بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
هذه السورة هي سورة النساء، وهي مدنية، والمدني عند الجمهور: ما نزل بعد الهجرة، والمكي: ما نزل قبل الهجرة، فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة، وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني على الزمان لا على المكان، وقد ذكر العلماء - ﵏ - ضوابط ومميزات للمكي والمدني، وهي معروفة في علم أصول التفسير.
ومن ذلك: أن الغالب في الآيات المكية القصر، وقوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به. وأما الآيات المدنية فالغالب عليها السهولة، وطول الآيات، وموضوعها في الأمور الفرعية؛ كالبيوع، وآداب المجالس، وآداب الإستئذان، وغير ذلك.
والغالب أن النداء في المكي يكون لعموم الناس: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ لأن أكثر المخاطبين بها ليسوا بمؤمنين، والمدني يكون الخطاب فيه بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] هذا هو الغالب؛ لأن المخاطبين فيها مؤمنون كلهم أو أكثرهم.
[ ١ / ٧ ]
وقد سميت هذه السورة بـ (سورة النساء) لذكر النساء فيها، وقد ابتدئت بأصل خلقة بني آدم، من ماذا خلقوا؟ ثم ذكرت الأرحام وما يتصل بها من المواريث وغير ذلك، ثم ذكرت ما يتعلق بالنكاح؛ لأن النكاح صلة بين الناس، كما أن القرابة صلة بين الناس، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ [الفرقان: ٥٤]، ثم ما يتعلق بمخاطبة اليهود والمنافقين، ثم ما يتعلق بأحوال النزاع بين الزوجين، كما سيمر بنا إن شاء الله تعالى.
وهذه السورة هي السورة الرابعة بعد الفاتحة والبقرة، وآل عمران، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث حذيفة - ﵁ -: "أن النبي - ﷺ - قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران" (^١)، وهذا الترتيب كان في أول الأمر، ثم رتبت في الأخير هكذا: البقرة، ثم آل عمران، ثم النساء، واستقر على ذلك المصحف الذي جمعه أبو بكر - ﵁ - ثم عثمان بن عفان - ﵁ -.
يقول الله ﷿: "بسم الله"، البسملة آية مستقلة، يؤتى بها في أوائل السور، إلا سورة واحدة وهي سورة براءة، فإنه لم تنزل لها بسملة، ولو نزل لها بسملة لكانت محفوظة موضوعة في مكانها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، ولكن الصحابة ﵃ أشكل عليهم هل هي مستقلة أو من سورة الأنفال؟ فوضعوا فاصلًا بينهما لأجل هذا الإشكال فقط، وليس هناك شك في نزول البسملة أولًا؛ لأن
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، حديث رقم (٧٧٢).
[ ١ / ٨ ]
البسملة لو نزلت لحفظت كما تحفظ آيات القرآن الأخرى.
والصحيح أن البسملة ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، ولا تحسب من آياتها؛ لا في الفاتحة، ولا في غيرها، خلافًا لبعض أهل العلم الذين قالوا: إنها آية من الفاتحة لا من غيرها، وعلى هذا جرت طباعة المصاحف، فقد جعلت البسملة في الطباعة آية من الفاتحة دون غيرها.
والصحيح أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي " (^١) إلخ الحديث، ولم يذكر البسملة.
ويدل لذلك أيضًا: أنه إذا كانت الفاتحة بين الله وبين العبد نصفين، فإنه لا يستقيم أن تكون البسملة منها؛ لأننا إذا عددنا الآيات وجدناها كما يلي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة] آية ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة] آية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة] آية، فهذه ثلاث آيات .. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة] آية، وهذه هي الرابعة، وهي الوسط، وهي التي بين الله وبين العبد، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة] آية ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة] آية، فتكون الآيات متناسقة، ويكون حق
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث رقم (٣٩٥) عن أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١ / ٩ ]
الخالق ﷿ ثلاث آيات مستقلة، وهي الأولى، وحق العبد ثلاث آيات مستقلة، وهي الآيات الأخيرة، والسابعة بينهما، وبهذا يعرف أن البسملة ليست من الفاتحة.
