محكم، فالمتشابه: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"، فهذا يحتمل تأخير الصلاة، ويحتمل تعجيل السير والمشي، والمحكم هو وجوب الصلاة في وقتها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، فيجب أن نرد المتشابه إلى المحكم، ونصلي الصلاة في وقتها، وإن لم نصل إلى بني قريظة.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١٢].
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ لا يمكن أن يصدق على المرأة أنها زوج إلا إذا تمت شروط النكاح، وعلى هذا فلا بد من عقد الزوجية الصحيح، فإن كان العقد غير صحيح فلا إرث، والعقد غير الصحيح يشمل الفاسد والباطل، فالأنكحة عند العلماء ثلاثة أقسام: صحيح، وباطل، وفاسد، فما أجمع العلماء على صحته فهو صحيح، وما أجمعوا على بطلانه فهو باطل، وما اختلفوا فيه فهو فاسد.
[ ١ / ٩٣ ]
فالصحيح: هو ما اجتمعت شروطه وانتفت موانعه، وإن شئت فقل: ما أجمع العلماء على صحته.
والباطل: هو ما أجمعوا على فساده. والفاسد: هو ما اختلفوا في صحته.
مثال الأول: أن يتزوج الرجل المرأة بعقد صحيح خال من الموانع.
ومثال الثاني: الباطل: أن يعقد على امرأة فيتبين أنها أخته من الرضاع، فهنا العقد باطل؛ لإجماع العلماء على فساده، أو أن يتزوج امرأة في عدتها، فإن العلماء مجمعون على فساد هذا العقد.
ومثال الثالث: أن يتزوج امرأة بلا شهود، أو بشهود من الأصول والفروع، أو بلا ولي، أو يتزوج امرأة رضعت من أمه ثلاث رضعات، فكل هذه الأنواع مختلف فيها.
فمثلًا: من رضعت من أمه ثلاث رضعات، فهي عند كثير من العلماء أو أكثر العلماء تحل له؛ لأن الرضاع المحرم خمس رضعات، وعند بعض العلماء أن المحرم ثلاث؛ لقول النبي - ﷺ -: "لا تحرم المصة ولا المصتان" (^١)، فمفهومه أن ما زاد عليهما محرم، فعلى هذا الرأي يكون هذا النكاح باطلًا؛ أي: فاسدًا.
وإذا تزوج من امرأة رضعت من أمه رضعة واحدة، فالنكاح أيضًا فاسد، لكن فساده أقرب من فساد من يقول بالثلاث؛ لأن القول بأن الرضاع مطلقًا محرم هو قول أهل الظاهر، وهو قول ضعيف.
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الرضاع، باب في المصة والمصتان، حديث رقم (١٤٥٠).
[ ١ / ٩٤ ]
فالنكاح الفاسد لا توارث فيه بين الزوجين، والنكاح الباطل كذلك لا توارث فيه، والنكاح الصحيح - وهو الذي أجمع العلماء على صحته؛ لتمام شروطه وانتفاء موانعه - هو الذي يحصل به الإرث، وهو مستفاد من قوله: ﴿مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾.
وقوله: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ هذا شرط عدمي، ووجه كونه شرطًا عدميًا: دخول النفي على مضمونه، والنفي عدم، فيشترط لإرث الزوج نصف ما تركت زوجته شرط عدمي، وهو أن لا يكون لها ولد.
وقوله: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ يشمل الواحد والمتعدد، والذكر والأنثى؛ لأن كلمة ﴿وَلَدٌ﴾ بمعنى مولود، وهو صالح للذكر والأنثى، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فدل هذا على أن الأولاد والولد يشمل الذكور والإناث.
وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ هذا تصريح بالمفهوم من قوله: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾، فمفهومه: إن كان لهن ولد فالحكم يختلف، بمعنى: أنه لا يكون لهم النصف وإنما يكون لهم الربع، كما قال تعالى: ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾.
فإن قال قائل: ما الحكمة من أنه مع الأولاد يكون للزوج الربع، ومع عدمهم يكون له النصف؟ فنقول: لأنه إذا كان لها أولاد، فإن أولادها محتاجون إلى الإنفاق عليهم، فلذلك توفر لهم من المال ثلاثة أرباع، بخلاف ما إذا لم يكن لها ولد.
