ثبت عن النبي - ﷺ - أن استحلال الفرج موجب للمهر كاملًا.
وقوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ الإستفهام هنا للتوبيخ، فإن الله تعالى يوبخ هؤلاء الذين يحاولون أن يأخذوا منه شيئًا، وينكر عليهم.
وقوله: ﴿بُهْتَانًا﴾ أي: كذبًا؛ لأنكم لم تستحقوه.
وقوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: عقوبة، أو معصية بينة واضحة، فمبين هنا بمعنى: بيّن، وإن كانت من الرباعي؛ لأن "أبان" الرباعي يجوز أن يكون لازمًا ومتعديًا، فقوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ من "أبان" اللازم؛ أي: إثمًا بيِّنًا.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾.
يقول الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ استفهام للتعجب والإنكار.
وقوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ الجملة هنا في موضع نصب على الحال، والمعنى: والحال أنه قد أفضى بعضكم إلى بعض؛ أي: انتهى بعضكم إلى بعض بما لا ينتهي إليه إلا الزوج.
وقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ النون في ﴿وَأَخَذْنَ﴾ ليس فيها ألف؛ لأنها نون نسوة، وليست ضمير متكلم، فإنها لو كانت ضمير متكلم لكان: "وأخذنا"، فقوله: ﴿وَأَخَذْنَ﴾ أي: النسوة.
قوله: ﴿مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ هنا إشكال من جهة أن ما
[ ١ / ١٦٠ ]
سبقه إما مفرد، وإما مثنى، فكيف عاد الضمير جمعًا لما سبق؟
والجواب عن ذلك أن يقال: إن ما سبق من المفرد أو المثنى يراد به الجنس، وإذا أريد به الجنس؛ صح أن يُجمع باعتبار الجنس.
وقوله: ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ الميثاق: هو العهد، والغليظ: هو المشدد، أو الشديد؛ أي: أخذن منكم ميثاقًا غليظًا وذلك بعقد النكاح، فإن عقد النكاح يستلزم أنه متى ملك العوض ملك المعوض، فأنت عندما ملكت البضع، واستحللت منها ما لا يستحله إلا الزوج؛ وجب لها المهر الذي هو العوض، وهو عهد وميثاق غليظ لا يوجد له نظير من العقود، فإن أشد ما يكون من العقود وأخطر ما يكون منها هو عقد النكاح؛ لأنه يترتب عليه أشياء كثيرة؛ كثبوت المحرمية، ولحوق النسب، ووجوب النفقة، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة، ولهذا احتاط له الشرع ما لم يحتط لغيره، فلا بد فيه من ولي، ولا تستقل به المرأة بنفسها، مع أن بيع مالها ولو كثر تستقل به إذا كانت مكلفة رشيدة، ولا بد فيه من شهود عند كثير من أهل العلم، وعقد البيع لا تجب فيه الشهادة، ولا بد فيه من الخلو من الموانع، وبقية العقود قد تنعقد مع مانع لكن مع الإثم، أما هذا فلا، ثم عند التحلل منه وفسخه ليس هو كغيره من العقود متى شاء فسخ، بل لا بد له من قيود، فلا يفسخه في حيض، ولا يفسخه في طهر جامع فيه، ثم إذا فسخ فإنه يترتب على ذلك آثار؛ كالعدة وغيرها، إذًا: فهو أخطر العقود، ولهذا سماه الله: ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
[ ١ / ١٦١ ]