنسان الذي لا يعرف القبلة بنفسه ولا أخبره بها ثقة، فعليه أن يجتهد ويتحرى.
الفائدة الثانية عشرة: أن الهداية بيد الله ولهذا أدلة كثيرة، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، والآيات في هذا كثيرة، فالهداية بيد الله، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وإذا كانت من الله، تفرع عن ذلك:
أولًا: أن لا نسأل الهداية إلا من الله وأن نلح على ربنا ﷿ بالهداية: اللهم اهدني، اللهم اهدني دائمًا.
ثانيًا: أن نعلم أن أفعالنا لا نستقل بها بل هي بتوفيق الله جلَّ وعلا، فيكون فيها رد على القدرية، إذا كان الله جلَّ وعلا يهدي معناه أن لأفعالنا علاقة بهداية الله، فيكون في ذلك رد على القدرية القائلين: بأن الإنسان مستقل بنفسه وبعمله وبمشيئته وبقدرته، وهل فيها موافقة للجبرية؟
[ ١ / ٢١٤ ]
الجواب: اقرأ قوله تعالى: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ فأضاف الاتباع إليه، خلافًا للجبرية الذين يقولون: إن الإنسان لا ينسب إليه فعله.
الفائدة الثالثة عشرة والرابعة عشرة: أنه كلما اتبع الإنسان ما يرضي الله ازداد معرفة بشريعة الله، لقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ واذكرها بالعكس من أعرض عن رضوان الله فإنه لا يهدى سبل الله؛ لأنه ليس أهلًا للهداية، وعلى هذا فنقول لكل طالب علم: أتريد أن يهديك الله ويرزقك علمًا؟ سيقول: بلى، نقول: عليك باتباع رضوان الله، كلما رأيت شيئًا يرضي الله فافعله، وكلما رأيت شيئًا يغضب الله فاجتنبه.
الفائدة الخامسة عشرة: إثبات الرضا لله، لقوله: ﴿رِضْوَانَهُ﴾، والرضا: صفة فعلية من صفات الله ﷿، تتعلق بمشيئته ولها سبب، وسببها عمل العبد بتوفيق الله، وكل صفة من صفات الله يكون لها سبب فإنها من الصفات الفعلية؛ وذلك لأن السبب واقع بمشيئة الله، والصفة التابعة له تكون واقعة بمشيئة الله، فالرضا والغضب والفرح والضحك والعجب وما أشبه ذلك كلها من الصفات الفعلية.
لكن لو قال قائل: هل رضا الله ﷿ كرضا المخلوق؟
الجواب: لا، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، هذا دليل أثري، والدليل العقلي: أنه إذا كانت ذات الرب ﷿ لا تماثل ذوات المخلوقين فكذلك صفاته؛ لأن القول في الصفات فرع عن القول في الذات، هذا ما مشى عليه أهل السنة وقالوا: ليس لنا أن نتحكم
[ ١ / ٢١٥ ]
في كلام الله ورسوله بمقتضى أفهامنا، ولا أقول عقولنا؛ لأن عقولنا تبع تقتضي التبعية للكتاب والسنة، لكن بمقتضى أفهامنا، وهؤلاء المعطلة، كما قال شيخ الإسلام ﵀: أوتوا فهومًا وما أوتوا علومًا، عندهم فَهْم لكن ليس عندهم علم وليس عندهم عقل، أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً.