وأما الجار والمجرور فإنه متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف فعل مؤخر يقدر بحسب المسمى عليه، فإذا كنت تريد أن تقرأ فالتقدير: باسم الله أقرأ، وإذا كنت تريد أن تذبح فالتقدير: باسم الله أذبح، وإذا كنت تريد أن تتوضأ فالتقدير: باسم الله أتوضأ، وهلم جرا.
وإنما اختير أن يكون الفعل متأخرًا تيمنًا بالبداءة باسم الله من وجه، ولإفادة الحصر من وجه آخر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، فكأنك تقول: لا أقرأ إلا باسم الله، وإنما اختير أن يكون فعلًا لا اسمًا - أي: لا يقدر باسم الله قراءتي، أو باسم الله ابتدائي-؛ لأن الأصل في العمل الأفعال دون الأسماء، ولذلك لا يوجد اسم عامل إلا بشروط، بخلاف الأفعال. وإنما قدر مناسبًا لما يسمى عليه؛ لأنه أنسب، ولأن النبي - ﷺ - قال: "ومن لم يذبح فليذبح باسم الله" (^١)، فقدر فعلًا خاصًا وهو الذبح.
أما لفظ الجلالة فهو علم خاص بالله ﷿ وحده، لا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد ..، حديث رقم (٩٤٢)؛ ومسلم، كتاب الأضاحي، باب وقتها، حديث رقم (١٩٦٠) عن جندب البجلي.
[ ١ / ١٠ ]
يسمى به غيره بالإجماع، وكذلك ﴿الرَّحْمَنِ﴾ علم خاص بالله، لا يسمى به غيره.
وأما الرحيم فهو اسم من أسماء الله ﷿، فهو علم عليه، لكن يوصف به غيره، كما قال الله تعالى في النبي - ﷺ -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
ويفسر أهل السنة ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بأنه ذو الرحمة، وهي صفة لازمة تتعلق بذات الله ﷿، ومن آثارها: الإنعام والإحسان، ويفسرها أهل التعطيل بالإحسان فيقولون: الرحمن: المحسن، أو المنعم، أو بإرادة الإحسان أو الإنعام؛ أي: المريد للإحسان، والمريد للإنعام؛ لأنهم لا يصفون الله بصفة الرحمة، وكذلك يقال في الرحيم.
فإن قال قائل: هل الرحمن والرحيم مترادفان؟
فالجواب: إن ذكر أحدهما منفردًا عن الآخر فهو متضمن له، وإن ذكرا جميعًا؛ فالرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل؛ لأن الرحمن على وزن فَعْلان، وهو يدل على الوصف؛ كغضبان وسكران ونشوان وما أشبهها، والرحيم يدل على الفعل، فيكون الرحمن باعتبار وصف الله ﷿ بالرحمة، والرحيم باعتبار فعله؛ أي: باعتبار رحمته لمن رحم، قال الله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١].
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ هذه جملة ندائية مصدَّرة بيا، والمنادى: أي، وهو مبني على الضم في محل
[ ١ / ١١ ]
نصب، والهاء للتنبيه، والناس: نعت لـ "أي"، أو عطف بيان، فهي مبنية على الضم في محل نصب.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وجّه الله الخطاب للناس، مع أن السورة مدنية؛ وذلك لبيان أن رسالة النبي - ﷺ - عامة لجميع الناس، و﴿النَّاسُ﴾ قيل: إن أصلها أناس، وقد حذفت الهمزة لكثرة الإستعمال تخفيفًا، كما حذفت الهمزة من "شر" و"خير"، وأصلها: أشر وأخير، تقول: هذا خير من هذا؛ أي: أخير منه، وهذا شر من هذا؛ أي: أشر منه، لكن حذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الإستعمال.
