تسلسل في الماضي إلا ما أُخبرنا به فقط؛ وإلا فنحن نؤمن بأن الله لم يزل ولا يزال فعّالًا.
والثاني: النوعي، وذلك مثل الإستواء على العرش، وهذا حادث، فإن الله لم يستو على العرش قبل خلق العرش.
والثالث: الآحادي، وذلك كالنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة، والمجيء للفصل بين العباد، والنزول إلى السماء الدنيا عشية عرفة، والغضب عند وجود سببه، والرضا عند وجود سببه، والضحك عند وجود سببه، والعجب عند وجود سببه، وغير ذلك.
وقد أثبت أهل السنة والجماعة ذلك، وأنكره الأشاعرة والمعتزلة ومن سلك سبيلهم، وقالوا: لا يمكن أن يوصف الله بصفة حدوثية أبدًا، ولهذا يرون أن القرآن الذي بين أيدينا قديم، وعللوا هذا الحكم الفاسد فقالوا: إن قيام الحوادث بالله ﷿ يقتضي أن يكون حادثًا؛ لأن الحوادث لا تكون إلا في حادث، ولا شك أن هذه علة عليلة؛ بل ميتة، فإن كون الحوادث تقوم بالله ﷿ وأنه يفعل ما يريد، هذا دليل على كماله، وكمال حياته، ولو تصور الإنسان ربًّا لا يفعل، وربًّا يفعل، لكان مقتضى الفطرة أن الثاني أكمل بلا شك، فالصواب بلا شك أن أفعال الله ﷿ كما تكون جنسًا، تكون نوعًا، وتكون فردًا آحادًا.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦].
[ ١ / ١٢٩ ]
﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ اللذان: في مقابل اللاتي، وتكون للذكور، ولكن المقابلة ليست بتامة، فهنا قال: "اللذان"، وهناك قال: "اللاتي"، وقد قال بعض العلماء: إن المراد باللذان هنا: الزاني والزانية، ولكن الزانية سبق حكمها، وهو أنها تحبس في البيت، والزاني يؤذي ولا يُحبس في البيت. وقال بعض العلماء: المراد بهما اللوطيان؛ أي: الفاعل والمفعول به، وأضاف الإتيان إلى المفعول به مع أنه مأتي؛ لأن القابل الراضي كالفاعل، ولهذا قال النبي - ﷺ -: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (^١).
والصحيح أن "اللذان" يراد بهما اللائطان؛ أي: الرجل الذي يلوط بآخر، والعياذ بالله.
ولكن لماذا عبر في حق النساء بـ "اللاتي" وفي حق الذكور بـ "اللذان"؟
لأن فشوَّ الزنا في النساء أكثر من فشو اللواط في الذكور، وقد كانوا في الجاهلية لا يعرفون اللواط، حتى إن بعضهم يقول: لولا أن الله قص علينا ما قص من نبأ قوم لوط، لما كنا نتصور أن هذا يقع؛ لأنه لا يتصور أن رجلًا يرضى أن يُفعل به كما يفعل بالمرأة! ! !
هذا شيء مستحيل فطرة، ومستحيل شرعًا، فلذلك عبر عن
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب الحدود، باب فيمن عمِل عمَل قوم لوط، حديث رقم (٤٤٦٢)؛ والترمذي، كتاب الحدود، باب حد اللوطي، حديث رقم (١٤٥٦)؛ وابن ماجه، كتاب الحدود، باب من عمِل عمَل قوم لوط، حديث رقم (٢٥٦١)؛ وأحمد (١/ ٣٠٠) عن ابن عباس.
[ ١ / ١٣٠ ]
اللواط بأدنى ما يمكن أن يتحقق به وهو اثنان، بخلاف الزنا في النساء فإنه كثير.
وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ الضمير في ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ يعود على الفاحشة، وفاحشة الرجال هي اللواط، وهي أعظم من فاحشة الزنا؛ والدليل على عظمها: أن لوطًا قال لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، وفي الزنا قال الله ﷿: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [النساء: ٢٢] أي: من الفواحش، أما اللواط فقال عنه: الفاحشة؛ لأنها - والعياذ بالله - مستفحشة في عقل كل إنسان.
ثم إن الزنا جنسه مما يباح بالعقد، واللواط لا يباح بأي حال من الأحوال، لا بعقد ولا بغيره، فكان أفحش.
وقوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ أي: بالسب، والتعيير، والضرب، والإعراض على سبيل التعزير، والهجر، وما أشبه ذلك مما يتأذيان به.
وقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ أي: إن تابا مما وقع منهما، وأصلحا عملهما في المستقبل، فأعرضوا عنهما؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فيعرض عنه؛ لأن السبب ما دام موجودًا، فإن المسبب يتبعه، فإذا زال السبب زال المسبب.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ توابًا: صيغة مبالغة، وذلك لكثرة توبته وكثرة من يتوب عليهم؛ فالذين يتوب الله عليهم لا يحصون، وتوبته ﷿ لا تحصي، فلهذا عبر بصيغة المبالغة، وتوبة الله على العبد نوعان: توبة قبل فعل التوبة، وتوبة بعدها؛ فالتوبة التي قبل فعل التوبة معناها: التوفيق للتوبة، كما
[ ١ / ١٣١ ]
قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، والتوبة التي بعد التوبة هي: قبول التوبة، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، والله سبحانه تواب بهذا المعنى وبهذا المعنى، فهو تواب؛ أي: مهيئ للتوبة لمن شاء من عباده، وتواب؛ أي: قابل للتوبة.
﴿رَحِيمًا﴾ أي: ذو رحمة يوصلها إلى من شاء من عباده؛ كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)﴾ [العنكبوت: ٢١].
وفي هذه الآية شيء من الإشكال، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، فإن المعروف أن "كان" للمضي، ويفهم منها أن هذا الوصف كان فزال، كما لو قلت: كان فلان طالب علم، المعنى: فيما مضى.
وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال: بأن "كان" قد تسلب منها الدلالة على الزمن، ويكون المراد بها تحقق الإتصاف بخبرها، وكل ما أضيف إلى الله من هذا التركيب فإن هذا هو المراد به؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤]، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧]، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦] وما أشبه ذلك. فالمراد أنه متصف به أزلًا وأبدًا، ولكن أتت "كان" لتحقيق اتصافه بهذا الوصف.