أهل السنة يؤمنون بهذه الصفات، ويؤمنون بأنها لا تماثل صفات المخلوقين، أهل التعطيل يقولون: لا، لا نؤمن بهذا؛ لأن هذه صفات نقص، الرضا صفة نقص، والمحبة صفة نقص، والغضب صفة نقص، فيجب أن نفسرها بلازمها، أو نسكت ونقول: لا نعلم معناها، يعني أهل التعطيل عندهم لا يمكن أن نتجاوز أحد الطريقين إما أن نعطل وإما أن نفوض، التفويض المعنوي ليس التفويض الكيفي بل المعنوي، وفي ذلك يقول صاحب الخلاصة:
وكل نص أوهم التشبيهَ فوضه أو أَوِّل ورم تنزيها
الواقع أن هذا ما نزه الله بل العكس نحن نقول: الرضا: صفة ثابتة لله ﷿ تستلزم الإثابة والإكرام، هم يقولون: لا، الرضا: هو الإثابة والإكرام وعبر عنه بسببه الملازم له، فنقول: يا ويل الإنسان أن يسمع كلام الله: يقول عن نفسه أنه يرضى ثم يقول: لا ترضى، إنه ليس لك رضا، ليس لك غضب، ليس لك فرح -لا إله إلا الله- كيف لا يكون له ذلك وهو الذي أخبر عن نفسه ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، كيف يصف نفسه بما ليس متصفًا به وهو الذي يقول لعباده: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]؟ وهل هذا إلا
[ ١ / ٢١٦ ]
إلغاز أن يتكلم بكلام الله ﷿ وهو يريد خلافه؟ هذا إلغاز وتعمية، ولو أن المعطل فكر قليلًا لوجد أن تعطيله من أكبر العدوان في حق الله ﷿.
نحن نقول: الإثابة ناتجة عن الرضا وهي دليل على الرضا، يعني دليلًا عقليًّا على الرضا؛ لأن من أثابك يدل على أنه راضٍ عنك، فسبحان الله! تجد أن أهل الباطل سواء في المسائل العملية أو العلمية تجدهم متناقضين، وعلى هذا فالقاعدة الأصيلة الرصينة:
أولًا: أن تثبت ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو السنة.
ثانيًا: أن تنفي عنه مماثلة المخلوقين وبذلك تسلم، أما أن تؤول -والحقيقة- أما أن تحرف فهذا ضلال، ومن الضلال أيضًا أن تفوض، كقولك: والله ما أدري، الرضا لا أدري ما هو، أنا لا أقرأ القرآن ولا أتكلم في شيء، هذا أيضًا شر عظيم، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن مذهب المفوضة من شر أقوال أهل الباع والإلحاد، وصدق ﵀، إذا تأملت قول المفوضة عرفت أنه كفر وإلحاد، كيف ينزل الله علينا قرآنًا، أشرف ما فيه أن نعلم بالله ﷿ وبأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، ثم لا نجد سبيلًا إلى فهم المعنى، ونجعلها عندنا بمنزلة ألف، باء، تاء.
وسبحان الله كيف يليق برجل مؤمن، أن يقول: ما قصه الله علينا عن فرعون وهامان وقارون معلوم المعنى، وما قص علينا عن نفسه غير معلوم، أي فائدة لنا من القرآن، ما دام ليس معلومًا فإننا لن نستفيد منه، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ
[ ١ / ٢١٧ ]
الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي: إلا قراءة، معناه أنه ليس لنا حظ ولا نصيب إلا مجرد القراءة، على كل حال عقيدتنا: أن نؤمن بكل ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو في السنة، من غير تمثيل وبذلك نسلم في عقيدتنا.
لو قال قائل: كثيرًا ما نقول في مسائل الاعتقاد: ثبت بالحس والعقل والنقل، ويقول بعضهم: ثبت بالعقل والنقل، وآخر يقول: ثبت بالحس والنقل، ما الفرق بين الحس والعقل؟
الجواب: الحس: ما تدركه بالحواس كاللمس والشم والذوق.
والعقل: ما تدركه بقلبك، أي: بعقلك، هذا الفرق، وممكن أن يجتمع الدليل السمعي العقلي والحسي، مثال ذلك: اليد تضاف إلى الإنسان وتضاف إلى البعير وتضاف إلى الذرَّة، فاختلافها مدرك بالحس، كلنا نعرف هذا يده كذا، وهذا يده كذا، وهذه يدها كذا، ودليل العقل أن تقول فيما يتعلق بصفات الله: إذا كانت ذات الخالق لا تماثل المخلوق، فكذلك صفاته هذا دليل عقلي ليس حسيًّا.