وقوله: ﴿وَلَدٌ﴾ يشمل الذكر والأنثى، والواحد والمتعدد،
[ ١ / ٩٥ ]
ومن كانوا من زوجها، ومن كانوا من غير زوجها، كما لو ماتت ولها أولاد من زوج سابق، فليس لزوجها إلا الربع.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ويشترط للوصية التي تقدم على الإرث أن تكون وصية مشروعة، وذلك بأن تكون من الثلث فأقل، ولغير وارث، وأن تكون وصية تامة الشروط، فإن اختل شرط منها فبطلت فلا عبرة بها، فلو أوصت المرأة بشيء من مالها يصرف على أهل العزف والغناء، فالوصية باطلة لا عبرة بها، ولذلك فإن هناك قاعدة مهمة: "أن الألفاظ الشرعية تحمل على المعنى المعتبر شرعًا"، فعليه نقول: الوصية هي المعتبرة شرعًا، بحيث تكون من الثلث فأقل، ولغير وارث، وبالشروط المعروفة عند أهل العلم.
وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا مانعة خلو، وليست مانعة انفراد، والفرق بينهما: أن ﴿أَوْ﴾ التي هي مانعة الخلو تعني أنه يشترط ألا يخلو واحد من هذين الأمرين، وإن اجتمعا فهو أولى، والثانية التي تمنع الإشتراك هي التي يكون الحكم فيها لأحد الأمرين، فإذا قلتُ: أكرم زيدًا أو عمرًا، وأنا أريد أن تكرم أحدهما، فهذه مانعة اشتراك، وإذا قلت: أكرم زيدًا أو عمرًا، بمعنى أني جعلت لك الخيار، فهذه يسمونها: مانعة خلو، بمعنى: أنه لا يخلو الحال من إكرام أحد الرجلين، وإكرام أحدهما من باب أولى، فـ ﴿أَوْ﴾ هنا مانعة خلو، بمعنى: أنه قد يجتمع الدين والوصية، وقد ينفرد أحدهما، فالإرث لا يكون إلا بعد الوصية والدين، ولكن الوصية - كما سبق - تكون من الثلث فأقل، والدين قد يستغرق جميع المال، فإن استغرق الدين جميع
[ ١ / ٩٦ ]
المال فلا حق للورثة، فلو كان عليه ألف درهم وخلف ألف درهم، فهنا لا شيء للورثة؛ لأن الدين قد استغرق جميع التركة، ولو أوصت المرأة بألف وتركت ألفًا فقط، فإنها لا تنفذ الوصية؛ لأنها لا تملك الوصية إلا بالثلث فأقل.
وفي هذه الآية قدم الله تعالى الوصية على الدين، وقد سبق في الآية الأولى كذلك، وقد بيَّن العلماء ﵏ الحكمة من هذا بأن الوصية تبرع، والدين واجب، فقدمت الوصية - لجبر نقصها، بكونها تبرعًا - على الواجب، هذا وجه.
والوجه الثاني: أن الدين له من يطالب به، بخلاف الوصية فإنها تبرع، ولو شاء الورثة أن يجحدوها لجحدوها، فقدمت اهتمامًا بها واعتناءً بها.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ يقال في هذه الجملة ما قيل في التي قبلها، والحكمة من أن الله فرق بين الرجال والنساء، فجعل للأنثى نصف ما للرجل - لأن هذه هي القاعدة في الفرائض-: أن الرجل والأنثى إذا كانا من جنس واحد فهما على التفريق، فيكون للرجل ضعف ما للأنثى، إلا من ورث بالرحم المجردة، فإنه يستوي فيه الذكر والأنثى، مثل أولاد الأم، فإن ذكورهم وإناثهم سواء، ومثل ذوي الأرحام على المشهور من المذهب، فإن ذكرهم وأنثاهم سواء، فابن الأخت وبنت الأخت المال بينهما بالسوية، وسيأتي - إن شاء الله - في الفوائد ذكر الخلاف فيه، وأن الصحيح أن ميراث ذوي الأرحام مبني على إرث من يدلون
[ ١ / ٩٧ ]
به، فإن أدلوا بمن تختلف فيه الذكورة، والأنوثة فهم كذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ يحتمل أن تكون ﴿كَانَ﴾ هنا ناقصة، وتكون جملة ﴿يُورَثُ﴾ خبر كان، ويحتمل أن تكون تامة، و﴿رَجُلٌ﴾ فاعل، ويورث صفة لرجل، وهذا أقرب؛ لأن التقدير: وإن وجد رجل يورث كلالة، وقوله: ﴿كَلَالَةً﴾ مفعول مطلق، ودليل أنها مفعول مطلق: أنه يصح أن يقدر قبلها المصدر، والتقدير: يورث إرث كلالة، فعليه تكون مفعولًا مطلقًا.
