ذلك؛ عرفنا أنه تاب، ولهذا قرن التوبة هنا بالإصلاح، فلا بد من شيء يدل على أنه تاب، وهو إصلاح العمل والبعد عن هذه الفاحشة.
٤ - إثبات أن الحكم يدور مع سببه؛ وجودًا، وعدمًا، ووجهه أنه قال: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ فلما زالت العلة زال الحكم، وهو كذلك؛ فإن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولكن إن كانت العلة منصوصًا عليها، فإنها إذا تخلفت فلا بد أن يتخلف الحكم، وإن كانت مستنبطة، فلا ينبغي أن يتخلف الحكم بتخلفها؛ لأنه من الجائز أن لا تكون العلة شرعًا هي هذه العلة المستنبطة، فنلغي حكمًا من أحكام الله ثابتًا بمجرد الإحتمال، أما لو نص عليها فالحكم يدور معها، مثل قوله - ﷺ -: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، من أجل أن ذلك يحزنه" (^١)، فإن هذا يدل على أنه لو كان لا يحزن بهذا التناجي؛ جاز ذلك.
٥ - إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: التواب والرحيم، وقد سبق معنى التواب، ولماذا جاء بصيغة المبالغة، وكذلك معنى الرحيم.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٧].
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الإستئذان، باب لا يتناجي اثنان دون الثالث، حديث رقم (٥٩٣٠)؛ ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم مناجاة الإثنين دون الثالث بغير رضاه، حديث رقم (٢١٨٣) من حديث ابن عمر.
[ ١ / ١٣٦ ]
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾، ﴿التَّوْبَةُ﴾: مبتدأ مسبوق بأداة الحصر وهي ﴿إِنَّمَا﴾، وخبر المبتدأ قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾، أو قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ فيحتمل هذا وهذا.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾ ﴿السُّوءَ﴾ يعني: العمل السيئ؛ كالمنكرات، وفعل المحظورات، أو ترك الواجبات، ولكنه قيدها بقوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ والمراد بالجهالة هنا: السفاهة، وليس الجهل؛ لأن فاعل السوء بجهل معذور، ولا ذنب عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولكن المراد بالجهالة هنا السفاهة، ومنه قول الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي: ثم إذا فعلوا السوء بجهالة تابوا إلى الله من قريب، والقريب هنا ما كان قبل الموت، فإذا تابوا قبل الموت تاب الله عليهم، وسيأتي في الفوائد أنه تجب التوبة فورًا.
وقوله: ﴿يَتُوبُونَ﴾ بمعنى: يرجعون إلى الله، وذلك بترك ما قاموا به من السوء، أو فعل ما تركوه من الواجب.
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، هذه الجملة باعتبار ما قبلها تأكيد؛ لأن هذا الحكم مفهوم من قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾، ولكنه أكد ما التزم به ﷿ على نفسه بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾.
وأشار إليهم بـ "أولئك" مع أنهم باعتبار الحديث عنهم في محل القرب، والقريب يشار إليه بـ "هؤلاء"، لكنه هنا قال: أولئك، فأشار إليهم بإشارة البعيد؛ إشارة إلى علو منزلتهم بالتوبة.
[ ١ / ١٣٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: ذا علم وحكم وحكمة، فالعلم: إدراك الشيء على ما هو عليه، وهذا التعريف يخرج الجهلين جميعًا: الجهل البسيط، والجهل المركب؛ لأن الجهل البسيط ليس فيه إدراك مطلقًا، والجهل المركب فيه إدراك الشيء على غير ما هو عليه، فالعلم: إدراك الشيء على ما هو عليه.
وبالنسبة لعلم الله ﷿ فإنه علم شامل كامل، وقولنا: كامل؛ أي: أنه لم يسبق بجهل، ولم يلحق بنسيان، قال موسى ﵊ لفرعون حين قال: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١] قال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، ﴿لَا يَضِلُّ﴾؛ أي: لا يجهل، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ما علم، وهو كذلك شامل، قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقد بين الله تعالى علمه في كتابه أحيانًا بالإجمال والعموم، وأحيانًا بالتفصيل، فقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩] هذا تفصيل، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، أيضًا فيه شيء من التفصيل، وأما الإجمال فكثير في القرآن.
والعلم أشمل من القدرة وأوسع؛ لأنه يتعلق بكل شيء، حتى بالممتنع، بخلاف القدرة، فإنها شاملة لكل شيء، لكن ما
[ ١ / ١٣٨ ]
كان مستحيلًا فليس بشيء بالنسبة للقدرة، أما العلم فيشمل حتى المستحيل، فمثلا قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، فإن تعدد الآلهة ممتنع مستحيل، ومع ذلك أخبر الله أنه لو كان لكان ما ذكر الله تعالى.
وقوله: ﴿حَكِيمًا﴾ مشتق من الحكم والحكمة، فهو حاكم إذا جعلناه مشتقًا من الحكم، ومُحكِم إذا جعلناه مشتقًا من الحكمة.