وهو مشتق من الأُنس؛ لأن البشر كما يقال عنهم: مدنيون بالطبع، يحتاجون إلى أن يأنس بعضهم ببعض، ولهذا لا يوجد أحد تحبب إليه الخلوة إلا لسبب خارج عما جبل الله عليه الناس.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والرب في قوله: ﴿رَبَّكُم﴾ هو الخالق المالك المدبر، فهو متضمن لهذه المعاني الثلاثة: خالق؛ أي: موجد من العلم، ومالك؛ أي: لا يشركه أحد في ملكه، ومدبر؛ أي: للأمور على ما تقتضيه حكمته.
﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الذي: صفة للرب، ولكنها صفة كاشفة، ومعنى قولنا: (كاشفة)؛ أي: موضحة لهذه الربوبية أو لبعض معانيها، واحترزنا بكلمة (كاشفة) عن كونها مقيدة؛ لأننا لو جعلناها مقيدة، لكان هناك ربان: رب خلقنا من نفس واحدة، ورب لم يخلقنا من نفس واحدة، وليس الأمر كذلك، بل الذي
[ ١ / ١٢ ]
خلقنا من نفس واحدة رب واحد، فتكون الصفة هنا صفة كاشفة.
وقوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أي: أوجدكم ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ هذه النفس هل يراد بها نفس بعينها، أو المراد بالنفس الجنس؟
الظاهر الأول، وهو أن المراد بالنفس نفس بعينها، وهو آدم ﵊ الذي هو أبو البشر، فقد خلقه الله تعالى من طين بيده الكريمة، وعلمه أسماء كل شيء يحتاج إليه؛ لأنه خلق من غير أن يكون هناك أحد يتعلم منه اللغة، فعلمه الله تعالى اللغات التي يحتاج إليها، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] أي: مما يحتاج إليه.
وقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: خلق من هذه النفس زوجها، وقد جاء في الآثار أنها خلقت من ضلَعه الأيمن - والله أعلم - لكن ثبت في السنة أن المرأة خلقت من ضلَع.
وقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ولم يقل: زوجته؛ لأن اللغة الفصحى أن الزوج يطلق على الرجل والمرأة، وأصله ضد الوتر؛ لأن الزوجة إذا انضمت إلى زوجها صارت شافعة له بعد أن كان منفردًا، ولهذا يقال: الزوجة شريكة زوجها في الحياة؛ لأن بعضهما انضم إلى بعض. والمراد بها هنا حواء.
وقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ بث بمعنى: نشر وأخرج ﴿مِنْهُمَا﴾ أي: من النفس وزوجها ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ وهذان القسمان لا يخرج عنهما بنو آدم، وما جاء في الخنثى فإن الخنثى: إما ذكر وإما أنثى، أو مركب منهما، لكنه لا يخرج عن الذكورة والأنوثة.
[ ١ / ١٣ ]
وقوله تعالى: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ولم يقل: نساءً كثيرات؛ لأن الكثرة في الرجال عز، بخلاف الكثرة في الإناث، وإن كان الواقع أن النساء من بني آدم أكثر من الرجال، كما استنبط ذلك شيخ الإسلام ﵀ من قول النبي - ﷺ -: "إنكن أكثر أهل النار" (^١)، "وإن أهل النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون" فإذا كن أكثر أهل النار، وأهل النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون؛ لزم من هذا أن يكن أكثر من الرجال، وهذا هو الواقع، لكن الكثرة في الرجال عز وفخر يفتخر الناس به، بخلاف النساء، فإن الكثرة منهن عالة وتعب وعناء.
ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، كرر الأمر بتقواه ﷿ لما لها من الأهمية؛ لأن الإنسان إذا وفق لتقوى الله صلحت أموره الدينية والدنيوية.
وقوله: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ فيها قراءتان: الأولى "تَسَاءلون" كما في المصحف، والثانية: "تسَّاءلون"، وأصل "تسَّاءلون" تتساءلون، وقوله: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: يسأل بعضكم بعضًا به للحماية، فيقول: أسألك بالله أن تنقذني، أسألك بالله أن لا تؤذيني، وغير ذلك مما يسأل، فالله تعالى هو الذي يتساءل به الناس.
