أن الرجل قالها تعوذًا من القتل، لكن مع ذلك لم يجعل النبي - صلي الله عليه وسلم - القرينة مانعة من الحكم بالظاهر.
٤ - أن الكافر لو تاب يوم القيامة لم تنفعه توبته، لقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾.
٥ - وجوب المبادرة بالتوبة؛ لأن الله علق قبولها على أمد لا يُعلم، فإذا كان كذلك وجب المبادرة بها.
٦ - أن الله ﷿ أعدَّ للكافرين الذين يموتون على الكفر عذابًا مؤلمًا.
٧ - بطلان قول من يقول: إن أهل النار يتكيفون بها ويتأقلمون عليها، فلا يضرهم حرها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ولو كان الأمر كما ذكروا لم يكن مؤلمًا لهم.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والخطاب إذا ابتدئ بالنداء فإنه دليل علي أهميته، والعناية به، وإذا صدر بهذا الوصف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كان دليلًا على أن امتثاله من مقتضيات الإيمان، وفيه دليل على اتخاذ الإسم المغري بالشيء؛ أي: الحاث على الشيء، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فكأنه يغريهم على قبول ما
_________________
(١) = الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، حديث رقم (٩٦) عن أسامة بن زيد.
[ ١ / ١٥٠ ]
سيوجه إليهم؛ لأن الوصف إذا ذكر على وجه يهيج الإنسان، كان هذا إغراءً به، كما تقول: يا أيها الكريم! لا تبخل على الضيف، يا أيها الرجل! لا تغلبك النساء، فإن هذا يوجب على الإنسان أن يأخذه الحماس حتى يمتثل.
وقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ نفي الحل يقتضي التحريم، والمحلل والمحرم هو الله ﷿، ولهذا يعبر الله سبحانه أحيانًا بالتحريم، وأحيانًا بنفي الحل، ففي هذه الآية قال: ﴿لَا يَحِلُّ﴾، وسيأتي بعدها بآيات التصريح بالتحريم في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
وقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ﴿كَرْهًا﴾ أي: كُرهًا عليهن، بحيث لا يرضين بذلك وأنتم تجبرونهن على هذا الميراث.
وليس المعنى أنهم يرثونهن كما يرثون المال، بمعنى أنهم يسترقونهن، بل المعنى: أنهم يخلفون أزواجهن فيهم دون تملك؛ لأنهم لا يرثون النساء كما يرثون المال، بل يخلفون أزواجهن فيهن، فسماه الله ميراثًا؛ لأن كل من خلف غيره في شيء فهو وارث له، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: ٤٠]، مع أن الله ﷿ مالك لها من قبل، ومالك لمن عليها، لكنه يفني من عليها ويبقى هو سبحانه، وقال تعالى عن زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥ - ٦] أي: يخلفني في قومي في العلم والنبوة، وليس المعنى أنه يرثهم ميراث مال؛ وذلك لأن الأنبياء لا يُورثون.
وقوله: ﴿كَرْهًا﴾ هذا القيد لبيان الواقع، وإذا كان لبيان
[ ١ / ١٥١ ]
الواقع فلا مفهوم له، ولا يدل على أنهن لو رضين أن يخلف الرجال أزواجهن فإن ذلك جائز؛ لأن هذا لا يجوز إلا بعقد نكاح شرعي، فلا يحل أن يرثوا النساء لا كرهًا ولا اختيارًا، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل جاء ورثته من بعده ومنعوا المرأة أن تتزوج إلا بمن يرضون هم، وإذا كانوا من بني عمه اختارها أحدهم فتزوجها قهرًا عليها، وهذا لا شك ظلم وعدوان، فلهذا نهى الله عنه فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ هذه مسألة أخرى تشبه ما سبق، فقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي: لا تمنعوهن حقوقهن فتلجئوهن إلى المخالفة، ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، وهذا يقع كثيرًا من بعض الأزواج الظلمة، فيعضل زوجته ويمنعها، فإذا ضاقت به ذرعًا اضطرت إلى أن تفتدي نفسها منه بمال، فيكون هذا أخذًا لما أعطاها من قبل، إما الكل وإما البعض.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ فلو عضلها ليأخذ كل ما أعطاها فإنه يدخل في النهي.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وفي قراءة "مُبَيَّنَة" أي: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فلكم أن تعضلوهن، والفاحشة المبينة فيها أقوال:
قيل: إنها الزنا، فإذا زنت فله أن يعضلها من أجل أن تفتدي منه؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يبقى مع زوجة زانية، ولا تطيب نفسه أن يطلقها هكذا فيذهب ماله، فله في هذه الحال أن
[ ١ / ١٥٢ ]
يعضلها ويمنعها حقها من أجل أن تخالع وتفتدي نفسها منه.
