شرعًا وإن كان قد جعلها قدرًا، وكذلك قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥].
١٤ - جواز ثبوت الكراهة بين الرجل المسلم وأخيه، لقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، فأثبت الله الكراهة شرطًا وتحقيقًا، ولا شك أن هذا وارد، وهو أن الإنسان قد يكره أخاه المسلم، ولكنه مأمور إذا وجد من قلبه كراهة لأخيه المسلم أن يفكر لأي سبب كرهه، فإذا كان لأمر شرعي فلينصح أخاه عن هذا الشيء حتى يزول؛ فتزول الكراهة، وإذا كان لغير أمر شرعي بأن وجد أنه يكره هذا الرجل كراهة عادية، لا لخلل في دينه أو خلقه، فعليه أن يعالج هذا الداء حتى يزيل عن قلبه كراهة إخوانه؛ لأن من أوثق عرى الإيمان المحبة في الله.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠].
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ﴾ أي: إن اخترتم، فالإرادة هنا بمعنى: المشيئة والإختيار.
﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ أي: أخذ زوج ﴿مَكَانَ زَوْجٍ﴾؛ أي: إن أردتم أن تطلقوا الزوجة الأولى، وتأخذوا بدلًا عنها زوجة جديدة، ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ الآية مبهمة، لكن ما دام الأمر فيه بدل، فإن المبدل منه هو الأولى، والمعنى: وآتيتم إحداهن وهي الأولى، على أنه يصح أن تكون الثانية، بأن يتزوج
[ ١ / ١٥٨ ]
ثانية ولكن لا يرغب فيها، ويريد أن يطلقها، فتكون الآية عامة لهذا ولهذا.
وقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ﴾ بمد الهمزة، بمعنى: أعطيتم، أما قصر الهمزة "أتيتم" فهو بمعنى: جئتم، وهي تنصب مفعولين، ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وفي هذه الآية المفعول الأول ﴿إِحْدَاهُنّ﴾، والثاني: ﴿قِنْطَارًا﴾.
فإن قال قائل: ما هي العلامة على أنها نصبت ما ليس بمبتدأ ولا خبر؟
فنقول: العلامة: أنه إن صح الإخبار بالثاني عن الأول؛ فأصلهما المبتدأ والخبر، وإن لم يصح؛ فليس أصلهما المبتدأ والخبر، فهنا لو قيل: "هن قنطار" فإنه لا يصح.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ الفاء رابطة لجواب الشرط، وإنما ربط الجواب بالفاء لأنه طلب ﴿فَلَا تَأْخُذُوا﴾، و"لا" ناهية، والدليل على أنها ناهية جزم الفعل، وإذا وقع الجواب جملة طلبية وجب اقترانه بالفاء، وقد نظم في ذلك بيت من الشعر:
اسمية طلبية وبجامد وبما وقد ولن وبالتنفيس
وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي: مما آتيتموهن ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي، فهي تعم القليل والكثير.
وقد نهى الله ﷿ عن أخذ شيء مما أعطيناهن؛ لأن لها المهر بما استحل من فرجها، كما سيأتي في الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢١]، وقد
[ ١ / ١٥٩ ]