الفائدة الأولى: بيان عقوبة المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فسادًا، وقلنا: إن المفسرين قالوا: إنه يراد بذلك قطاع الطريق الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو في البنيان.
الفائدة الثانية: شدة محاربة الله ورسوله، وأن الإنسان إذا حارب الله ورسوله فإنه يخشى عليه، وذلك لعظم العقوبة، فإن عظم العقوبة يدل على عظم الجريمة، ومن المحاربين لله ورسوله: أكلة الربا، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩].
الفائدة الثالثة: عظم محاربة الرسول ﵊ سواء كان بالسلاح الحسي أو بالسلاح المعنوي وهو رد دعوته والاستكبار عنها.
[ ١ / ٣٢٢ ]
الفائدة الرابعة: أن الله تعالى يريد من عباده أن تطهر الأرض من الفساد، ولذلك عاقب الذين يسعون في الأرض فسادًا بهذه العقوبة العظيمة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، قال أهل العلم: الفساد في الأرض بعد إصلاحها يعني المعاصي، لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، ولكن كما قلنا في الآية التي قبلها: من الفساد في الأرض ما لا يؤدي إلى هذه العقوبة على حسب النصوص.
الفائدة الخامسة: أن عقوبة هؤلاء متنوعة: الأول: القتل، والثاني: الصلب، والثالث: تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، والرابع: النفي من الأرض، و"أو" في هذه الآية هل هي للتنويع أو للتخيير؟ في هذا قولان للعلماء: منهم من قال: إنها للتخيير وأن للإمام أن يقتِّل أو يصلب، وله أن يعدل إلى تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، وله أن يعدل إلى النفي في الأرض، لكن يجب عليه أن ينظر ما هو الأصلح؛ لأن كل من خُيِّر لمصلحة غيره وجب عليه اتباع الأصلح، وكل من خير لمصلحة نفسه والتيسير على نفسه فله أن يختار الأيسر، فعندنا الآن تخيير مصلحة وتخيير تيسير، من خير لمصلحة الغير فتخيير مصلحة، فولي اليتيم إذا قيل له: لك أن تبيع ملكه أو تشترى له ملكًا أو ما أشبه ذلك، فهذا التخيير يعتبر تخيير مصلحة لا تشهي وتيسير.
وقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] هذا تخيير تيسير وتشهي.
[ ١ / ٣٢٣ ]
فمن العلماء من قال: إن "أو" هنا للتخيير وأن الإمام مخير بين هذه العقوبات الأربع، ولكن يجب عليه أن يفعل الأصلح، فإذا كان الأصلح أن يقتلوا أو يصلبوا؛ لأن ذلك أعظم هيبة في قلوب المجرمين وجب عليه أن يقتل أو يصلب، وإذا كان المجرمون يرتدعون بدون ذلك، فإنه لا يعدل إلى الأعلى في العقوبة؛ لأن هذا كدفع الصائل.
ومنهم من قال: إن "أو" للتنويع وليست للتخيير، وأن هذه العقوبات تختلف بحسب الجرائم، ووزعوها كما يلي: قالوا: من قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب، أي: إذا جمع بين الأمرين فينه يقتل ويصلب؛ لأنه فعل جريمتين فضوعفت عليه العقوبة، ومن قتل ولم يأخذ مالًا فإنه يقتل ولا يصلب، ومن أخذ مالًا ولم يقتل، انتقل به إلى العقوبة الثالثة حسب سياق الآية، وهي الثانية حسب ترتيب العلماء وهي: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ حتى وإن سرقوا -عند بعض العلماء- ما لا يبلغ النصاب، -أي: نصاب السرقة- مثل أن يكون مع الرجل أقل من نصاب السرقة وخرج عليه هؤلاء القطاع، ومعهم السلاح وقالوا: أعطنا ما معك، فأخذوه منه قهرًا، وهو لا يبلغ ربع دينار فإنه تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وقال بعض العلماء: إنها لا تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، إلا إذا أخذوا ما يقطع بمثله السارق وهو ربع دينار.