وقيل: إن المراد بالفاحشة المبينة بذاءة اللسان، بأن تكون سليطة اللسان عليه وعلى أهله وعلى الجيران، فإن ذلك مستفحش عرفًا، فإذا حصل من المرأة هذا فله أن يعضلها حتى تفتدي منه.
وقيل: المراد سوء العشرة، بحيث لا تعطيه حقه على وجه الرضا والإنبساط والإنشراح، فإذا دعاها إلى فراشه قامت تتقهقر، وتتمنع، ويحمر وجهها ويصفر، ولا تجيبه، وإذا أمرها بحاجة صارت تتكره لبذل هذه الحاجة التي يجب عليها أن تبذلها، فهذا من الفاحشة المبينة.
والقول الأخير يشمل القولين قبله؛ لأنه لا شك أن من سوء العشرة أن تخدع المرأة زوجها فتزني والعياذ بالله، ولا شك أيضًا أن من سوء العشرة بذاءة اللسان، وطول اللسان، فعليه يكون المعتمد: أن المراد بالفاحشة المبينة سوء العشرة بأي شيء كان، سواء كان مما يستفحش شرعًا؛ كالزنا، أو عرفًا، مع أن الزنا يستفحش شرعًا وعرفًا.
وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: النساء، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، والمعاشرة مفاعلة، فهي تكون من الجانبين؛ لأن الغالب أن الفعل الذي يكون مصدره مفاعلة أنه واقع من الجانبين، مثل: جاهد مجاهدة، قاتل مقاتلة، ياسر مياسرة، عاسر معاسرة، عاشر معاشرة، وقد لا يكون من الجانبين؛ كسافر، فإن السفر لا يكون إلا من واحد.
ومعنى قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: ليعاشر كل منكم
[ ١ / ١٥٣ ]
الآخر بالمعروف؛ أي: بما يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، فإن كان مما يتعارفه الناس ولكن الشرع ينكره فإنه لا يجوز، وليس بمعروف بل هو منكر، والمراد: المعاشرة بالقول والفعل والبذل .. بالقول بأن يلين لها القول، وتلين له القول، وبالفعل: بالخدمة وما أشبهها، وبالبذل: بذل النفقات؛ من كسوة، وطعام، وشراب، ومسكن، ولا يلزمها قضاء دينه، ولا يلزمه قضاء دينها، اللهم إلا أن تستدين لنفقة واجبة عليه، فإن استدانت لنفقة واجبة عليه وجب عليه قضاء هذا الدين؛ لأنه لازم له.
وقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أي: أنه قد يكره الإنسان الزوجة فلا يعاشرها بالمعروف؛ لأن من طبيعة الإنسان أنه إذا كره شيئًا لا ينقاد له، ولا يفرح به، فيقول الله ﷿: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لسوء أخلاقهن، أو لغير ذلك ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وهذا إشارة إلى أن نصبر عليهن؛ أي: إن كرهتموهن فاصبروا ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ لا تتوقعونه، ومن الخير أن يقدر الله بينهما ولدًا صالحًا، فإن هذا من أعظم الخيرات، ومن الخير أيضًا أن يقلب الله أحوالها وصفاتها التي كان يكرهها من أجلها إلى أحوال وصفات يرضاها، وحينئذ يطمئن إليها ويعيش معها عيشة حميدة.