الفائدة السادسة عشرة: أن طرق السلامة كثيرة متعددة، لقوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾؛ فمثلًا: أركان الإسلام خمسة، كل واحد سبيل، أبواب الجنة ثمانية كل باب له أناس مختصون به، إذًا: هناك سبل وهناك أبواب، والمراد بذلك الشرائع، أما الإسلام جملة فهو سبيل واحد.
الفائدة السابعة عشرة: أن من سلك سبيل الشريعة فقد سلم، لقوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، سلم بكل معنى الكلمة، سلم في عقيدته .. في أعماله .. في جزائه؛ لأن هذا المسلك سيؤدي به
[ ١ / ٢١٨ ]
إلى دار السلام التي يدعو الله إليها قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥].
لو قال قائل: ما حكم من يقول: إن أهل الكتاب ليسوا كفارًا؟
الجواب: هذا لا يعذر لأن هذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وإذا قال: إن أهل الكتاب يعني: اليهود والنصارى غير كفار فإنه قد كذب القرآن، ويعتبر مرتدًا، إما أن يقر ويقول: هم كفار قامت عليهم الحجة، وإذا مات على هذا فهو من أصحاب النار، وإما أن يقتل ليكون معهم، وأخبرني بعض الطلبة بأن كثيرًا من العوام لا يكفر أهل الكتاب، يقولون: هؤلاء يهود ونصارى ليسوا بكفار، فيجب أن يبيِّن، وهذه البدعة ما سمعناها إلا الآن، فهم كفار بنص القرآن، وإذا كان هذا في بلاد نجد فكيف بغيرنا؟ قال الله تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وهذه أشياء واضحة، أليس الرسول - ﷺ - قاتل أهل الكتاب؟
الجواب: بلى، وأخذ منهم الجزية ومن لم يسلمها قتله، هل الرسول ﵊ يقتل المسلمين؟ على كل حال: إذا كان هذا الأمر مشتبه على الناس يجب أن يبين في كل مناسبة، وكما ذكرنا سابقًا أن الله يناديهم بأهل الكتاب لإقامة الحجة عليهم لا إقرارًا لما هم عليه ولا إكرامًا لهم.
الفائدة الثامنة عشرة: الرد على القدرية الذين يقولون: إن الله لا علاقة له بفعل العبد، فالآية صريحة لقوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾.
[ ١ / ٢١٩ ]
الفائدة التاسعة عشرة: أن المعاصي ظلمات، والكفر والشرك أعظمها ظلمًا، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، والافتراء على الله كذبًا من أعظمها ظلمًا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٩٣]، ومنع المساجد أن يذكر فيها اسم الله، من أعظمها ظلمًا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤].
المهم: أن المعاصي كلها من الظلمات، الجهل أيضًا ظلمة؛ لأنه يُعمِّي على الإنسان الطريق ولا يدري أين يذهب، ولا أين يلجأ وكيف يعمل، وكذلك أيضًا من الظلم ظلم العباد بالعدوان عليهم في أموالهم أو أبدانهم أو أعراضهم.
الفائدة العشرون: أن الشريعة نور وهي كذلك، هي نور لا شك، ولا يحس بذلك إلا من آتاه الله تعالى إيمانًا ويقينًا كاملًا، وكلما كمل الإيمان ازداد الإنسان نورًا وتبين له نور الشريعة -نسأل الله أن يبين لنا ذلك-.
الفائدة الحادية والعشرون: إثبات الإذن لله ﷿ ولست أقصد بالإذن الأذن التي يسمع بها، لأن هذا أمر لا نعلمه، لكن الإذن الذي هو الإرادة، وهو نوعان: إذن شرعي وإذن كوني، فالإذن الشرعي: ما شرعه الله ﷿، فكل ما شرعه الله فقد أذن به شرعًا، ولا يلزم من الإذن الشرعي وقوع ما أذن الله به، والإذن القدري أو الكوني: هو ما أراده الله ﷿ وهذا الإذن لا بد أن يقع، لأنه إرادة الله -، لكن قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ هل المراد الإذن الشرعي أم القدري؟
[ ١ / ٢٢٠ ]