بقى علينا النفي من الأرض، والنفي من الأرض: أن الإمام ينفيه من بقعته التي هو فيها إلى أرض أخرى؛ لأنه إذا تغير عليه المكان والجو ربما يستقيم ويتوب، وقيل: معنى النفي من
[ ١ / ٣٢٤ ]
الأرض: أن يحبس، حتى لا يتجول في الأرض التي كان يتجول فيها؛ لأنه إذا حبس في بيت أو في حجرة صدق عليه أنه نفي من الأرض التي كان بالأمس يسير فيها في الهواء الطلق لا يخاف أحدًا.
والصحيح أن المراد بالنفي من الأرض: الطرد من الأرض، إلا إذا كنا نخشى إن طردناه من أرضه أن يرتكب الجريمة في الأرض الأخرى، فحينئذٍ ليس له إلا الحبس، وعقوبة النفي من الأرض قال العلماء الذين يجعلون "أو" للتنويع، قالوا: هذا فيمن أخاف الطريق ولم يأخذ المال ولم يقتل النفس؛ لأننا إذا نفيناه كفينا الناس شره، وإذا حبسناه على القول الثاني كفينا الناس شره، لكن أي القولين أولى؟ الثاني أضبط لأن الخيانة مأمونة فيه، والأول أنسب؛ لأن المقصود من الحدود التقويم، أي: تقويم الناس، فإذا كانوا يمكن أن يُقَوَّموا بدون القتل والصلب قُوِّمُوا، لكن هذا لا تؤمن فيه الخيانة، أي: خيانة الإمام وولي الأمر، فيقول: هذا يستحق القتل والصلب، وتأتيه القضية نفسها في وقت آخر، فيقول: هذا لا يستحق القتل والصلب؛ لأن الثاني شريف والأول وضيع، فمن قال بالتحديد وأن هذا لا بد منه بحسب الجريمة، فقوله أقرب إلى الصواب من جهة الضبط، وأنه لا يمكن أن يتعدى ما حد له، ومن قال بأن "أو" للتخيير، وأن الإمام غير فقوله أولى من حيث إن الحدود لتقويم الخلق، فإذا أمكن التقويم بما هو أقل وجب الاقتصار عليه.
فإن قال قائل: هل وقع مثل هذا في عهد الرسول - ﷺ -؟
[ ١ / ٣٢٥ ]
الجواب: نعم، وقع، قدم أناس من جهينة أو عرينة أو عكل (^١)، أو من هؤلاء وهؤلاء قدموا المدينة، فاستوخموها وأصيبوا بشيء من حُمَّاها، فأمرهم النبي - ﷺ - أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها، وألبانها، ففعلوا، فشربوا من أبوال الإبل وألبانها وزالت عنهم الحُمَّى وصحوا، فبدلوا نعمة الرسول ﵊ كفرًا، فسملوا عيني الراعي، وسَمْلُها: أن تحمى حديدة مثل المخيط وتكحل بها العين -والعياذ بالله- وهذا تعذيب شنيع ونسأل الله العافية، ثم قتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فأرسل النبي - ﷺ -، في إثرهم وجيء بهم بعد أن ارتفع النهار، فأمر بهم - ﷺ - أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأن تسمل أعينهم بالمسامير؛ لأنهم فعلوا ذلك بالراعي، والقصاص واجب، وأبقاهم في الحرة يستغيثون ولا يغاثون، حتى إن الواحد منهم، يأكل الثرى من العطش، ولكن الرسول ﵊ تركهم ولم يحسمهم (^٢)، يعني ما حسم الدماء، حتى لا يحصل النزيف، تركهم يرفسون بدمائهم ويستغيثون ولا يغاثون؛ لأن الرحمة بالناس عمومًا تقتضي أن نعامل هذا المجرم بما يمنع الإجرام.
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب المحاربين، باب سمل النبي - ﷺ - أعين المحاربين، حديث رقم (٦٤٢٠)، صحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب حكم المحاربين والمرتدين، حديث رقم (١٦٧١).