وقوله: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ فيها قراءتان: بالجر، وبالفتح، فإذا كانت بالفتح فهي معطوفة على قوله: "الله"، فيكون المعنى: واتقوا الأرحام فلا تضيعوها، ولا تفرطوا في حقها، والأرحام: جمع رحم، وهم القرابة، فيكون في الآية أمر بصلة الأرحام والقيام
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه (٢٦١٣) عن أبي هريرة ورواه أحمد في مسنده (٣٥٥٩) عن ابن مسعود.
[ ١ / ١٤ ]
بحقهم، وأما على قراءة الجر: "والأرحامِ" فهي معطوفة على الضمير في قوله: ﴿بِهِ﴾ أي: تساءلون به وبالأرحام، والتساؤل بالأرحام مما جرت العادة به عند العرب أن يقال: أسألك بالله وبالرحم، أو يقال: أسألك بالرحم التي بيني وبينك، فهم لعصبيتهم يقدرون الرحم تقديرًا بالغًا ويحترمونها، ويرون حمايتها؛ ولهذا ذكَّرهم الله تعالى بها فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.
فإذا قال قائل: هل بين القراءتين منافاة؟
فالجواب: لا، والقراءتان في الحقيقة تصيِّر الكلمة كلمتين، فإما أن تكون كل قراءة تبيانًا للأخرى، وإما أن تكون القراءة الثانية جاءت بمعنى جديد، وهنا القراءتان كل واحدة جاءت بمعنى جديد، فقراءة النصب فيها الأمر باتقاء الأرحام؛ أي: اتقاء التفريط في حقهم، والقراءة الثانية فيها التذكير بأن الناس يتساءلون بالأرحام، ولم يتساءلوا بها إلا لعظم حقها بينهم.
وهنا إشكال على قراءة الجر من حيث القواعد النحوية؛ لأن النحويين يقولون: إذا عطفت على ضمير متصل فأت بالضمير المنفصل، أو أعد حرف الجر، فقل: تساءلون به وبالأرحام.
فهل نقول: إن في القرآن ما خرج عن القواعد؟
الجواب: لا، بل إن القرآن حاكم وليس محكومًا عليه، وكون النحويين يقولون: هذا شاذ، نقول: الشذوذ منكم، فليس في القرآن ما هو شاذ أبدًا، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، وإذا كان يقل استعمال هذا عند العرب، فإنه بنزول القرآن به يكون كثيرًا، يقرؤه الناس في كل وقت وفي كل حين؛ ولهذا أنكر الرازي ومحمد رشيد رضا وغيرهم من العلماء على النحويين إنكارًا بالغًا في هذا، وقالوا: كيف يقولون: إن في القرآن ما هو
[ ١ / ١٥ ]
شاذ؟ فإن القرآن يَحكم ولا يُحكم عليه، بل إذا جاء في القرآن تركيب لم يُعهد في اللغة العربية، فإن الفضل للقرآن بإحياء هذا التركيب.
وقد ذكر ابن مالك ﵀ أنه ليس بلازم أن يُعاد حرف الجر، فقال:
وليس عندي لازمًا إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا
وهذا هو الصحيح، وعلى هذا فنقول في كل آية زعم النحاة أنها شاذة: إنه ليس في القرآن شيء شاذ، بل كل ما في القرآن فهو على اللغة الفصحى بلسان عربي مبين، ويجب أن تؤخذ القواعد من القرآن ليحكم بها وعليها، لا أن تؤخذ القواعد مؤصلة باصطلاحات حادثة ثم يقال: إن القرآن شاذ.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، لما أمر بتقواه ﷿ مرتين في الآية قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أي: يراقبكم في جميع أحوالكم .. هل اتقيتم الله أم لم تتقوه؟ هل اتقيتم الأرحام وقمتم بواجبها أم لم تتقوها؟
وختمُ الآية بهذه الجملة يراد به التهديد من المخالفة، كما لو قلت لأحد أبنائك: افعل كذا فأنا رقيب عليك، فهذا يعني: أنك تهدده بأن لا يخالف، وأنه إن خالف فسيجد عقوبته.