وإجلاله؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. والعكس بالعكس.
٦ - قبول الله للتوبة إذا تاب الإنسان من قريب، لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾.
٧ - إثبات العلم والحكمة، والحكم لله، أيضًا المفهومة من قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وقد بينا في التفسير أن علم الله تعالى واسع شامل لكل صغير وكبير، وقريب وبعيد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ [آل عمران: ٥].
٨ - إثبات هذين الإسمين لله، وهما: العليم والحكيم.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٨].
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ هنا قال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾، ولم يقل: على الله؛ لأن هذه التوبة منتفية شرعًا، فهي ليست حقيقية، وقوله: ﴿السَّيِّئَاتِ﴾، يحتمل أن يراد بها الجنس، وهو الأظهر، أو الجمع؛ لأنه ظاهر اللفظ.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ فهؤلاء لا توبة لهم؛ لأن توبتهم توبة ضرورة؛ كالمكره على العمل، والمكره على العمل لا حكم لعمله، كما هو معروف بأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يحكم بكفره، وكذلك هذا الذي تاب بعد أن أيس من الدنيا وأيقن أنه راحل، فإن هذه التوبة لا تنفعه. لأنه عندما شاهد الموت أراد أن يتوب،
[ ١ / ١٤١ ]
وأي توبة صادقة لشخص علم أنه مفارق الدنيا؟ ! وهذا نظير قوله - ﷺ - من بعض الوجوه عندما سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: أن "تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء وتخشى الفقر"، فقوله: "تأمل البقاء"؛ أي: لصحتك، فإن الصحيح يستبعد الموت، و"تخشى الفقر"؛ لأنه شحيح، ثم قال ﵊: "ولا تمهل - يعني: لا تؤخر - حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان كذا" (^١)؛ أي: للوارث، وهذا يقع كثيرًا، فإنه إذا أيس الإنسان من حياته ذهب يوصي، فيقول: أوصيت بكذا لأعمال البر، وبالصدقة على الفقراء، وطبع الكتب، وبناء المساجد، مع أنه قبل أيام لم يوص؛ لأنه الآن آيس من حياته، وعلم أنه مفارق لا محالة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الواو في قوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ﴾: حرف عطف، ﴿وَلَا﴾ زائدة للتوكيد، و﴿الَّذِينَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾، والمعنى: وليست التوبة أيضًا للذين يموتون وهم كفار، فإن الذين يموتون وهم كفار لا توبة لهم.
وظاهر الآية مشكل؛ لأن من مات انقطع عمله، فكيف يقول: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾؟
فنقول: المراد بذلك ندمهم يوم القيامة، حيث يندمون
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب أي الصدقة أفضل وصدقة الشحيح الصحيح، حديث رقم (١٣٥٣)؛ ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، حديث رقم (١٠٣٢) عن أبي هريرة.
[ ١ / ١٤٢ ]
ويقولون: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام: ٢٨]، فتوبة الكافر بعد الموت يراد بها: ندمه الذي يظهره يوم القيامة، فإن ذلك لا ينفعه؛ لأن وقت العمل قد انتهى، وما بقي إلا وقت الجزاء والحساب.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ المشار إليه بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ هم الكفار الذين ماتوا على الكفر، أما من مات على ما دون الكفر، فهذا أمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فإعداد النار إنما هو للكافرين، أما العصاة فقد يعفى عنهم ولا يدخلون النار أبدًا.