(٢) رواه البخاري، كتاب الحدود، باب المحاربين من أهل الكفر والردة، حديث رقم (٦٤١٧)، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب حكم المحاربين والمرتدين، حديث رقم (١٦٧١) عن أنس بن مالك.
[ ١ / ٣٢٦ ]
الفائدة السادسة: أن قطاع الطريق يجمع لهم بين العقوبة في الدنيا والآخرة لقوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، مع أنه ثبت عن النبي - ﷺ -: أن من أصيب بشيء من القاذورات، يعني: القبائح، وحد عليها فإن الحد يكون كفارة لذلك الذنب (^١). لكن لعظم جرم هؤلاء لم يكن الحد كفارة لهم، بل كان ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
الفائدة السابعة: إثبات عذاب الآخرة، لقوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
الفائدة الثامنة: أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، ربما يؤخذ من قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ولهذا قال النبي - ﷺ - في المتلاعنين، قال: "إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" (^٢).
الفائدة التاسعة: أن هؤلاء المجرمين مع عظم جرمهم إذا تابوا قبل القدرة عليهم سقط عنهم الحد، ويؤخذ سقوط الحد من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني: فإذا علمتم ذلك فاغفروا لهم، وهل هذا على إطلاقه بمعنى: أنه يعفى عنهم حتى فيما يتعلق بحقوق الآدميين من نفس أو جرح أو عضو أو مال أو هو خاص بحقوق الله؟ الثاني هو المتعين؛ لأن حقوق الآدميين لا بد من وفائها، وعلى هذا فإذا كان هؤلاء الذين تابوا ووضعوا السلاح وظهر صدقهم قد قتلوا أحدًا، هل نقتلهم أو لا؟
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحدود، باب توبة السارق، حديث رقم (٦٤١٦)، ومسلم، كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها، حديث رقم (١٧٠٩) عن عبادة بن الصامت.
(٢) رواه مسلم أول كتاب اللعان حديث رقم (١٤٩٣) عن ابن عمر.
[ ١ / ٣٢٧ ]
الجواب: إذا طلب أولياء المقتول أن يقتلوا قتلوا؛ لأن حق الآدمي لا يسقط، لكن لو لم يتوبوا وأُتينا بهم، ثم قال أولياء المقتول: نحن قد عفونا هل يسقط؟ لا؛ لأنه حد، فالقتل حتم إذا لم يتوبوا؛ أما إذا تابوا انتقل الحد إلى حق الآدمي، إذا عفا فلا بأس.
وهل يلحق بذلك سائر الحدود كحد الزنا والسرقة وما أشبه ذلك؟ الجواب: نعم يلحق به؛ لأن التوبة إذا أسقطت هذا الحد العظيم في الجرم العظيم فما دونه من باب أولى، فالسارق مثلًا إذا تاب إلى الله، وأتى بالمال المسروق ورده إلى صاحبه فإننا لا نقطع يده؛ لأنه تاب إلى الله قبل أن نقدر عليه.
الفائدة العاشرة: أنهم إذا تابوا بعد القدرة فإن توبتهم لا تقبل، وهنا يرد إشكال، وهو ما جرى في قصة أسامة بن زيد ﵁ حين لحق المشرك، فلما أدركه قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، والذي يظهر أن هذا المشرك قال: لا إله إلا الله تعوذًا من القتل، فلما جاء إلى النبي ﵊ وأخبره الخبر، قال: "قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله" قال: نعم يا رسول الله، قتلته، لكنه قالها تعوذًا وخوفًا من القتل؛ لأنه لو كان صادقًا لأسلم قبل أن يهدد بالقتل، فجعل النبي - ﷺ - يردد: "أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله، فماذا تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة" (^١)، حتى تمنى أسامة أنه لم يكن أسلم من
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي - ﷺ - أسامة بن زيد إلى الحرقات، حديث رقم (٤٠٢١)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، حديث رقم (٩٦) عن أسامة بن زيد.
[ ١ / ٣٢٨ ]