وإرث الكلالة: أن يرث مَنْ دون الأصول والفروع؛ أي: أن يكون الوارث من غير الأصول والفروع؛ لأنه كالإكليل الذي يحيط بالشيء، وهم الحواشي، فالكلالة هو من كان ورثته حواشي، وهو من لا يرثه فرع ولا أصل، ولهذا جاء عن السلف أن الكلالة من ليس له ولد ولا والد، فالمورث كلالة هو الذي لا يرثه إلا الحواشي، مثل: رجل مات عن إخوة، أو عن أعمام، أو عن بني إخوة، أو عن بني أعمام فهو كلالة، فكل من يورث بلا أصل ولا فرع فهو كلالة.
وقوله: ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ معطوف على رجل، ولكن كلمة ﴿امْرَأَةٌ﴾ معطوفة على رجل بصفة، والمعنى: أو امرأة تورث كلالة، وقد اتفق النحويون وكذلك الأصوليون على أن الوصف إذا تعقب جملًا عاد على الكل؛ كقولنا: أكرم زيدًا وعمروًا وبكرًا وخالدًا إن اجتهدوا في الدراسة، فإن هذا الوصف يعود على الكل، وأما إذا انفرد وتقدم مثل قولنا: أكرم زيدًا وعمروًا وخالدًا إن اجتهدوا وبكرًا، فقد اختلفوا: هل يكون إكرام بكر مطلقًا، أو
[ ١ / ٩٨ ]
يكون موصوفًا بما سبق؟ على قولين في هذه المسألة: والصحيح أنه يرجع في هذا إلى القرائن، والقرائن هنا قد دلت على أن "امرأة" معطوفة على رجل باعتباره موصوفًا بكونه يورث كلالة.
وقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ الضمير في قوله: ﴿وَلَهُ﴾ يعود على الرجل الذي يورث كلالة وكذلك المرأة، ولم يقل: ولهما أخ أو أخت، اعتبارًا بالوصف الأول الذي هو الرجل.
وقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ مطلق، فيشمل الشقيق، أو لأب، أو لأم، ولكن العلماء أجمعوا على أن المراد الأخ من الأم أو الأخت من الأم، وقد وردت بها قراءة عن بعض السلف، "وله أخ من أم أو أخت من أم" وهذا ظاهر جدًا، حتى وإن لم ترد هذه القراءة؛ وذلك لأن الإخوة الأشقاء والإخوة لأب قد ذكر الله تعالى حكمهم في آخر السورة في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٧٦] الآية.
وقوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ أي: إذا كانوا اثنين فأكثر فهم شركاء في الثلث، فإن كانوا ثلاثة أو أربعة أو أكثر فهم شركاء في الثلث وهنا لا يفضل الأخ على الأخت؛ لأن الله قال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ ومقتضى الشركة عند الإطلاق التسوية.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ نقول فيها ما سبق، من أن هذه الوصية وصية شرعية في حدود ما أذن به الشرع.
وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ أي: أو من بعد دين، و﴿أَوْ﴾ هنا مانعة خلو كما سبق، لكنه قال هنا: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: بشرط ألا
[ ١ / ٩٩ ]
يكون المقصود بالوصية المضارة، فإن ثبت أن المقصود بها المضارة؛ فهي لاغية، كما لو علمنا أن هذا الميت الذي ليس له إلا إخوة من أم أنه أوصى بالثلث من أجل أن يضيق على الإخوة، فهذه وصية ضرار، فلا تنفذ؛ لأن الله اشترط في الوصية النافذة أن تكون غير مضار بها، وكذلك لو فرض أن المريض تدين دينًا يضر بالورثة يستغرق جميع ماله، فإنه في هذه الصورة ينظر فيه إذا كان قد ضار بهم، فإن الضرر ممنوع شرعًا.
وقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ (وصيةً) مفعول مطلق، عامله محذوف وجوبًا؛ لأن المقصود بها هنا الإلزام، والوصية بمعنى العهد المؤكد.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يصلح عباده، ﴿حَلِيمٌ﴾ بمن عصاه فلا يعاجله بالعقوبة، والفائدة من ختم هذه الآية الطويلة - التي اشتملت على إرث الزوجين والإخوة لأم - بالعلم والحلم: أنه قد تكون الوصية مضارًا بها، ومع ذلك فلا يعجل الله للإنسان بالعقوبة، ولهذا ختم الله هذه الآية بهذين الإسمين الكريمين: العليم والحليم.